منذ أن شنت إسرائيل حرباً شعواء واسعة شملت كل مدن لبنان وقراها، كان أكثر الجهات تأثراً قطاع السياحة، وأول الجهات التي استهدفت مطار بيروت حيث تم إغلاقه بشكل كامل أمام حركة الطيران العالمية، وفي الوقت الذي يوجد في البلد ألوف السياح من كل بلاد العالم، حيث تزدهر في الصيف عن باقي فصول العام، حتى أن كثيراً من المراقبين للوضع ينظرون لهذه الحرب من وجهة اقتصادية قبل أن تكون لها أهداف سياسية، حيث ضربت سياحة لبنان في مقتل، قد تحتاج لسنوات طويلة حتى تتعافى خاصة إذا ما طالت الهجمة الإسرائلية الهمجية لعدة أسابيع أخرى.
وكشفت هذه الأزمة الحالية ضعفاً في التعاون العربي لمساعدة السياح العرب في العودة لأوطانهم بشكل سريع وآمن ودون مشكلات أو تكاليف إضافية، وبالرغم من أن الكثير من الدول هيأت وسائل النقل البرية والجوية عبر سوريا لنقل عدد كبير من السياح، لكن وجود الكثير من الإجراءات الروتينية واستغلال بعض ضعاف النفوس لظروف الحرب كانا سبباً في حدوث مشاق كبيرة لعدد من السياح الخليجيين وخاصة من العائلات.
وطالب مواطنين سعوديين بضرورة وضع خطط طوارئ لمثل هذه الأزمات يتم من خلالها على أقل تقدير فتح الحدود للسياح بين بعض الدول العربية المعنية بمثل هذه الأحداث لسهولة تنقل السياح لسلامتهم بشكل أفضل مما حدث.
صعوبات غير متوقعة
إبراهيم الغامدي مواطن سعودي كان يقضي جزءاً من إجازته السنوية في بيروت مع عائلته، وعندما بدأت الضربات على بيروت أسرع بالتحرك للخروج سالماً بعائلته، يقول إنه وجد تعاوناً كبيراً من العاملين في السفارة السعودية واستطاع الخروج بسهولة من بيروت بالرغم من الزحام على الطريق إلى سوريا، ولكن كان هناك شيء من التعقيد في المنفذ إلى سوريا وخاصة مع كثرة النازحين، وكانت المشكلة في مطار دمشق حيث كان عدد السعوديين كبير جداً والرحلات أقل من عدد المتدفقين للسفر.
ويشاركه في الرأي ماجد العبدالكريم حيث يقول كنت أحمد الله زنني بمفردي وليس معي أطفال أو عائلة، ولقد كانت ظروف صعبة حقاً، ولكن استطعنا تجاوزها بحمد الله، وأعتقد أن الدول العربية تفتقد لخطة طوارئ تتجاوز من خلالها مثل هذه الظروف بسهولة لمواطنيها حيث نحتاج لتعاون مشترك أكبر من توفير طائرات أو باصات للتنقل، فقد لا تجد هذه الطائرات أو الباصات فرصة للحركة بسرعة ومرونة إذا ما وجدت تعقيدات روتينية متوقعة.
لبنان تمسح الحروب
رئيس منظمة السياحة العربية بندر الفهيد قال في بداية حديثه إن الحروب وبلا شك دمار على جميع نواحي الحياة، والسياحة من أول الجهات التي تتأثر بذلك بل وبشكل سريع جداً، والواقع الحالي أثبت لنا ذلك بشكل جلي سواء في أحداث لبنان الحالية أو حتى من خلال الأزمات والحروب الماضية، وكذلك الحال لكثير من دول العالم وليس للبنان ومنطقة الشرق الأوسط فقط.
ولكن لبنان حالة خاصة على مستوى العالم من خلال تاريخها الماضي مع الكثير من الحروب والأزمات المتعددة حيث تستطيع بعزيمة مسؤوليها ومواطنيها تجاوز الكثير من الكبوات بشكل سريع جداً، حيث يتميز الإخوة في لبنان بروح الإصرار والتحدي لهزيمة آثار ما يمر بهم من قلاقل وحروب، وفي كثير من الأحيان يعود بلدهم أحسن مما كان، وبالرغم أننا لا نتمنى أن يستمر مثل هذا الوضع الدموي المؤسف في لبنان أو في دولة عربية أخرى، إلا أننا نثق في قدرات الشعب اللبناني في تجاوز هذه الحرب الإسرائيلية الغاشمة وسيعود بلدهم بإذن الله بأحسن حال، وخاصة أن لبنان تقدم صناعة سياحية تعبر مثال جيد للكثير من الدول العربية.
