ساحة المسجد تعج بالمصلين بعد الانتهاء من أداء صلاة الجمعة.. هناك ثمة طفل يجاهد ليشق طريقه بين تلك الجموع الهائلة رغم نحول جسده الغض يدفع بكلتا يديه تلك الأفواج المائلة ناحيته بكل ما أوتي من قوة، تخترق أصوات الباعة أذنيه المحاصرتين بأرطال من اللحوم البشرية لتعلن عن بضاعتها المكدسة فوق الأرصفة من حلوى وألعاب وكماليات دأب على شرائها منذ قدومه إلى المسجد لأول مرة. تتعالى أصوات الباعة من جديد فتزداد قدرته الدفاعية على مجابهة الأخطار المحدقة به ونفحات الصيف اللاهبة. يسيل لعابه كلما سمع تلك الأصوات يتمنى لو كان يمتلك جناحين ليحلق بعيداً عن هذا الاختناق ويبتاع بسرعة قبل أن يجهز اخوته على الغداء. فجأة الكل يتوقف عن الحركة.
ثمة أمر ما يحدث، أيضاً اصوات الباعة توقفت عن الهذيان لم يكن يعرف ما يخبئ القدر له، كان متحفزاً لأي طارئ يستمد قواه من أصوات الباعة، وبدون سابق انذار يعود الصخب من جديد لكن هذه المرة بعدة لغات تلاقحت مع اللهجات العامية لتلد لغة مهجنة مليئة بالعبارات المبهمة كانوا ثلة من العمالة السائبة احتدم النقاش بينها وبين أحد المصلين فتشابكت الأيدي وتصارعت الأرجل والطفل مازال يبحث عن منفذ يقيه شر المعركة. سقطت طاقيته لتستقر بين أرجله، انحنى ليلتقطها فرأى بقعة حمراء تشوه بياضها الناصع احس باهتزاز الأرض تحت قدميه، احدهم وقع بكل ثقله عليه. ارتطم رأسه بحجارة صلداء، صرخ من أعماقه من شدة الألم، تنبه القوم لأنينه المتواصل بعد أن خارت قواهم البدنية التفتوا ناحيته فوجدوه مضرج بالدماء في حالة احتضار تعاطفوا معه فأفسحوا الطريق له إلا انه لم ينهض وأخذ يردد بصوت متهدج بعض اسماء الحلوى والألعاب. الباعة فقدوا حناجرهم لهول ما شاهدوه، كان الطفل بالنسبة لهم أغلى من البضائع. رسخ المشهد في أذهانهم قرروا بعد الحادثة ان يستبدلوا بضائعهم في أيام الجمع بالعصي والسياط لتفرقة الجموع المتدافعة بعد أداء الصلاة نذراً منهم لروح ذلك الطفل البائس.