د. صنهات بدر العتيـبي
يعتبر الاقتصاد من أهم محركات الصراع والنزاعات عبر التاريخ فقد تم احتلال الهند قديما بدوافع اقتصادية ونشبت الصراعات المريرة طويلا للسيطرة على طريق الحرير بين الصين وأوروبا ولعب الاقتصاد دوما دور التنور الذي يلهب المعارك الطاحنة هنا وهنا وهنا!!بعض الذين يتطرفون في التفسير الاقتصادي للتاريخ يحاولون نزع الدوافع الدينية من الحروب التي تنشب بين الفينة والأخرى من منطلق أن الحروب الدينية كانت «موضة» العصور الوسطى وانتهى أمرها!! أو من منطلقات فلسفية أخرى منها نهاية التاريخ بانتصار الليبرالية وانتفاء الصراعات الحضارية المبنية على الايدولوجيا والنوازع الدينية حسب ما جاء في كتابات الفيلسوف فوكوياما، ولكن!!الحقيقة التاريخية المرة تقول إن للحروب دوافع عديدة منها الاقتصادية والجيوسياسية والشخصية ربما، ومهام متنوعة منها تصفية العلماء في العراق مثلاً، ولكن تبقى الدوافع الدينية والصراعات الحضارية ظاهرة عياناً بياناً على سطح الأحداث أو على لسان جنرال في لحظة سهو!! أو حتى في عناوين الأخبار وبين السطور في مقالات من يسمونهم (أبواق الحرب)!!.
في العالم العربي لوحدة يتطاير شرر الحروب والصراعات بشكل لم يسبق له مثيل في الذاكرة العربية الحديثة!! ليس من المعقول أن يكون النفط أو الثروات مهما علت قيمتها هي التي رمت لوحدها بالعالم العربي على صفيح ساخن.. وتبقى الدول الغنية بالنفط مثل فنزويلا بعيدة عن السخونة رغم لهجة التحدي التي يثيرها شافيز بنوع من العنترية ولكن القوم لا يلقون له بالاً حيث لا يوجد «تضاد» ديني أو ثقافي بين الأطراف محل الاختلاف!!بل أن كيانا صغيرا مثل كوبا تقف شوكة في «بلعوم» العملاق الأمريكي الذي يسيطر على العالم بحرفية هائلة ومع ذلك يبتسمون لها ويطبطبون على كتف كاسترو ولسان حالهم يقول «لا تقلق يا رفيق فلست رقماً صعبا في لعبة الصراع الحضاري»!!.
الوضع الملتهب في العالم العربي تصب الزيت عليه دوافع مختلفة ليس الاقتصاد منها وإن كان أحدها ومن أهمها!!ما يظهر في الميدان من حروب تشتعل في عمق العالم العربي وأطرافه تكذب الغطاس الذي يقول لا مكان للايدولوجيا في معادلات الحرب والسلام في بحر متلاطم من العنف والإرهاب الرسمي الذي يصل إلي حد استخدام قنبلة تزن طناً كاملاً ليتم إسقاطها على بيت عائلة نائمة في النبطية!!.
هذه الصراعات من حولنا ليست كلها ملتهبة بسبب الاقتصاد أو السياسة ولكن تطل من أوارها أهداف دينية لا تخفى على أحد!!من يصدق وجود أهداف اقتصادية من وراء قيام القوات الأثيوبية بالتوغل في الصومال على سبيل المثال؟! الصومال الذي لا توجد فيه شجرة واحدة مثمرة، لا يغري إثيوبيا لكي تحرك قواتها شرقاً ولكن البيادق تتحرك على رقعة الشطرنج لأن (اللاعب الكبير) يتوجس خيفة من اندفاع قوات المحاكم الشرعية خصوصا وان الذاكرة مازالت طرية من تجارب مماثلة في أفغانستان والجزائر وغيرها!! هناك «بديل» لا يراد له أن يصل وتستقر الأرض تحت قدميه كما حدث في قصة حماس عندما قام اللاعب الكبير يلعن أم الديمقراطية وأباها وأهلها الأقربين لأنها توصل الإرهابيين (حسب زعمه)!! إلى كراسي الحكم فحاول أن يستبدل «الشرق الأوسط الكبير» (تشجيع الديمقراطية والانفتاح على الشعوب) ب«الشرق الأوسط الجديد» (إعادة الحياة إلى سلطة الحكومات المركزية)، وكلها في الهم شرق!!.
قبل أكثر من ربع قرن من الزمان وبعد تبعثر الاتحاد السوفيتي وانقشاع التهديد الماركسي للحضارة الغربية التي يسمونها في البروباقاندا الأمريكية (حضارة الحرية والديمقراطية!!) بدءوا يتحدثون هناك بلغة واضحة مليئة بالتحريض عن «الخطر الأخضر»!! وقبل أحداث 11 سبتمبر بسنوات عدة صدر في الغرب العديد من الدراسات والتقارير التي تناقش ما يسمونه «الخوف من الإسلام»، ثم جاءت دوامة العنف والحروب لتصب حممها على المنطقة العربية كنوع من «رجع الصدى» لذلك الخوف الفطري المغروس في أعماق الذاكرة الغربية التي لا تنسى رغم التمدن!!ولكن من المؤسف أن بين ظهرانينا من ينسى ويبرر ويهرب من الحقيقة المكشوفة على طول خريطة الوطن العربي الذي يبدو اليوم كمثل الطير مقصوصة جناحاه وله أنين يقض مضاجع الغيورين!!.