وأضاف الفهيد نحن في منظمة السياحة العربية سيكون لنا دور فعال سنعقد قريباً اجتماعاً طارئاً للجنة التنفيذية بالمنظمة العربية لتقييم الوضع وحصر الخسائر التي لها علاقة مباشرة بسياحة لبنان، ومدى الدعم الذي ستقدمه المنظمة للبنان بالتعاون مع الدول العربية ومن خلال مجلس وزرا ء السياحة العرب وذلك بعد مرور هذه الأزمة على خير، ونحن نعتبر أن ما حدث لم يصب لبنان كدولة وشعب بل أصاب كل الدول العربية، والدليل أن بيروت ومدن لبنانية أخرى كانت تضم مع بداية الضربات الإسرائيلية العديد من السياح من معظم الجنسيات العربية أن لم تكن جميع الجنسيات العربية، وهذا بلا شك يجعلنا أكثر تصميماً على عون الإخوة في لبنان لتجاوز هذه الأزمة بشكل سريع وبمجرد توقف إطلاق النار هناك.
وعن مدى تأثر سياحة الدول العربية بما يحدث في لبنان قال الفهيد بالنسبة للسياح العرب، والسياحة العربية البينية فلن يكون هناك تأثر كبير لمعظم الدول العربية، وكما اتضح من خلال المؤشرات المبدئية للأزمة الحالية في المنطقة، ولكن قد يكون هناك أثر من زيارة الجنسيات الأجنبية للدول العربية، حيث إن أزمة في الشرق الوسط يسلط عليها الضوء إعلامياً تجد أثراً سلبياً على القادمين من السياح الأجانب وخاصة من دول أوروبية، حيث يتوقع بعضهم أن كل الوضع مضطرب كما هو الحال في لبنان وهو غير صحيح بطبيعة الحال، ويعتبر وقتياً وقد يزول سريعاً بهدوء الوضع في لبنان بإذن الله، أو مع قلة التركيز الإعلامي على ظروف لبنان.
وتمنى رئيس منظمة السياحة العربية أن تزول الغمة الحالية في لبنان وأن تتعافى السياحة بشكل سريع كما هو متوقع من خلال إرادة الشعب اللبناني وتعاون الدول العربية لنصرة لبنان.
القطاع الشفاف
إبراهيم الراشد رئيس اللجنة السياحية بالغرفة التجارية الصناعية بجدة يؤكد أن قطاع السياحة شفاف جداً وسريع التأثر سواء من الحروب أو حتى من الأزمات الطبيعية مثل الأعاصير والزلزال وغيرها لا قدر الله، ولبنان مثال حي يؤكد ذلك بالأرقام حيث كانت نسبة إشغال الغرف الفندقية 65٪ نزلت ثاني يوم للضربات الحربية إلى 40٪ ثم إلى 20٪ مع اليوم الدموي الثالث، وهذا التأثر بالطبع شمل كل القطاعات الداعمة للحركة السياحية التي كانت في أوج قوتها مع بداية موسم الصيف، ومن ثمَّ مع تغير الظروف أصبح الناس في حالة نزوح جماعي مشهود.
ويشير الراشد إلى أن المستغرب في الظروف الحالية وصول هذا الأثر السلبي إلى دول الخليج بالنسبة للسياح الأجانب، حيث إن هناك سياحاً أجانب ألغوا رحلاتهم الشتوية المخططة إلى المملكة في الشهور القادمة بعد أن فتح المجال بشكل أكثر مع فتح المجال في المملكة للتأشيرات السياحية، وهذا يعود إلى أن الأجانب بشكل عام ينظرون لدول الخليج والشرق الأوسط ككتلة واحدة، وليس لديهم الوعي الكافي بحقيقة استقرار دول الخليج.
