اليوم الثالث للعدوان الإسرائيلي على لبنان: لا أفق لإنهاء الحصار
ومخاوف من ضوء أخضر لتنفيذ القرار 1559 بالنيابة عن لبنان!!
في اليوم الثالث من العدوان الاسرائيلي على لبنان لا يبدو واضحا اي افق للحل بل على العكس من ذلك كليا. مما دفع البعض الى تذكر اجتياح اسرائيل للبنان وصولا الى بيروت في العام 1982 والتي ادت الى سحب السلاح الفلسطيني في لبنان. ما يعيد الى الاذهان هذه المقاربة وان غاب عامل اساسي بين العام 1982 و2006 هو عدم اجتياح اسرائيل لبنان هو التصريحات والمواقف الاسرائيلية التي تهدد بكسر «حزب الله» والنيل من أمينه العام حسن نصرالله في استعادة مماثلة للتهديدات الاسرائيلية بالنيل من ياسر عرفات حينئذ بالتزامن مع انهاء الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان. وهذا الواقع لن ينطبق على «حزب الله» من حيث ترحيل سلاحه او نزعه انما من حيث خلق حالة لبنانية ضاغطة من اجل وضع «حزب الله» عند حدوده وانهاء ما يسمى بالمقاومة في الجنوب.
كيف هو الوضع على الساحة اللبنانية وما هو افق العملية الاسرائيلية وإلام يمكن ان تؤدي؟
يكتسب الوضع الميداني خطورة كبيرة في الدرجة الاولى. فاسرائيل اعتمدت اسلوبا قام على ما اعلنته حتى الآن بعزل لبنان عن الخارج برا وبحرا وجوا. فضربت مطار رفيق الحريري الدولي بحيث تعطلت كليا حركة الملاحة واستمرت بقصفه على مراحل منعا لاي محاولة الى اعادة ترتيب الامور بسرعة وتاليا امكان استئناف صلته بالعالم. كما قامت بقصف مطاري رياق في اليقاع قريبا من الحدود اللبنانية السورية وكذلك مطار القليعات في شمال لبنان على رغم عدم استخدام السلطات اللبنانية المطارين تحسبا لاحتمال استخدامهما من جهة ولتبرير منع وصول المزيد من الاسلحة عبرهما الى «حزب الله» من ايران عبر سوريا. فضلا عن توجيه اسرائيل رسالة قوية الى اللبنانيين على ما قالت هي نفسها ان ليس من بقعة في لبنان ستبقى في منأى عن الضربات الاسرائيلية.
الخطوة الثانية تمثلت في تقطيع الجسور التي تصل بين القرى والمدن الاساسية في الجنوب وقطع التواصل او بالاحرى جعل التواصل صعبا ومضنيا بين الجنوب وبيروت في ما يمكن ان يثير غضب المواطنين اللبنانيين الذين يودون الهرب من القصف الاسرائيلي على «حزب الله» الذي قام بخطف الجنديين الاسرائيليين في عملية لم تتسم بعملية مقاومة تحريرا لارض محتلة ما دامت تمت بعبور للخط الازرق الحدودي الى داخل اسرائيل وخطف الجنديين. فعجز المواطنين عن النزوح من الجنوب الى مناطق اكثر امنا انقاذا لعائلاتهم سيثير النقمة على الحزب كما كانت العمليات الفلسطينية من الجنوب تساهم في اثارة الغضب الشديد عليهم. وهذه الخطوة الاولى تخطت الجنوب وصولا الى البقاع بحيث قطع القصف الطريق الدولية الى دمشق والى البقاع اسهاما في عزل لبنان وامعانا في تقطيع اوصال المناطق اللبنانية بعضها عن بعض. وفي هذا الاطار ايضا جالت بوراج اسرائيلية المياه الاقليمية اللبنانية امتدادا حتى مدينة طرابلس في الشمال منعا لوصول اي بواخر مؤن او فيول للكهرباء او نفط للسيارات الى المرافىء الللبنانية.
هذا في اطار الضغط على اللبنانيين من اجل تحميلهم كلفة تأمين التغطية السياسية لاستمرار «حزب الله» وحمله السلاح واتاحة الفرصة امامه لشن عمليات ضد اسرائيل وحتى معاقبتهم على ذلك عبر تكبيد لبنان كلفة اقتصادية باهظة وباهظة جدا من مفاعيلها انهاء الموسم السياحي على نحو كارثي.اذ غادر ما يقارب 20 الف سائح لبنان في اليومين الماضيين الى سوريا ومنها ربما الى بلادهم.
اما في اطار الضغط المباشر على «حزب الله» فقد استهدفت الضاحية الجنوبية بضربات جوية متكررة بعد تحذيرات اسرائيلية وجهت الى المواطنين فيها مما ادى الى حركة نزوح هائلة في اتجاه البقاع على رغم ان مناطق بقاعية لم تسلم ايضا من القصف الاسرائيلي في رسالة اقرب ما تكون الى سوريا والحدود معها لكن من دون ان تطاولها. وهذه الضربات طاولت محطة المنار التابعة للحزب كما الجسور التي تربط بين مناطق الضاحية في ما يسمى المربع الامني ل«حزب الله».
