بحث



الجمعه 18 جمادى الآخرة 1427هـ - 14 يوليو 2006م - العدد 13899

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الأمن الدولي الإنساني في ضوء التجربة الكمبودية

عبدالجليل زيد المرهون
    بدا الأمن الدولي الإنساني وقد أخذ مفهوما أكثر اتساعا بفعل النمط الجديد للصراعات التي شهدها عالم ما بعد الحرب الباردة، والاتجاه الأكثر حدة للكوارث الطبيعية والبيئية، والمسار الأشد فتكا للأمراض والأوبئة السارية والعابرة للحدود.

ولقد بدت معطيات القانون الدولي الإنساني عاجزة عن مواكبة هذا الكم المتنامي من المتغيرات، خاصة فيما يرتبط بمقاربة الصراعات الأهلية الجديدة، والمذابح الجماعية التي يتعرض لها المدنيون. ويقدم المسعى الراهن، الذي انطلق في يوليو الجاري، لمحاكمة قادة الخمير الحمر في كمبوديا نموذجا جليا للتحديات التي تعترض القانون الدولي الإنساني.

فخلال حُكم الخمير الحُمر في الفترة من عام 1975 وحتى 1979، تعرض ربع سكان كمبوديا، الذين كان يبلغ تعدادهم آنذاك ثمانية ملايين، للإعدام أو التجويع حتى الموت، أو تُركوا لتفتك بهم الأمراض. ونتيجة لهذا فإن كثيرا ممن وُلِدوا في كمبوديا بعد عام 1979 لا يدركون مدى اتساع نطاق وخطورة تلك الأفعال الوحشية.

لقد أدرك الخمير الحمر فشل نظامهم؛ غير أنهم لم يستطيعوا الخروج بدروس مستفادة من أخطائهم، أو البدء في تغيير سلوكهم، وبدلا من ذلك ألقوا باللوم على «المخربين الأجانب»، وشرعوا في شن مذبحة منظمة ضد الفيتناميين، وغزوا فيتنام في عام 1977. وهنا رد الفيتناميون بغزو كمبوديا. ولما كانوا أكثر إمكانات فقد انتصروا في نهاية الأمر، ومن ثم فشل مشروع الخمير الحمر. وفي الأشهر الأخيرة من عام 1978 وأوائل عام 1979، فر جيش الخمير الحمر في كل اتجاه.وانسحبوا في نهاية الأمر إلى الغابات؛ حيث واصلوا محاربة الحكومة الكمبودية؛ التي يساندها الفيتناميون لمدة عقد آخر. ومع حلول عام 1981 كانت الإدارة الداخلية قد أصبحت بالكامل تقريبًا تحت سيطرة الحكومة الكمبودية. وبعد انسحاب الفيتناميين عام 1989 وإجراء الانتخابات في عام 1993 بدأت السلطات الكمبودية في تحديث قوانينها؛ بيد أنه لا تزال ثمة هوة واسعة بين التشريعات والواقع.

ومنذ إسقاط الخمير الحمر، لم يُبذل أي جهد حقيقي لتقديم قادتهم للعدالة، ففي صيف عام 1979 نظم لهم الفيتناميون محاكمة صورية غيابية، ومنذ ذلك الحين، لم يُبذل، ولوقت طويل، أي جهد فاعل لتقديمهم للعدالة، جزئياً يعود ذلك لأسباب سياسية.

والسؤال المطروح هو: ما هي الجرائم المحددة التي يجب أن توجه للخمير الحمر؟

بما ان معظم ضحايا الخمير الحمر كانوا كمبوديين آخرين، فقد لا تنطبق اتفاقية الإبادة بحرفيتها على أغلبية عمليات القتل هذه، وهذا هو الرأي الذي لا يزال سائداً في الأسرة القانونية الدولية إلى الوقت الراهن. ورغم ذلك، يوجد دليل دامغ يثبت أنهم اعتدوا بخاصة على جماعات عرقية ودينية مثل الكام والفيتناميين والنساك البوذيين.وقد تتوافق هذه الاعتداءات مع معيار اتفاقية الإبادة عن العمل الذي ينفذ ب «نية تدمير» هذه الجماعات «كلياً أو جزئياً».

