د . حمد بن عبدالله اللحيدان
إن التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم في مختلف الميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية بصورة عامة وفي ضوء حرب الإرهاب بصورة خاصة ذلك أن تلك الحرب أصبحت شبحا يمكن أن يعلق عليه أي عمل من أي مصدر كان بالإضافة إلى غيرها من المتغيرات التي تؤثر سلباً أو إيجاباً على حاضر البشرية ومستقبلها كل ذلك فرض تحديات كبيرة على جميع دول العالم سواء كانت منفردة كلا منها على حدة أو مجتمعة مما يستدعي الاستجابة لتلك التحديات عن طريق الأخذ بالأسباب والوسائل التي تجعل التعامل مع تلك المتغيرات أسهل في ضوء وجود الكفاءات الوطنية المؤهلة التي لديها القدرة على الفهم وبالتالي التعامل الواعي مع تلك المتغيرات. وحيث إن المملكة العربية السعودية جزء من هذا العالم المتغير فهي تؤثر وتتأثر بما يجري على الساحة الإقليمية والدولية خصوصاً أن المملكة تسعى جاهدة للأخذ بالأسباب التي تساعد على مواكبة متطلبات العصر ومتغيراته ومن ذلك الصرف على التعليم بسخاء وإنشاء الجامعات والمعاهد العامة والمتخصصة حتى أصبح اليوم لدينا عدد كبير من المؤهلين الذين يحملون أعلى الدرجات العلمية وفي جميع التخصصات إلا أن الملاحظ أن المملكة وعلى الرغم من موقعها الاستراتيجي وأهميتها الاقتصادية وكونها أرض الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين في جميع أرجاء الدنيا ومحط أنظارهم والمعبر عن طموحاتهم وآمالهم إلا أنه لا يوجد بها مركز متخصص للدراسات الاستراتيجية يحمل على عاتقه أمورا عديدة من سياسية واقتصادية وثقافية وعسكرية وأمنية ناهيك عن القيام بفعاليات أخرى مثل التدريب وإعداد الدراسات وعقد الندوات والمؤتمرات المتخصصة وترجمة الدراسات والمقالات والكتب ذات الأبعاد التي تهم المملكة أو منطقة الخليج أو العالم الإسلامي أو العالم أجمع. إن مراكز الدراسات الاستراتيجية اليوم أصبح لها باع طويل في خدمة الدول التي تملكها سواء فيما يتعلق بتزويد القيادات السياسية أو الاقتصادية أو الدوائر الحكومية وأصحاب القرار فيها بالتقارير والدراسات المناسبة أو فيما يتعلق بخدمة المجتمع ومؤسساته الحضارية من تعليمية أو صحية أو اقتصادية أو غيرها. ولعله من نافلة القول إن إسرائيل على سبيل المثال تملك عددا كبيرا من مراكز ومعاهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والعرقية والجغرافية في كل من إسرائيل وخارجها تعمل على خدمة أهدافها في المنطقة العربية بصورة خاصة والعالم بصورة عامة ولعلنا في هذه العجالة نستعرض أسماء وفعاليات عدد محدود من مراكز الدراسات الاستراتيجية الإقليمية والدولية والتي منها:
1- مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وهو عبارة عن مركز مستقل وأهم اهتماماته: البحوث والدراسات، خدمة المجتمع، إعداد الكوادر البحثية وتدريبها.
2- مركز دراسات العالم الإسلامي:
وهو مؤسسة علمية أهلية غير حكومية تعمل في حقل الدراسات والبحوث المتعلقة بالعالم الإسلامي في المجالين الإقليمي والدولي بهدف تحقيق تأصيل الواقع واستشراف المستقبل وطرح البدائل الملائمة وهو يعنى بالقضايا الاستراتيجية التي تهم شعوب العالم الإسلامي وأقاليمه، بالإضافة إلى الفعاليات الأخرى مثل إعداد الدراسات وعقد الندوات والمؤتمرات وإقامة علاقات تعاون مع المراكز المماثلة في العالم الإسلامي.
3- مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية:
وهذا المركز يسعى من خلال نشاطه العلمي إلى نشر الوعي العلمي لدى الرأي العام المصري والعربي بالقضايا الاستراتيجية في العالم بوجه عام وفي العالم العربي بوجه خاص خصوصاً في مصر ناهيك عن ترشيد عملية صنع القرار في مصر وفي هذا الإطار يهتم هذا المركز بمخاطبة القيادات السياسية وصانعي القرار والهيئات التشريعية والتنظيمات السياسية والأحزاب السياسية والجهاز الحكومي والدوائر العلمية والسياسية الدولية والباحثين والمحللين السياسيين بالإضافة إلى الصحافة ووسائل الإعلام.
4- يوجد في منطقة الشرق الأوسط عدد من المراكز ذات التوجهات المشابهة التي يمكن أن نذكر منها:
أ- مركز الدراسات الآسيوية (القاهرة).
ب- مركز الدراسات اللبنانية (أكسفورد).
ت- مركز الدراسات الفلسطينية (بيروت).
ث- مركز الدراسات والبحوث (الكويت).
ج- مؤسسة السلام في الشرق الأوسط (واشنطن).
ح- المعهد اليهودي للدراسات الدينية والسياسية (إسرائيل).
خ- معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية المتقدمة (إسرائيل).
د- معهد الدراسات الفلسطينية (واشنطن).
ذ- مركز حيفا للدراسات الاستراتيجية (إسرائيل).
5- مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS:
هذا المركز عبارة عن مركز غير حكومي معفي من الضرائب مقره العاصمة الأمريكية واشنطن ويقول المركز عن نفسه بأن مداه دولي ونظرته استراتيجية ومعالجته ثنائية الفائدة وطريقته ملتزمة وان معالجته تصنع علاقة متينة بين القطاع العام والخاص وهدفه إنتاج حلول ناجحة للمشاكل وله اهتمامات في مجالات عديدة تشمل الأمور الاستراتيجية في المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية والإدارية وغيرها.
ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية يهدف إلى المساعدة في الوصول إلى حلول في السياسات العامة المحلية والدولية تشمل خلق منظور استراتيجي من خلال تقييم المخاطر السياسية وتحليل الشؤون الإقليمية والدولية من خلال دراسة الأمن والاستقرار العالمي واستشراف آفاق المستقبل من خلال قيام المركز بإعداد قيادات العمل الاستراتيجي للحاضر والمستقبل وإقامة علاقات شراكة للوصول إلى حلول ناجحة وحيث إن التقدم التكنولوجي يلعب دوراً هاما في التغيرات التي يشهدها العالم فإن لدى المركز مجلسا خاصا يعنى بمستقبل التكنولوجيا والسياسة العامة وهذا يعكس أهمية التكنولوجيا كعامل مؤثر في عملية التغير التي يشهدها العالم خصوصاً في مجال التقنية العسكرية ولذلك فإن المركز يوجد لديه مجلس إدارة يتكون من قيادات وخبرات ويشتمل ذلك على عدد كبير من المتخصصين وذوي الخبرة العالية، حيث يضم أعضاء في الكونجرس وأعضاء ممن حصلوا على جائزة نوبل وخبراء في العلوم والاقتصاد والأمن وغيرها من التخصصات وكلهم يتعاونون من أجل تيسير عمل المركز وتحقيق أهدافه لذلك فإن المركز توجد لديه بنية تحتية قادرة على الوفاء بالمتطلبات كما ان المركز لديه خبراء ومستشارون متعاونون في جميع التخصصات كما أن لديه صلات تعاون مع القطاعات المختلفة العامة والخاصة بالإضافة إلى أنه يملك نقاط اتصال منتشرة في مختلف أرجاء العالم ناهيك عن اتصالاته مع الجامعات ومراكز البحوث في داخل الولايات المتحدة وخارجها ومن جهة أخرى يقوم المركز بعدد كبير من النشاطات ذات العلاقة بمهمته مثل عقد المؤتمرات والمحاضرات والندوات وحلقات التدريب وبرامج التأهيل ذات العلاقة بنشاط المركز وتخصصه، ليس هذا فحسب بل إنه يصدر عددا كبيرا من النشرات والمجلات العامة والمتخصصة.
ويتبع هذا المركز عدد من المراكز المتخصصة في دراسة الشؤون الدولية المختلفة مثل برنامج الشؤون الافريقية، والأمريكية، والآسيوية، والأوروبية، والشرق الأوسط، واليابان، والمحيط الهادي، وروسيا، وجنوب آسيا، وتركيا، وغيرها من المواقع الهامة.