في خطوة مكملة قصفت اسرائيل محطة الجية للكهرباء مما ادى الى قطع الكهرباء عن العاصمة وبعض المناطق القريبة وازداد الضغط على المحطات الاخرى بحيث سيعاني لبنان باسره من انقطاع طويل للكهرباء. كل هذا يضاف الى حصيلة هائلة في الخسارة في الارواح وصلت حتى بعد ظهر امس الى نحو 65 قتيلاً واكثر من 150 جريحاً في ظل توقعات لا تبدو واضحة على الاطلاق حول تاريخ انتهاء العدوان الاسرائيلي. بل على العكس فان كل المؤشرات من بيروت ومن الاتصالات مع الخارج تعبر عن خشية من تواصل الحصار وازدياده في ظل خلق اسرائيل امر واقع جديد وامتلاكها اوراقا لم تكن تمتلكها من اجل التفاوض عليها. ذلك انها لن تكون وفقا لهذه الاوراق اي استمرار القصف وضرب البنية التحتية للبنان وتخريبها وصولا الى تضييق الحصار والخناق على اللبنانيين ضعيفة بعدما توافرت لها اوراق جديدة للتفاوض لم تكن تمتلكها في مقابل الجنديين الاسيرين هي غير ورقة الاسرى اللبنانيين او الفلسطينيين في سجونها.
الوضع السياسي
لا يخفى ان الحكومة اللبنانية هي في حال مأساوية نظرا للعجز الواضح من جهة عن التحرك الى الخارج من اجل تحريك العالم العربي والمجتمع الدولي الى جانب لبنان، وقد انقطعت صلة لبنان بالخارج من كل الجهات، وعدم القدرة على التأثير على «حزب الله» لوقف صواريخه من الجنوب بحيث تظهر اسرائيل معتدية فقط على لبنان ولا تقوم بحرب متبادلة معه في رد ورد مقابل. والمجتمع الدولي لا يحمل حكومة لبنان المسؤولية المباشرة عن العملية التي قام بها «حزب الله» لاعتقاد غالبية الدول الاساسية المنضوية ضمن هذه المجموعة ان الحزب لا يتحرك باهداف او لاهداف لبنانية بل من اجل اهداف سورية وايرانية. والدول العربية الاساسية كمصر والمملكة العربية السعودية اللتين عملتا بجدية من اجل معالجة مسألة الجندي الاسرائيلي الذي اختطفته «حماس» في 25 حزيران الماضي تعلمان اكثر من سواهما ما جرى ويجري وتوقيت العملية التي قام بها «حزب الله». لذلك كان مهما خروج المملكة عن صمتها في تحميل الحزب من دون ان تسميه مسؤولية اقحام لبنان في مغامرة غير محسوبة. وهو موقف لاقته فيها روسيا ايضا التي حملت الحزب «مسؤولية تصاعد النزاع في الشرق الاوسط والذي قد يعود بعواقب وخيمة على المنطقة. ودعته الى التخلي عن الاعمال العدائية لاسرائيل والتي تهدد مصالح لبنان والافراج عن الجنديين الاسرائيليين». وهذان الموقفان يعتبران في بالغ الاهمية من حيث الصبر والاناة والتفهم الذين تبديهم المملكة السعودية عادة في مثل هذه الحالات كما عن وقوف روسيا عموما الى جانب قضايا تهم سوريا وحتى ايران.