وقد ربطت الجرائم ضد الإنسانية بالنزاع المسلح، سواء كان داخلياً أو دولياً، ولكن يوجد قوام من الآراء واسع يقترح بأن هذا الربط، وفقاً للقانون الدولي، لا يجب أن يكون دائماً كذلك، وأن القتل الجماعي يمكن أن يشكل جرائم ضد الإنسانية حتى في غياب نزاع مسلح، فقد حكمت المحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة بأن الجرائم ضد الإنسانية لا ترتبط بالضرورة بنزاع مسلح، ولا يشير نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية لسنة 1998 إلى هذا الربط. واستنتجت دراسة قامت بها وزارة الخارجية الأمريكية سنة 1995 أن بالإمكان محاكمة الخمير الحمر على جرائمهم ضد الإنسانية، وأن الولايات المتحدة وحكومات أخرى حاولت بلا نجاح تقديم بول بوت، زعيم الخمير الحمر، إلى المحاكمة قبل وفاته بوقت قصير.

إن ما مارسه الخمير الحمر من قتل منظم وتصفية وعمل إجباري قسري وتعذيب وتهجير إكراهي للسكان، يشكل دليلاً دامغاً على الاضطهاد الجماعي. وقد تظهر محاكمة الخمير الحمر على جرائم ضد الإنسانية أن الاتهامات بالاضطهاد وبالمثل التصفية والقتل هي في القلب من جرائمهم. فقد حددت محكمة نورمبرغ ومحاكم لاحقة الأفعال التالية بأنها تشكل عناصر اضطهاد: حرمان المرء من حقوق المواطنة والتدريس وممارسة مهنة والحصول على التعليم ؛ الاعتقال والحجز والضرب والتشويه ومصادرة الملكية؛ الإبعاد إلى غيتوات والعمل الاستعبادي والتصفية؛ سلب وتدمير الأعمال كوسيلة للإرهاب أو لعلاقته بأشكال عنف أخرى؛ حرمان المرء من حقوق المحاكمة العادلة؛ الغرامة الجماعية ومصادرة الموجودات وإنشاء غيتوات والإجبار على وضع نجوم صفراء (التجنيد) ومقاطعة الأعمال والتحريض على القتل والتصفية.

ويتضمن نظام محكمة الجنايات الدولية الأساسي لسنة 1998 الاضطهاد من بين قائمة جرائم ضد الإنسانية، ويعرِّفه بأنه «حرمان جماعة أو شعب بكامله، بسبب هويتها أو هويته، من الحقوق الأساسية، بشكل متعمد قاس مناقض للقانون الدولي». ويحِّرم النظام «اضطهاد أي جماعة من الناس أو شعب محدد على أسس سياسية أو جنسية أو قومية أو عرقية أو ثقافية أو دينية أو جندرية أو على أية أسس أخرى معترف عموماً بأنها محظورة وفقاً للقانون الدولي، بالإضافة إلى أي فعل آخر أشير إليه في هذه الفقرة أو أية جريمة أخرى تقع في نطاق سلطة المحكمة القضائية». ويجب أن ترتكب الجريمة ضد الإنسانية، طبقاً للنظام الأساسي، كجزء من «هجوم واسع أو منظم».

لقد مات بول بوت لكن اثنين من أقطاب النظام، هما تا موك وكانج كينج اياو المعروف بالهولندي، لا زالا على قيد الحياة، وهما الآن في السجن بتهمة الإبادة الجماعية، في حين استمر بعض قادة الخمير الحمر طلقاء.