وعن تأثر الدول المجاورة للبنان من حالة عدم الاستقرار في المنطقة قال بالطبع إن السياح الأجانب هم أكثر خوفاً من الوضع الحالي ولن يسافر غالبيتهم لدول المنطقة في ظل الوضع الحالي ومع التغطية الإعلامية الواسعة في لبنان، وكذلك الحال لحجوازت السعوديين لدول مجاورة للبنان حيث إن 15٪ إلى 20٪ من الحجوازت لسوريا وللأردن ألغيت خلال هذا الأسبوع، ولكن هاتين الدولتين عوضتا ذلك من النازحين من لبنان، حيث الكثير منهم اعتبرها بديلاً للبنان ليقضي بقية سفرتها السياحية بها قبل العودة لبلاده، ولم يعد كل إجمالي السعوديين الذين كان يصل عددهم في لبنان وقت بدء الأزمة إلى 25 ألف إلى المدن السعودية، بل أن هناك من ذهب لدمشق وعمّان ومدن أخرى هناك كبديل للبنان.
وأشار الراشد إلى أن دبي كذلك تأثرت من الظروف الراهنة حيث إن أغلب الأوروبيين الذين يزورنها من بريطانيا وهم ممن يهتمون بوسائل الإعلام، وهي بلا شك أثرت عليهم، وألغيت حجوزات لدبي ودول عربية في المنطقة بسبب تواصل هجمات إسرائيل.
وبيَّن الراشد أن السياحة الداخلية بلا شك استفادت من الوضع الحالي حيث شهدت حركة كبيرة في هذا الأسبوع أفضل من الأسابيع الأولى وتشهد المنطقة الشرقية حركة سياحية جيدة وكذلك الحال في جدة وخاصة مع حركة المهرجانات السياحية الصيفية، ونتوقع أن تتواصل في الطائف وأبها في الأسابيع القادمة مع زيادة حركة الأنشطة السياحية فيها.
وعن عدم وجود تنسيق جيد للطوارئ في تسهيل حركة النازحين من لبنان مع بدء الحرب هناك قال الراشد بالطبع ظروف الحرب ليست في حسبان العاملين أو المسؤولين في قطاع السياحة بالدول التي تأثرت، ومع ذلك تعتبر الجهود التي بذلت من المملكة ودول خليجية أخرى لعودة مواطنيها جيدة، وكذلك قامت سوريا بدور مشهود في تسهيل الدخول لها وألغت التأشيرات عن الكثير من الجنسيات التي كانت تطلب منها تأشيرات في الظروف العادية، وبالطبع مع كثير النازحين وفي مثل هذه الظروف قد يوجد بلا شك سلبيات تأثر منها مسافرون وسياح، ولكن قد لا تكون عامة وتأثر بسببها كل النازحين من لبنان.
التوجه للداخل
من جانبه دعا محمد البعيجان رئيس مجلس إدارة مجموعة البعيجان للمشاريع السياحية المواطنين إلى اكتشاف المناطق السياحية التي تزخر بها المملكة وما تتمتع بها من طبيعة وشواطئ جذابة حرصت أمانات المناطق على الاهتمام بها إضافة إلى المشاريع السياحية التي قام بتنفيذها رجال الأعمال في المملكة والتي تعتبر متفوقة مقارنة بالدول التي تستقطب السياح منذ فترة طويلة.
وأضاف نحن ندعو الله أن تزول حالة الحرب الحالية في لبنان، ولا نتمنى الشر لكل الدول العربية الشقيقة، ولكن مثل هذه الظروف الحالية قد تجعل الكثير يتوجه للداخل لقضاء جزء من إجازة الصيف في الداخل، ونوه إلى أن أبرز ما تتمتع به السياحه لدينا الأمن وخصوصية مميزة للعائلة السعودية، وهي ما يبحث عنه الجميع بالرغم من أن البعض يغفل ما تضمه المملكة من مقومات سياحية.
وأشار إلى أن الأعوام الخمسة الماضية شهدت حركة سياحية داخلية مرتفعة مقارنة بالأعوام الماضية، وخاصة مع ما يشهده العالم حالياً بشكل عام من أوضاع واضطرابات أمنية لم تتأثر بها دولة واحدة فقط بل الدول المجاورة أيضاً ، مشيراً إلى أن العديد من المناطق السياحية لدينا لم يزرها السائح السعودي وهي تشهد إقبالاً كبيراً من السياح الخليجيين، ومنها الطائف وأبها وذلك من خلال زيادة نسبة الإقبال عليهما.
وتوقع البعيجان أن يكون صيف هذا العام مغايراً عن الأعوام الماضية بالنسبة لحركة السياح وإقبالهم والتي سوف يكون لها الأثر الأكبر بأن يستمروا في الأعوام المقبلة في قضاء الإجازات داخلياً.
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له