لن يختلف اثنان على أن للموت وحشة، فمهما كان الإنسان متوحشاً في عصور موغلة في القدم، إلا أن الشواهد تدل على أنه يشعر بفقدان العزيز، وكذلك تسلك الوحوش والضواري نفس المسلك، والطيور تحن حنين الألم بفقدان عزيز عليها وقد لا تبرح المكان حتى تيأس من رجوعه. ولكن يتميز الإنسان على بقية المخلوقات بالعقل الذي مكنه من التعامل مع المشهد الحزين بطرق عديدة تباينت عبر العصور، وله مع مشهد الموت أحزن المواقف، ولذا حاول أن يواسي نفسه باحترام الميت من خلال إيجاد وسيلة بحفظه من أن يصبح أشلاء تمزقها الوحوش وتنهشها الطير وتلتهم فتاتها الحشرات، ومن هذا المفهوم بدأ الإنسان في المحافظة على جثث موتاه على خلاف بقية المخلوقات الأخرى التي تترك موتاها في العراء بعد أن تفقد الأمل في صحوتها.
وقد كتب الكثير من الباحثين عن قصص الإنسان مع موتاه بما يخص مسألة حفظ الجسد بعد الوفاة، والمقصود بالحفظ حمايته فقط حتى يصبح رميما، وطرح في هذا المضمار العديد من النظريات التي تستند استناداً كلياً إلى ما اكتشف من بقايا آثار الإنسان. ومما يلاحظ أن المدافن التي تعود إلى أغلب حياة الإنسان تعد قليلة إذ يعود أكثر من 99٪ بل تزيد مما اكتشف من مقابر العالم القديم إلى الستة آلاف عام السابقة على ميلاد المسيح عليه السلام أما ما مرّ قبلها فما اكتشف له من المقابر لا يتجاوز المئات. وفي قصة الإنسان مع موتاه وجدت فصلاً في كتاب رأيت أنه يحتوي على معلومات جيدة فأحببت أن أقدم بعضها مترجماً للباحث في الآثار والتاريخ القديم والقراء الآخرين.
يقول مؤلف الكتاب الحيوان لا يفكر في دفن موتاه، ولا يفكر بما يمكن أن يحدث بعد الموت. فالإنسان فقط هو المخلوق الوحيد الذي يفكر بما يمكن أن يكون بعد الموت، ومن هذا المنطلق فكر في دفن موتاه. لا يمكن معرفة أقدم المقابر لأن ما نعرفه لا يمكن أن يكون هو الأقدم.ولكي يبدأ الدفن لا بد أن يعرف الإنسان أن الموت قد وقع وأن احترام الميت واجب. الناس الذين عاشوا معتمدين على بعضهم البعض في كثير من الأمور ويحيطون بالنار ككتلة واحدة لا بد أن يحزنوا ويشعروا بفقد أي من المجموعة يأخذه الموت أخذاً طبيعياً أو بحادثة.
ومع أننا لا يمكن أن نعرف كيف عالج إنسان العصور الحجرية مسألة موتاه، إلا أننا نستطيع أن نحصل على شيء من المعلومات من مقابره الموجودة على سطح الأرض. ويمثل الموت في الكثير من الحالات النوم، ولكن ربما لم يدرك إنسان العصر الحجري القديم الاختلاف. ربما اعتقد أن الموت نوع من النوم الذي يمكن أن يفيق منه الميت يوماً ما، فكثير من الجثث في المقابر القديمة تضطجع في وضعية خاصة، تضطجع على الجانب وتكون الركب موضوعة تحت اللحى والأيدي فوق الرؤوس، وهذه الوضعية تمثل وضعية الإنسان النائم.
وتغطية الجسم بالمغرة الحمراء تقليد واسع الانتشار، فربما أنه يمثل لون الدم الذي يفقده الإنسان المجروح. وربما أنه قصد ببودرة اللون الأحمر إعادة قوة الحياة بمادة الاحمرار إلى الجسم. ونجد المزيد من الأدلة على الأفكار القديمة في الأسلحة، والأدوات، وأدوات الزينة التي وجدت في المقابر والتي في الغالب تعود الى شخص ميت. وربما أنهم وضعوها لاعتقادهم أن الميت سوف يحتاجها في الحياة الأخروية. وربما أن الأحياء تخلصوا منها بهذه الطريقة لأنها تتبع لشخص ميت.
ومن الممتع أن نقر بوجود بعض الهياكل في مقابر العصر الحجري القديم كانت أصلاً مربوطة أو ملفوفة. وهذه الطريقة لا توحي فقط ان الإنسان سوف يعود الى الحياة، بل قد توحي أنه سوف ينفجع عندما يعود اليها. وعادة لف الميت شائعة في عصور ما قبل التاريخ واستمرت في العصور التاريخية في بعض مناطق العالم القديم لأجل منع الإنسان من النهوض والمشي. لا نعرف بشكل مؤكد لماذا إنسان العصر الحجري الحديث لفت موتاه؟، ولكن ليس هناك أدنى شك أن هناك أسباباً غامضة في الموضوع.
ربما سبقت احتفالات أخرى لعرض أجساد الموتى شعائر عادات الدفن. استمر هذا النظام بعد ظهور القبور، ويمكن أن يوجد في عدد من أجزاء العالم اليوم. ويمكن أن الكثير من تلك لم تترك أثراً أثرياً. فسوف يختفي الجسم الممدود على ساق شجرة أو لوح خشبي محمول على أعمدة دون أثر. فأقدم المقابر اما انها اختفت منذ زمن طويل أو أننا لم نكتشفها بعد. الآثار الحديثة ليس لديها دليل على الإطلاق على شعائر دفن من العصر الحجري القديم الأسفل.