وفي يوليو من العام 2001 وافق مجلس النواب الكمبودي على تشريع مهد الطريق أمام محاكمة لزعماء الخمير الحمر بتهمة ارتكاب مذابح جماعية.وفي يونيو من العام 2003، وقعت الأمم المتحدة اتفاقا تاريخيا مع الحكومة الكمبودية قضى بمحاكمة قادة الخمير الحمر.ووقع الاتفاق الذي تطلب الوصول إليه أربعة أعوام من المفاوضات الشاقة الخبير القانوني للأمم المتحدة هانز كوريل وكبير المفاوضين الكمبوديين الوزير سوك آن في احتفال رسمي حضره حوالي 600 شخص بالعاصمة فنوم بنه.وتعتبر هذه الاتفاقية التي تم التوصل إليها بعد 24 عاما من تخلي الخمير الحمر عن السلطة وست سنوات من مطالبة الحكومة الكمبودية بمحاكمة المتهمين بارتكاب المجازر، إنجازا كبيرا لفنوم بنه، بل وللمجتمع الدولي.

ومنذ عام مضى، تم التوقيع على اتفاق مبادئ، بين الأمم المتحدة والحكومة الكمبودية، يقضي بتأسيس « هيئة قضائية استثنائية»، تتألف من ممثلي ادعاء وقضاة دوليين وكمبوديين. وتتلخص مهمة الهيئة في إجراء التحقيقات ومحاكمة كبار زعماء «كمبوديا الديمقراطية» وأولئك الذين يتحملون أكبر المسئولية عن الجرائم التي ارتُكِبت تحت حكم الخمير الحُمر .

وفي إبريل الماضي، بدأ سريان مفعول الاتفاق الموقع مع الأمم المتحدة بخصوص إنشاء المحكمة الاستثنائية.وأخيرا، وافق المجلس الأعلى للقضاء الكمبودي على ترشيح 13 من القضاة والمدعين الدوليين إلى جانب 17 من القضاة الكمبوديين، للعمل في هذه المحكمة الاستثنائية، التي ينتظر أن تعقد جلساتها في أوائل العام 2007.

وبدأ مزيج القانونيين هذا في يوليو الجاري تجربة غير عادية في القانون الدولي. وخلال الأعوام الثلاثة القادمة ستسعى الغرف الاستثنائية لخلق معايير المساءلة القانونية لواحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في القرن العشرين. ومن بين الذين ستتم محاكمتهم اثنان من أقرب أتباع بولبوت وأكثرهم نفوذاً، وهما نوان تشيا، زعيم لحزب الخمير الحمر، وإينغ ساري، النائب الأسبق لرئيس مجلس الوزراء للشئون الخارجية.

وعلى عكس المحاكم المختلطة (الهجينة) في تيمور الشرقية وكوسوفو وسيراليون، يعتبر القضاة الدوليون أقلية في هذه المحكمة. ومن الصحيح أن هناك العديد من الأسباب الجيدة التي تدعو لأن تتكون المحاكم المختلطة بقسمها الأكبر من الجانب الوطني؛ إلا أن هذا الإجراء يطرح الكثير من التحديات في بلاد لطالما كانت الجودة والاستقلالية في عملية اتخاذ القرارات فيها موضع المساءلة.

كذلك، فان المدة الزمنية التي مضت على ارتكاب الجرائم، وهي أكثر من ثلاثين سنة في بعض الحالات، تمنع اجراء أي مقارنات، فقد عقدت محاكمات جرائم الحرب الأخرى مباشرة بعد حدوثها، ولكن التأخير الحاصل في كمبوديا يعقد مهمة حفظ الأدلة، بما فيها الذاكرة البشرية، الأمر الأساسي لإثبات الإدانة والتجريم. كما تقام المحاكمات في مجمع عسكري بعيد عن وسط مدينة بيانه منه، الأمر الذي يصعب على الناس العاديين متابعة هذا الحدث التاريخي. وتفتقر كمبوديا للمحامين المؤهلين، وذلك لأن حكم الخمير الحمر قضى تقريباً على مهنة المحاماة. ولكن وعلى عكس الإجراءات المتبعة في محاكمات جرائم الحرب الدولية المختلطة، لا يسمح القانون الكمبودي إلا للمحامين الكمبوديين بتمثيل المتهمين.

