د. شروق الفواز
غريب هذا العالم في تناوله للحقائق وتسيد الأخبار عنده، مرّ أسبوع ووسائل الإعلام المختلفة ليس لها من حديث سوى عن نطحة زين الدين زيدان للاعب الإيطالي (ماتيراتزي) في نهائيات كأس العالم لكرة القدم لسنة 2006م.
لم يبق أحد ولم يدر بهذا الحدث الكروي العظيم الذي نطح فيه لاعب فرنسي من أصل عربي لاعبا ايطاليا استحق على اثره الطرد وربما كان في طرده سبب لتغيير شيء من مجريات تلك المبارة وربما نهايتها أو نتيجتها.
وزبدة القول كانت محصورة فيما قاله ذلك اللاعب الايطالي ليستفزبه بطلا قوميا فرنسيا في نهاية مشواره البطولي ليستدرجه وبخبث لكرت أحمر أقام العالم ولم يقعده.
وفجأة تحول العالم إلى ملايين من (الملاقيف) الذين شغفوا بهذا الحدث واشتعل الفضول في قلوبهم لمعرفة السبب وخلفياته وكأن العالم لم يبق له من الهموم سوى معرفة حقيقة هذا الاحتكاك الطبيعي بين لاعب وآخر والذي قد يكون جزءاً من استراتيجيات اللعب، وربما يكون للطريقة التي استخدمها زيزو للتعبير عن إحساسه بالإهانة واستخدامه لاسلوب النطح دور في لفت الأنظار وإطلاق هذا الشغف. ولعل لأصول اللاعب العربية دوراً في ذلك ..وربما لأنه اعتبر بطلا قوميا وممثلاً للحلم الفرنسي في المونديال وللحلم العربي في الارتقاء ، كان له دور أيضا. لتكثر التصريحات والاجتهادات عن سبب هذه النطحة التاريخية والتي في مفهومي البسيط والمحدود بثقافتي الرياضية الضحلة لاتمت بصلة لقواعد لعبة كرة القدم ولا ترتبط إطلاقا باللقب الذي يحمله فريق زين الدين زيدان الذي هو قائده وهو الديوك فهو لم يستخدم اسلوب النقر كما اعتادت الديوك ان تفعله لتدافع عن نفسها او تنتقم بل هو استخدم اسلوبا آخر فيه كثير من الفحولة يكاد يكون الأقرب لأصوله العربية والتي لها تاريخ مشرف في التناطح بالرؤوس واستخدام الرأس كوسيلة للهجوم ، وهذا ما جعل كثيرين يربطون بين النطحة واحتمالية استخدام اللاعب الايطالي لألفاظ مستفزة ونعوت تسيء للبطل الفرنسي العربي الأصل مثل نعته بالارهابي وهي الصفة التي قد يوصم بها أي عربي خارج وطنه مهما كان وعيه ورقيه واستقامته بل وتطور الأمر الى الاستعانة بخبراء في لغة الشفاه لمراجعة تلك اللحظات وما سجلته الكاميرات وكانت النتيجة مبهرة وذات علاقة شديدة القرب بأصول ذلك البطل فلقد أجمع أولئك الخبراء على ان اللاعب الايطالي استفز زيزو باستخدامه الفاظا ونعوتا نابية عن اخته وهذا يعتبر احتمالا منطقيا فغيرة العربي على محارمه قد تدفعه للقتل وليس النطح فقط فالعرب دماؤهم حارة وغيرتهم شديدة.
ليظل الأمر معلقاً بتصريح زيزو الذي وعد العالم أجمع بإصداره قريبا والذي لوقت كتابتي لهذا المقال لم يصدر بعد، ربما لأن زيدان لا يزال مستفزا من الموقف الصعب الذي وضع فيه أمام محبيه ومعجبيه سواء في فرنسا او في العالم العربي أجمع الذي ساند فريق الديوك حتى آخر لحظه مؤازرة وتضامنا مع لاعبيه الذين كان من بينهم مسلمين ولأن قائدهم بطل قومي لم تعرف الأمة العربية عنه شيئا ولا عن قصة كفاحه ولا همومه لولا أن شعبيته وجماهيريته الكروية ومهاراته الفردية فرضت منه بطلا يحاول كثير من المخذولين التشبث بأذياله بحثا عن أمجاد كانت حاضرة في يوم ما وزالت مع أمجاد العرب الغابرة.
ولا يلامون في ذلك فنكسات العرب المتتالية كأمة تبرر لهم التشبث ببطل يحمل اسما عربيا ليعلقوا آمالهم عليه وينسبوا انتصاراته الفردية لعروقه العربية !
وسواء كان البطل زيزو واعيا بحب الجماهير العربية له وتعاطفها معه أم لا يظل تصرفه الأخير ملهماً لكثير من الحالمين العرب الذين قد يرون في نطحة هذا العربي المسلم انتصارا لهم وثأرا لكل هزائمهم التاريخية المخجلة.
والطريقة التي اختارها زيزو ليختم مشوار أمجاده الكروي تعتبر مميزة وتستحق منا ان نطلق على هذه السنة (سنة النطحة) ونؤرخها في سجلنا التاريخي فقد يأتي زمان يظهر فيه مؤرخ فلتة فينسب أحداثا تاريخية مقبلة وربما انتصارات أو حروباً لهذه النطحة في مباراة يراها الجميع ممثلا حقيقيا للتنافس القومي الشريف بين الأمم.
وأرجو أن لا يغضب مقالي هذا الكثيرين من معجبي هذا اللاعب فما قصدت والله الانتقاص منه ولا من أمجاده ولكنه تعبير طبيعي وعفوي للعجب الذي تملكني لسر انشغال هذا العالم الدامي بهذه النطحة وربطه لها بالتراكمات التاريخية بأحداثها المهملة أو المسجلة.
عزائي الوحيد أن الانشغال العالمي بهذه النطحة قد اطلق علامات استفهام بسيطة تشير للعنصرية التي يعاني منها فئات من العرب ويموتون بسببها صبح مساء.
ومن يدري فقد تؤثر هذه النطحة في اجتذاب المزيد من التعاطف العالمي مع هموم العرب المستفحلة في جوانب جسده ومدنه المختلفة.