ازاء هذه المواقف التي تكتسب ابعاداً اكثر خطورة حاولت الحكومة اللبنانية في خلال اليومين الماضيين ان تلاقي المجتمع الدولي بمواقف قد او يمكن ان ترضيه سلفا المجموعة الدولية ما سبق ان طالبت به لبنان من اجل ان تساعده على انهاء العدوان الاسرائيلي. والمواقف التي اصدرتها الحكومة اللبنانية اولا عبر تنصلها من مسؤولية عملية «حزب الله» وعدم معرفتها بها مسبقا ثم عبر الاعلان عن نية الدولة اللبنانية بسط سيطرتها على كل اراضيها واحترام كل قرارات الشرعية الدولية وكذلك احترام الخط الازرق الحدودي مع اسرائيل كانت بمثابة دفعة مسبقة من اجل قبول بعض الدول المؤثرة بانعقاد مجلس الامن الدولي من اجل النظر في العدوان الاسرائيلي والطلب الى اسرائيل وقف عدوانها. وكان بارزا ان وزراء «حزب الله» او وزراء الفريق الشيعي برمته اضطر الى الموافقة على الصيغة التي عملت عليها الحكومة من اجل انقاذ ما يمكن انقاذه، وهم اعترضوا على ارسال الجيش الى الجنوب لكنهم وافقوا على البيان الذي صدر عن مجلس الوزراء لئلا يفقدون الدعم الرسمي في مواجهة العدوان الاسرائيلي. وقد تواصلت اجتماعات رئيس الحكومة مع سفراء الدول الكبرى في لبنان ومع سفراء المملكة السعودية ومصر وبعض الدول العربية الاخرى قبيل اجتماع وزراء الخارجية العرب اليوم في القاهرة للبحث في العدوان الاسرائيلي على لبنان وقبيل اجتماع مجلس الامن الدولي كما اتصل السنيورة مرارا وتكرارا بوزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس ثم بالرئيس جورج بوش من اجل الضغط على اسرائيل لوقف عدوانها. وكل ذلك بالتزامن مع استمرار الطيران الاسرائيلي محلقا في بيروت والمناطق اللبنانية الاخرى مهددا بقصف المزيد من البنى التحتية.اما الافرقاء السياسيون فقد لاذ غالبيتهم بالصمت على رغم بعض الاصوات من هنا او هناك. اذ ان الجميع من دون استثناء لم يوافق «حزب الله» على توقيت عمليته في خطف الجنديين الاسرائليين في هذا الوقت بالذات في ظل وعود من الأمين العام للحزب على طاولة الحوار كما في اللقاء الاخير الذي عقده نصرالله مع رئيس كتلة تيار المستقبل سعد الحريري على تهدئة الامور خلال فصل الصيف افساحا في المجال امام الحكومة من اجل تفعيل عملها والاستفادة من موسم السياحة والاصطياف لتمرير بعض القرارات المهمة. حتى ان العماد ميشال عون الذي وقع ورقة تفاهم مع الحزب في 6 شباط الماضي اضطر الى الاعلان عن وقوفه وراء الحكومة في كل المواقف التي تتخذها متجنبا ابداء رأي علني بما قام به الحزب في هذا الوقت وحاول النائب وليد جنبلاط تجنيب البلاد صراعا داخليا او بالاحرى فتنة داخلية وحتى طائفية من خلال موقف مهم استوعب فيه ما قام به الحزب مبديا الحرص على انهاء العدوان الاسرائيلي. في المقابل تصاعدت النقمة الداخلية الشعبية على «حزب الله» وقد انكشف في رأي البعض من حيث الحسابات الخاطئة التي قام بها في توقيت العملية، اذ في الوقت الذي يسري على الأمين العام للحزب تمتعه بالذكاء واستشراف الامور فان انطباعا كبيرا يسود اللبنانيين ان نصرالله اخطأ في تقويم النتائج المحتملة لما حدث ولم يتمتع ببعد النظر الكافي لعدم اقحام البلاد في حرب اقليمية لم يحصد فيها لبنان حتى الآن سوى تقطيع اوصاله واعادته سنوات الى الوراء، بعدما تهدمت غالبية ما اجتهدت حكومات الرئيس رفيق الحريري في بنائه طيلة الخمسة عشرة الماضية. ويعزز هذا الانطباع مسارعة ايران بالذات الى مطالبة مجلس الامن بالتدخل من اجل انهاء العدوان الاسرائيلي في حين كانت تجاهر في اليوم الثاني للعدوان بدعم المقاومة في فلسطين ولبنان ،كما مسارعة رئيس مجلس النواب نبيه بري وبعض القادة الروحيين الشيعة الى مناشدة العالم التدخل من اجل انقاذ لبنان.
الافق المحتمل
مع ازدياد التوقعات بان يستمر الحصار اسبوعا او اكثر مما يعرض الوضع الاجتماعي والتمويني للمواطنين الى مخاطر حقيقية باعتبار ان عملية عناقيد الغضب التي قامت بها اسرائيل ضد لبنان العام 1996 استمرت 16 يوما، يخشى كثيرون ان تصب المواقف الدولية التي حملت «حزب الله» المسؤولية في خانة تقديم الغطاء لاسرائيل من اجل تنفيذ القرار 1559 ما دام لبنان يعجز عن ذلك في ظل اتكاء الحزب على سوريا وايران. اذ ان هذه المواقف تبدي حرصا على لبنان لكنها تتضمن في طياتها من خلال القول ان الرد الاسرائيلي لم يكن مناسبا والعملية التي قام بها الحزب انها لا او لم تمانع في توجيه ضربة للحزب. اما وانه خطا بقدميه الى هذه المغامرة غير المحسوبة فهي قد تكون فرصة لن تتكرر على هذا النحو مرة جديدة. لذلك يخشى اللبنانيون ان يكون الضوء الاخضر الذي اعطي لاسرائيل طويلا في الوقت الذين يخشون فيه تطورات دراماتيكية اخرى من جانب سوريا او ايران من اجل تخفيف الضغط على الحزب وانقاذه تماما كما فعل هو نفسه عبر عملية اسر الجنديين الى تخفيف الضغط على حركة «حماس». وحتى ان موقف المملكة السعودية المعبر جدا لا يوحي بامكان ان يقدم العرب مخرجا للازمة. والوضع حتى الآن ليس عند هذه النقطة ولا يقاربها حتى. لذلك لا افق واضحا حتى الآن لنهاية الازمة.