د. صنهات بدر العتيبي
يبدو والله العالم أنه لا يوجد وضوح كاف حول الصورة الذهنية التي نريد توصيلها إلى العالم عن السعودية سواء من أجل السياحة و الاستثمار أو للأمور الأخرى ذات الأبعاد الاجتماعية و الثقافية و السياسية.
في برنامج «الرابح الأكبر» تحشر فتاة سعودية (أو يراد لها أن تكون كذلك) في مجتمع غريب تستعرض وزنها الزائد لتعطي صورة غير نقية عن الفتاة السعودية خاصة من حيث سهولة تواصلها واختلاطها بالغرباء وقفزها فوق المألوف وكسرها للحواجز!! وزاد الطين بللاً يصل إلى حد القرف في تقرير غريب بثته قناة العربية ضمن سلسلة «عين على السعودية» عن شارع التحلية بالرياض جاء فيه تثبيت مقصود لجملة من الانطباعات السلبية والضارة عن السعودية منها:
1- شباب مستهتر ومنحل.
2- فتاة تافهة تعطي رقم جوالها لأي شخص يملك سيارة «كشخة»!!
3- الترقيم هو الانجاز الأعظم للشاب السعودي.
الأدهى والأمر أن مثل هذا التقرير الغريب يعرض وفي شريط الأخبار عنوان خبر «مقتل 23 فلسطينياً منهم 9 من عائلة واحدة في قصف إسرائيلي على غزة» (جميع القنوات العربية اختارت كلمة استشهاد إلا العربية فتصر دوما على استخدام كلمة مقتل!!) وخبر آخر «المقاومة في لبنان تخطف جنديين إسرائيليين» (جميع القنوات العربية اختارت كلمة تأسر إلا العربية وضعت كلمة الخطف في السياق!!) وخبر ثالث «تزايد أعداد ضحايا التوتر في العراق»، بمعنى أن الناس من حولنا في مشاكل وحروب وتحديات ونحن نبحث عن الأرقام في «دواعيس» التحلية!!
كان شعار «مملكة الإنسانية» رائعاً وبراقاً وأعتقد أن السعودية حققت من عمليات «فصل التوائم» صورة ذهنية مدهشة قد يحتاج الأمر في بعض الدول إلى دفع المليارات من أجل الوصول إليها، ولكن!! المشكلة الأزلية لدينا انه بقدر ما يوجد أناس تحاول أن تبني «صورة ذهنية» ايجابية يأتي من يعكر الصفو ويلخبط الصورة فوق تحت!! مرد هذه الصورة المتأزمة يعود إلى عدم وجود «إستراتيجية إعلامية» واضحة على المستوى الكلي وكذلك على المستوى القطاعي مثل السياحة والاستثمار وغير ذلك!! على سبيل المثال، الإعلانات والجهود التي تستهدف تحسين جاذبية السعودية للسياحة أو الاستثمار قد تصطدم بعدد من الإجراءات أو القيود البيروقراطية كما أن الانجازات الهائلة في مجال الطب والتعليم والتنمية الاقتصادية قد تختفي خلف بعض التقارير الصغيرة ولكن مؤلمة أو تندس وراء عدد من الممارسات الاعتيادية المتكررة!!
من المعروف أن عملية صنع الإستراتيجية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار كافة الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية الخ وذلك لان الإستراتيجية خاصة الإعلامية هي ذات خاصية «شمولية» لا ينفع معها معالجة جزئية هنا أو «نقطة تفتيش» هناك!! ولنأخذ المثل من أمريكا فالإستراتيجية الأمريكية لمواجهة تداعيات 11 سبتمبر جاءت لتغطي كافة الإبعاد الإعلامية (قناة الحرة كمثال) والاقتصادية (الضغط على الجمعيات الخيرية كمثال) والاستخباراتية (السجون الطائرة كمثال) والعسكرية (غزو أفغانستان والعراق كمثال) والتربوية (الحرب على المناهج كمثال) والسياسية (قائمة الدول التي تدعم الإرهاب كمثال) والثقافية حيث تخرج كومة من المؤلفات المدروسة والأفلام السينمائية الموجهة كل ساعة نقضيها في مقاهي شارع التحلية!!
الصورة الذهنية للسعودية ليست بحاجة إلى «عين» فقط ولكن هي بأمس الحاجة إلى عقل ناضج وقلب سليم يضع نقاط حقيقة هذا البلد الخيّر المعطاء مهبط الوحي وقبلة المسلمين على حروف الفضاء الإعلامي بشكل يتجاوز الصورة النمطية المأسوية التي يرانا بها العالم من خلال روتانا وشقيقاتها!!