والأهم من كل ذلك، هو حداثة التجربة وما تفرضه من تحديات، ليس على صعيد النموذج الكمبودي وحسب، بل على صعيد كافة النماذج العالمية المشابهة. وعلى سبيل المثال، فإن أشد الناس إخلاصاً في تأييد العدالة الدولية أقروا بأن المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) كانت تتسم بالعديد من نقاط الضعف، ذلك أن كل من شاركوا في هذه المحاكمات كانوا من غير المعتادين على مثل هذه الإجراءات القضائية، وكان لزاماً عليهم أن يتعلموا أثناء العمل، لأن ساحات القضاء الدولي لم تشهد مثل هذه الهيئات منذ محاكمات نوريمبيرغ وطوكيو التي جرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

فضلاً عن ذلك فإن الهيئات القضائية التي تم تشكيلها بعد الحرب العالمية الثانية كانت عبارة عن محاكم تولى فيها الجانب المنتصر في الحرب إصدار الحكم على الجانب المهزوم، وكان المتهمون معتقلين بالفعل. أما المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة فلم تكن تملك سلطة أو صلاحية إصدار الأمر بإلقاء القبض على المتهمين، على النقيض من محاكمات ما بعد الحرب العالمية الثانية، لذا فقد كان لزاماً عليها أن تعتمد على قوة الإقناع للفوز بتعاون الآخرين، وهو نوع من التعاون كان بوسع المتعاونين التراجع عنه، كما حدث في حالة اثنين من أسوأ المتهمين في حرب البوسنة وأردأهم سمعة، وهما رادوفان كارادزيتش وراتكو ملاديك. والأمر ذاته يمكن جره على المحاكمة المزمعة للخمير الحمر.

إن القضايا المثارة أمامنا في غاية التعقيد، وكثيراً ما تتضمن ليس فقط مسائل لم يسبق لها مثيل في ساحات القانون الدولي، بل إنها تشتمل أيضاً على الآلاف من الشهود، الذين خلفت عليهم معاناتهم الشخصية آثاراً نفسية مؤلمة، علاوة على الحاجة المستمرة إلى ترجمة فورية على درجة عالية من الدقة والكفاءة، فضلاً عن تكتيكات مقاطعة الإجراءات التي يجيدها بعض المتهمين.

وعلى الرغم من ذلك علينا الاعتراف بما حققته هذه المحاكم حتى الآن، فقد مات في السجن ميلوسيفيتش رئيس يوغوسلافيا الأسبق ثم رئيس صربيا بعد ذلك، وأعلنت بيلجانا بلافسيك، رئيسة جمهورية صرب البوسنة بعد كارادزيتش، عن ندمها على ما ارتكبته من جرائم، وأقرت بذنبها، وهي الآن تقضي مدة عقوبتها في السجن. ونجحت هذه المحكمة في الانتهاء من محاكمة 85 متهماً منهم، بما في ذلك قضايا الاستئناف التي رفعوها. وإن الكم الهائل من الأدلة التي احتوتها سجلات المحكمة جعل الناس تدرك بأن الجرائم الشنيعة التي ارتكبت في الحروب التي شهدتها يوغوسلافيا السابقة مماثلة في مدى توثيقها لتلك التي ارتكبتها النازية.

كذلك، اعترف جين كامباندا رئيس وزراء رواندا الأسبق بذنبه، وأقر بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة العرقية، وهو الآن وراء القضبان ينفذ عقوبة السجن مدى الحياة.وكان تشارلز تيلور رئيس لليبيريا حين أدانته المحكمة الخاصة بسيراليون. وكان لزاماً عليه أن يفر من البلاد، الأمر الذي مهد الطريق أمام التحول الديمقراطي الذي نتج عنه مؤخراً انتخاب إيلين جونسون سيرليف. وما زال تيلور يواجه احتمالات مثوله أمام المحكمة، وهناك مجرم آخر، وهو صدّام حسين، ماثل الآن أمام محكمة وطنية مدعومة دوليا في العراق.

هذه انجازات تم تحقيقها على الأرض، وهي تحسب للأسرة الدولية، لكن الأمن الدولي الإنساني لا زال أمامه كم متنامي من التحديات، التي لم تعثر بعد على مقاربة منهجية ذات فاعلية، وإن النموذج الكمبودي ربما يكون الأكثر تجليا فيما يثيره من تحديات أمام دارسي القانون الدولي.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى






صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية