في الساعة الخامسة إلا ربعاً من عصر يوم الخميس الماضي 24/6/1427ه - 20/7/2006م، رجعت نفس عبدالرحمن بن ابراهيم البطحي، إلى ربها راضية مرضية، لتدخل - بإذن بارئها - في عباده وجنته. رحل ولم يرحل، لأنه ترك حباً، وغادر محبين. كانت مزرعته «مطلة» على مشارف وادي عنيزة مهوى افئدة المثقفين والمفكرين والمستزيدين. على مدى اربعين عاماً وهو يستقبل زواره يومياً لا يمل ولا يكل، وعلى مدى ثلاثين عاماً تولى إدارة سربون عنيزة «المدرسة العزيزية» فكان معلماً ومربياً ومتابعاً لتلاميذه حتى بعد مرحلة الدكتوراه، بل كان يسأل عنهم فرداً فرداً وهو في أيامه الأخيرة قبل ان يدخل في غيبوبته التي لم تطل رأى في جواله رقمي فهاتفني فأدركت انها مهاتفة مودع. كنت عنده في ساعاته الأخيرة، أناديه ولأول مرة لا يرد. طبيعتي انني لا أتقن فن الرثاء عندما يكون الألم شديداً والفقيد عزيزاً، ولأني اثق بأنه رحمه الله كان يحفل بكل حرف يصدر مني فسألبي رغبته، وأحاول:
(أ)
يا فيلسوف «مطلة»
لا تلوح بكف الوداع، فمثلك لا يرحل..
كل المعاني قاصرات، كذا القوافي والجمل..
جحافل البلاغة، جيوش النحو، لم تتوغل..
امام محياك يا أستاذي أقف بإجلال، ففي قسماته جواب لألف سؤال..
لم تذر مالاً ولا ولداً، لكن كل مرتاديك ظلوا مريديك..
كل تلميذ ينتسب إليك، يحمل في ذاكرته جميل يديك..
كل مثقف يستشعر وجلاً وهو يتصور حاضرك و يسترجع ماضيك.
ثروته ثورته على النمطية والإدعاء والافتئات.
كنوزه نيازك اضاءت الأفق، وهوت بأفكار صدئة، فكانت رجوماً لكل مظاهر التخلف.
(ل)
ولد عام 1357ه، في ارض الميلاد فكان الميعاد
صرخة ميلاده انشودة تحيي موطنه، وتمجد وطنه
كان لرقم (7)، حكاية: في عام 1377ه، غادر مدرسته
قيل بأن تهمتك - أيها البطحي - ضرب من الفراسة
قد قيل ما قيل، فذنبك انك جئت في زمن ليس زمنك
فكنت غريباً في محيط يجهلك، وتحمل قلبك الرزية
ففزت بتهمة لم تنكرها، هي الوطنية.
«ثلاثون عاماً» مديراً للعزيزية، كنت المعلم والمربي وحارس الفضيلة
لا تحب الأضواء لأنك وهج الضوء، لا تقبل التصوير لأنك لا تختزل في صورة مؤطرة.
فظلت صورة تزين مخيلة محبيك. ولأنك - كما قلت -- «لا أرغب في أن ينفصل عني ظلي».
(ب)
عام 1374ه، زرت لبنان، ومكثت فيه، وتنفست هواءه «لأنه أكسجين العالم العربي» كما وصفته.
لم تدر أن «الغاز ات الخانقة» قد اغتالته، ومن الحسن أنك لا تدري.
سبعون عاماً، كانت قرناً من العطاء في زمن تبخر فيه الوفاء.
سبعون عاماً كانت وقفاً لغيرك، سبيلاً للمقيم وللمسافر، زاداً للمستزيد لا للمزيد.
قبل ان يعلم تعلم، وقبل ان يتحدث قرأ، وقبل ان يحكم فهم.
اطلق لفكره العنان، فقرأ الأفكار، ودرس المذاهب والعقائد غير وجل
فأدرك كيف يناقش ومتى يناقش ولماذا يناقش وما الفائدة من النقاش.