من ذلك كله نستطيع أن نقول إن لمراكز الدراسات الاستراتيجية أهمية كبرى لكل دولة من الدول تتمثل في خدمة المصالح الحيوية لتلك الدولة من أمنية وعسكرية واقتصادية وسياسية واجتماعية ناهيك عن سرعة تعامل مثل تلك المراكز مع الحالات الطارئة والمستجدة وعلى أية حال فإن كل مركز من مراكز الدراسات الاستراتيجية يكون أكبر نفعاً إذا كان من يقوم على دراساته وتقاريره أبناء البلد الحريصون على مصلحته ومستقبله ومستقبل أجياله.
وعلى العموم فإن دولة بأهمية المملكة العربية السعودية وحجمها وثقلها وقدرتها الاقتصادية وموقعها الجغرافي وقيادتها للعالم الإسلامي لكونها مهبط الوحي وأرض الحرمين الشريفين ناهيك عن أهميتها في مجال التوازن على المستوى الإقليمي والدولي كل ذلك يحتم عليها أن يكون لديها مركز متقدم للدراسات الاستراتيجية يأخذ بعين الاعتبار كل ما تقدم ناهيك عن مواكبة الأحداث والمستجدات على الساحة العربية والدولية ذلك أنه يوفر مصدر خطط استراتيجيا محليا له اتصالات متعددة وشبكة مرتبطة بجميع المراكز والأوساط المتخصصة في شتى أنحاء العالم تمكنه من الاستقراء والتحليل ووضع الافتراضات والخيارات والاقتراحات أمام أصحاب القرار بالإضافة إلى إعداد وتدريب قيادات استراتيجية مستقبلية للعمل في ذلك المركز وغيره من القطاعات التي تحتاج إلى ذوي الخبرة في المجالات المختلفة ناهيك عن أن وجود ذلك المركز سوف يغني عن الاعتماد على المصادر الأجنبية في مجال الاستشارة أو التحليل والتي غالباً ما تكون استنتاجاتها وتحاليلها موجهة لخدمة مصالحها الذاتية ومن يقفون خلف تلك المراكز بالإدارة أو التمويل أو التوجيه حسب مقتضيات الأمر وأهميته.
لذلك فإن تشييد منارة علمية وبحثية واستشارية تحت اسم «المركز السعودي للدراسات الاستراتيجية والدولية» أصبح من الأمور التي يحسن الالتفات إليها والاهتمام بها ذلك أن مثل ذلك المركز سوف يأخذ على عاتقه الاهتمام بأمور لا يستطيع غيره من الأفراد والمؤسسات القيام بها بصورة فعالة ومتخصصة مثل ما يخص الوطن من أمور استراتيجية تتعلق بالنواحي الأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها مما يحتاج إلى فريق عمل متكامل يتكون من قيادات علمية مؤهلة وذلك لإعداد الدراسات والبحوث المتخصصة كما يمكن أن يتبنى ذلك المركز عدداً من النشاطات الفكرية والعلمية مثل المؤتمرات والندوات وورش العمل المتخصصة والتدريب ناهيك عن إعداد الإصدارات والدراسات المحلية والإقليمية والدولية بصورة دورية أو حسب الطلب ناهيك عن جمع أو ترجمة ما يهم الأمن الوطني أو يخدم العمل الأكاديمي أو خدمة المجتمع وغيره من النشاطات.
وعلى العموم فإن النشاط العلمي لمثل ذلك المركز يمكن أن يتبنى مفهوماً للاستراتيجية يقوم على اعتبار استخدام مجمل قوة الدولة أو مجموعة إمكانياتها وقدراتها لتحقيق أهدافها أو خططها المستقبلية وهذا يتضمن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية والتاريخية والعلاقات الدولية والأخيرة بطبيعة الحال تشمل الخليج والشرق الأوسط والعالم العربي والعالم الإسلامي والعالم أجمع وبالتالي يمكن أن نقول إن النشاط العلمي لمثل ذلك المركز يمكن أن يقسم إلى خمس دوائر على الأقل.
1- الدائرة المحلية حيث يجب أن يهتم المركز بمختلف التطورات الداخلية في المملكة العربية السعودية من سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وثقافية وتاريخية والتركيز على دور المملكة الإقليمي والدولي وتأثرها بما يجري فيه.
