في عقيدة إسرائيل العسكرية أن العرب لا يستطيعون خوض حروب عسكرية نظامية، وهذا صحيح الى حد بعيد، لكن لا يعني نهايتها، لأن الورم الخبيث لا يزال يعيش في الخلايا، اي ان العداء لن ينتهي الا بإدراك إسرائيل ان كل طفل يشهد الآن القتلى في لبنان وفلسطين، يمكنه ان يلبس خوذة الجندي، وقبعة (القبطان) حتى لو كانتا مجرد رمز لطفل يقلد صورة ما، فإنهما راسختان بوجدانه، وتلبيان حاجة ذاتية له، بمعنى أشمل ان عوامل بعث الحروب قائمة، الا اذا صادقت إسرائيل على وثيقة سلام، قد تجعلها جزءاً من المنطقة.
لقد حارب العرب عام 1948 بأسلحة غربية فاسدة، وجيش من الهجانة قد لا يحسنون كتابة بعض الحروف الهجائية، امام إسرائيليين جاءوا من المدارس والجامعات، ثم حاربو عام 1967 وانهزموا، وقيل إن السبب تخلف الأسلحة السوفياتية، وبنفس الأسلحة خاضوا معارك 73م وانتصروا، ثم جاءت دراما تواقيع السلام بحروف نهائية وقيل إنها خاتمة الصراع، لكن الباعث لكل ذلك، القضية الفلسطينية، وكل المراوغات والمحاولات بتهميشها تعتبر منطقاً معكوساً، لأنها العامل الأساسي بتجديد الصراع، ولعل الحرب الدائرة الآن لا تخوضها جيوش نظامية، بل منظمات تفتقر الى اساسيات الحرب الحاسمة، ومع ذلك فلأول مرة تصل صواريخ عربية تنطلق من جنوب لبنان الى عمق إسرائيل، ومع افتراض أنها لن تحسم القضية بانتصار سريع او طويل بسبب فوارق القوة لصالح اسرائيل، الا ان أمن إسرائيل لن يتحقق بصيغة العامل النفسي المخيف لقوتها، اي أن كسر هذا الحاجز سيوفر غطاءً معنوياً للعرب، وحافزاً لأن يتحول الموقف الى قوة الجغرافيا، والديموغرافيا، وربما الى صناعة آلية عسكرية رادعة لا تعتمد على احتكار السلاح، وإنما على القدرات الذاتية.
العرب جربوا من خلال الحروب الهجرات للداخل بحثاً عن موقع آمن لكن إسرائيل لا تزال تعيش هاجس الأمن الذي تحميه القوة، الا ان وصول الصواريخ الى عمقها الداخلي، قد يتسبب بهجرة معاكسة، خاصة لشعب لا يزال يملك اكثر من هوية وجنسية، مفتوحة امامه حدود العالم، ثم إنه شعب مترف، قياساً بالجيران، وهو أمر يجعل سلامته الخاصة، فوق مبدأ الأرض، طالما الوطن البديل موجود، وبنفس الهوية، والمواصفات والمعاملات.
حرب الألف عام لن تنتهي، لأنها قرار وجود لطرفي نزاع لم يصلا الى النقطة التي يتلاقى عليها الخصوم، وحتى مع جبروت إسرائيل والحماية التي تلقاها، فالقضية ليست حياة تلد حرباً أخرى، وإلا فهي الخاسرة قياساً للزمن والعوامل الداعمة له من بشر وموقع، ولذلك فهل تصبح الصواريخ بداية قراءة جديدة لتاريخ بدأت كتابته، وإعادة نظر بمسلّمات أن الانتصار له ثمن، والهزيمة رحم لولادات جديدة مختلفة المواصفات وعلى هذا الأساس يمكن أن يكون السلام هو الحل ولكن ليس من طرف واحد.