يكره إطلاق الكلام على عواهنه، يريد الحجة، يطلب الدليل،
قابل عرباً وعجماً، عامة ومثقفين، فألفوه عدا لا ينضب
طويل النفس فإذا شرح قضية اطال ولا ينصب
فهمه من فهمه، وعاداه من جهله، وصنف من اليمين تارة ومع الشمال
لكنه جبل تمر الريح فيه و لا تحركه، ذهب لا يصدأ، لأنه صاحب مبدأ
مؤمن بربه ونبيه ودينه، معتز بوطنه وقيمه
محسن لا تدري شماله ما تنفق يمينه.
يتعهد أهله وأقاربه وأصحابه، ولا ينسى المحتاج بل يرعاه ويعينه.
كان «كوكتيلاً» في اهتماماته، في واجباته، في إبداعاته
لكنه كان «غير مبال» بحقوقه، فلم يبن داراً، ولم يدر تجارة، لأنه أتخذ الدنيا مزرعة للآخرة.
(ط)
سبعون عاماً - يا ابا ابراهيم - لحظة مضت، وومضة برقت، لكنها أثرت وأثرت.
قالوا «فيلسوف مطلة» ولم يكن رهين الرتابة والظنون والخزعبلات
كان جاداً وحاداً، يرحم الآخرين ويقسو على نفسها أهملها، لم يخش المرض، يتحامل
رغم ألمه، يسأل عن صحة المرضى وينسى نفسه
لأنه باختصار لم يعش لذاته.
(ح)
قلبه المملوء حباً للجميع، ظل ينبض بالإيثارلا الأثرة.
يتناسى ألمه، سأل عن مريض: كيف حاله
عن محتاج، عن مآله
يبحث عن مسؤول ليشفع لفلان أو فلانة حتى دخل في غيبوبة
يفيد الآخرين ولا يستفيد
كان وطنياً قبل الوطنيين
كان وسطياً قبل الوسطيين
كان إصلاحياً قبل المدعين
آ الآن وقد غاب أدركتم أنه علم في رأسه نور
(ي)
في العام السابع والعشرين بعد الألف والأربعمائة، في الشهر السابع ميلادياً، أفل نجم طالما سطع، وغربت شمس طالما أشرقت، لكن آثاره خالدة تليدة.
وفي زمن السهو والنسيان، سيبخل الإنسان بذكرى تحمل اسمه
سيتثاقل المتثاقلون في نقش لوحة في زاوية شارع أو في باب مدرسة
لكن ذكراه الحق منقوشة في مخيلة مريديه ومحبيه
لكن عبقه باق في زاويا مدينته العتيقة، في مطلته العتيدة
في شجر الوادي، في حبات رمله، وسعف نخيله
في قسمات وجه فلاح طالما هش في وجهه وبش
اللهم فقبل عبدك بقبول حسن
واسكنه في عليين مع الذين انعمت عليهم
لقاء ما قدم من تضحيات، وأعمال صالحات
وعفوك -يا رحمن - فارحم عبدالرحمن.
٭ استاذ العلاقات الحضارية - أستاذ الدراسات العليا
كلية العلوم الاجتماعية، قسم التاريخ والحضارة
بجامعة الإمام
1
مع إشراقة هذا الصباح أقدم االتعازي لأهل الفقيد وللدكتور الذي أبكاني لرثائة الحنون الصادق وهذا وأن دل يدل على محبة قوية تركها المرحوم في القلوب وذكرى لا تنسي...رحمه الله وجعله في فسيح جنانه وتجاوز عن سيئاته أنه الحنان المنان اللهم أرحمة رحمة تعلي درجاته وتزيد حسناته وتغفر سيئاته وأرحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه عاجلا أم أجلا إخرجنا بذنب مغفور وعمل مقبول وأخرجنا وأنت راضا عنا غير غضبان وأجعلنا بعد رحيلنا من المحبوبين وصباح خير للجميع بذنوب مغسولة بتوية نصوح
05:56 صباحاً 2006/07/24
ابلغ عن هذه المشاركة
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له