2- الدائرة الخليجية وتشمل الاهتمام بدول مجلس التعاون الخليجي ودراسة التفاعلات الداخلية والخارجية لتلك المنطقة والبحث عن حلول لمعوقات العمل المشترك ودراسة جدوى التحولات المستقبلية للمنطقة ليعطي مزيداً من التكامل والتعاون.
3- الدائرة الشرق أوسطية وهذه تهتم بالصراع في الشرق الأوسط ومتابعة الخطط الصهيونية والاطماع المبيتة والعمل على ما يعزز فرص الحل السلمي وحفظ حقوق الشعب الفلسطيني وعودة القدس المحتلة. ورد الهجمة الصهيونية على المنطقة.
4- الدائرة العربية حيث يهتم المركز بالتحولات الداخلية والخارجية في العالم العربي وانعكاساتها الإيجابية والبحث في السبل التي تحسن من الصورة العربية في كل مكان خصوصاً مع الهجمة الصهيونية وخلقها لمفهوم حرب الإرهاب المسلط على كل ما هو عربي ومسلم. وفي ضوء التهديد المتزايد لدوله وشعوبه خصوصاً بعد احتلال العراق والعمل على تقسيمه وتجبر إسرائيل وغطرستها واشعال النار في كل بقعة في العالم الإسلامي.
5- الدائرة الدولية وهذا هو الإطار الأوسع الذي تعيش الدول العربية داخله ولذلك فإن المركز يهتم بدراسة التغيرات الرئيسة التي يمر بها النظام الدولي بما في ذلك من تكتلات ومنظمات وتحالفات سياسية واقتصادية وعسكرية ويمكن أن يقوم المركز بصورة عامة على أساس البحثية وخدمة المجتمع ناهيك عن تقديم المشورة في الأمور الاستراتيجية عند الحاجة وكل ذلك يصب في مصلحة تحقيق أهداف استراتيجية محددة من خلال البحث العلمي النابع من تطلعات الدولة بصورة عامة والمجتمع بصورة خاصة واحتياجاته وتنظيم الملتقيات الفكرية ومتابعة التطورات العلمية ودراسة انعكاساتها وإعداد الدراسات المستقبلية وتبني البرامج التي تدعم تطوير الكوادر البحثية المحلية والاهتمام بجمع البيانات والمعلومات وتوثيقها وتخزينها وتحليلها بالطرق العلمية الحديثة والتعاون مع أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة في مجال الدراسات والبحوث ناهيك عن التعاون مع المتخصصين من جميع أنحاء العالم وإنشاء علاقات تعاون مشتركة ومتميزة مع مراكز الدراسات الاستراتيجية الإقليمية والدولية.
إن وجود «المركز السعودي للدراسات الاستراتيجية والدولية» سوف يفعل عددا كبيرا من الكوادر الوطنية المؤهلة التي تعمل في بعض المواقع بأقل من نصف طاقاتها حالياً وذلك مثل بعض أساتذة الجامعات وأصحاب الاختصاص في المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية وغيرها مما يجب تفعيله ناهيك عن كون ذلك المركز واجهة حضارية لها فوائد عديدة لا يخفى على الحصيف ادراكها لعل من أبسطها تقديم تقييم علمي وموضعي لكل مستجد على الساحة المحلية أو الإقليمية أو الدولية ناهيك عن رفع شأن العروبة والإسلام في كل مكان يكون لذلك المركز موطئ قدم فيه خصوصاً أن مقره بلد الحرمين الشريفين الذي مواقفه دائماً تدعو إلى تعزيز الأمن والسلام العالمي ناهيك عن كونها معتدلة ورصينة وتتسم بالمصداقية والالتزام.
نعم ان التقدم والانتعاش الاقتصادي الذي تشهده المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير سلطان بن عبدالعزيز - حفظهما الله - وفتح باب الاستثمار أمام المستثمر الأجنبي وزيادة عوائد النفط والعمل على تعدد مصادر الدخل والاهتمام بالبيئة والتصحر والحاجة الماسة إلى المياه ناهيك عن حرب الإرهاب والمتغيرات الأمنية على مستوى المنطقة والمستوى العالمي كل ذلك يدعو إلى أن يكون لدينا مركز متقدم للدراسات الاستراتيجية يعمل رديفاً وعينا بصيرة تضطلع بالدراسات والحلول لكل مستجد.. والله المستعان.
hluhaidan@alriyadh.com