الشاعر والأديب د. أحمد الدوسري:
تحدث الشاعر العربي السويسري الجنسية الدكتور أحمد الدوسري عن تجربته مع السجن في العراق وذلك بعد احتلاله الكويت قبل ستة عشر عاماً حيث قال:
كانت تجربة مثيرة وغريبة ومؤثرة، فلأول مرة احس بالاماكن المغلقة، وهي تجربة مفزعة فهذا الانسان الجامح الذي ينشد الحريات ويتمرد ويثور ويخرج من إطار قانون يجد نفسه فجأة في غرفة تحت الارض معزولاً عن العالم، كانت تجربة مفزعة، لانني لم اكن احب الاقتراب من الاماكن المغلقة، كان عالمي هو البحر والصحراء. هذه التجربة اشعرتني بقمة قسوة الانسان تجاه الانسان، ويومها تساءلت: من هو الحقير الأول الذي اخترع السجن؟ اذا كان شخصاً فهو لئيم، وكانت التجربة مزدوجة الالم كونها تأتي من قريب وظلم ذوي القربى أشد مضاضة فالاحساس بالظلم مضاعف عندما يأتيك من أخيك ويضطهدك ويغزو مكانك ويأخذك اسيراً الى مكان مظلم وموبوء وتحت الارض ولا ترى الشمس ولا الليل ولا تعرف التوقيت. لكن هذا الشعور دفعنا الى التحدي وعلّمنا عدم الاستسلام للموت البطيء وكانت احدى ادواتنا حتى لا نموت، كنا 24 اسيراً في زنزانة، كنا نتحدث. ماذا لدى كل منا يعلمه للآخر؟ فأحدنا كان يجيد اللغة التشيكية التي تعلمها من زوجته فقرر ان يعلمنا اللغة التشيكية، وآخر اقترح ان يعلمنا اللغة الانجليزية، وقلت لهم: اعلمكم الشعر وقواعده، وآخر قال: اعلمكم الطبخ، وهكذا كنا نشغل انفسنا حتى لا نموت، وللاسف لم يخرج بعض زملائنا حتى الآن، كان لدينا امل وتشبث بالحياة لدرجة ان البعض اكل الحشرات.
وتسألني ماذا أثمرت هذه التجربة من أعمال أدبية؟
- السجن افرز لي ثلاث روايات هي (الظلام من الشمال، وامرأة فخرية، وطبقات التعساء)، وعلى الصعيد الفني أثمرت الفترة التي قضيتها أسيراً في سجون العراق مجموعة كبيرة من القصائد بعضها تحوّل الى اغنيات شعبية، ورغم انه لم يكن لدي قلم أدون به القصائد إلا ان الله - سبحانه وتعالى - رزقني بأخ شقيق هو عبدالعزيز كانت ذاكرته كالآلة الناسخة حفظ كل القصائد من مرة واحدة عندما كنت اذكرها امامه بيتاً بيتاً، ثم ينشدها امام الآخرين من السجناء، وكان هذا هو الشعر بالتحدي والامل في الانتصار على الظلامية والقمع والبطش والاحتلال.