بحث



الجمعه 18 جمادى الآخرة 1427هـ - 14 يوليو 2006م - العدد 13899

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


لذة النفس في سلامتها

ناصر عبدالله الحميضي
    لنبدأ حول موضوع بقول صادق هو (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) وكفى به نقصاً أن يجلب لنفسه الخسارة وهو يقوى على الربح.

كم يسمع الواحد منا في يومه من أقوال تدور، تصدر من كل البيوت والدور، بعضها غامض المعاني مغمور والبعض الآخر ظاهر مشهور.

نتلقف كل ما نسمع سواء رضينا أم أبينا، فالأذن لا تقفل في وجه أي قول ولكن الوعاء الذي بعدها هو الذي يميز، ويحلل ويخزن ومن ثمَّ يتفاعل أو يأمر بالتفاعل والتجاوب، ويُدخل صاحبه في الميدان إما مسلماً سليماً أو معتدياً محارباً.

تجمعنا المجالس في المناسبات وفي غير المناسبات، وتدور الأحاديث الجادة والهازلة والنكات، ونتعود مع مرور الأيام على ما يدور، ونعتبر كل شيء عادياً مثله مثل كل الأمور، ولكن الذي قد أحيا الله قلبه يحمل في طياته جهاز تنبيه، وإضاءة خطر ورقيب لا يمرر كل كلمة جاءت ولو كانت عفوية، أو خرجت من لسانه ولو كانت من غير قصد، هذا الرقيب ليس عند كل أحد بل هو هبة من الله الواحد الأحد، الذي يهب لمن يشاء النعم ويأخذ بالنقم، فإذا كنت ممن وهبك الله هذا المنبه، والرقيب الملازم فأنت في كل أمورك جاد وحازم، وتعلو عند الله إلى أعلا المكارم.

أما من حرم هذا المنبه فهو كالأهبل في تلقيه وقوله، يهرف بكل مالا يعرف ويجمع من الأقوال ما يلف حول نفسه من الآثام والأهوال، يخوض في الأعراض ويتلقف الإشاعات ويبث الأكاذيب ويخطئ أكثر مما يصب.

عندما ينتهي النهار ويذهب كل من المجتمعين إلى حيث الهدوء والاستقرار في منازلهم وبيوتهم يختلف كل واحد عن الآخر، فصاحب العقل الواعي الذي حباه الله الفهم وأنعم عليه بالاستقامة والخوف من الله يستعرض كل ما دار في ذلك النهار، فهو يرى فيلماً أمامه ومجالس ولقاءات مر بها، بل إنه يسمع كل ما قيل مجدداً وكأنه لا يزال في تلك المجالس ومع الأشخاص أنفسهم، إنه يفكر بعقل متنبه واع يخاف الزلل وبإحساس، يستشعر معه ما تحدثه الأذية في الناس، يخاف مراقبة الخالق الذي رزقه وأعطاه ويعرف نواياه، ويسجل عليه كل أعماله ويحفظ كل أقواله وأفعاله.

بعض الناس يعي خطواته، ويتحاشى الزلل، فإذا أخطأ استرجع واعتذر، ومسح ما تعثر فيه أولاً بأول، يدفعه إلى ذلك مخافة الله، فهو لا يستريح وقد أخطأ على أحد، أو أساء في نقل خبر مكذوب، أو الحق بالآخرين أذية مقصودة، قد نمت وعلت وأثمرت شجرة الخير في نفسه وسقاها ورعاها بالتقوى، وتعهدها بالتذكر لما فيه من نقص وعيب يرجو من الله ستره، ويتعهد نفسه بالتقويم أولاً بأول فينهى نفسه عن التلذذ بالإشاعات، ونسج الأقوال والافتراءات، ويتخذ من المباحات ميداناً لخيول أقواله وسباقاته، وهذه المباحات كثيرة جداً وميدانها واسع لا يضيق أبداً فالله جعل فيه راحة للنفس ومزرعة للأجر والمتاجرة فيه مربحة.

وفي المقابل لهذا هناك من إذا ذهب إلى فراشه صار يبتسم بانشراح، ويستعرض لذة نفسه في نهاره هذا، فقد تشفى من فلان، وخاض في عرض فلان، وقذف آخر بكل افتراء، وأشعل فتيل الفتنة في كل دار، لا يشعر مع هذا بأي وخز وألم ولا يحس بأي جرم اقترفه، بل يشعر بالنصر والاعتزاز وينسب لنفسه الفوز على من سنحت له الفرصة لأن يؤذيه في الخفاء، يتخذ ميدان النميمة، والغيبة مجالاً يسبح فيه بالآثام دون أن يتحرك فيه شعرة من خوف من الرقيب وهو الله عز وجل، فذاك إنسان يحتاج إلى مساعدة، هو المفلس الذي لا سند له ولا رصيد، فهو كالمريض الذي يحتاج منا لأن ننقذه لا أن ننتقده ونلومه أو نعزله ونرميه في أحضان الآثام فتلتهمه السباع والهوام هذا المسكين أمانة لدى الواعين بعواقب الأمور القادرين على منع الشرور، الذين عليهم واجب الأخذ بأيدي المحتاجين، وهذا محتاج إلى المساعدة، بل هو أحوج ما يكون إليها إنه أحوج ممن قلت دنانيره وأحوج ممن نقص عليه زاده، وممن انقطع عنه الماء فأشرف على الموت، فهذا الذي لم يعد يحس بالإثم ولم تعد تجرح ضميره اعتداءاته على الآخرين يشرف على هلاك لا سلامة بعده، ولا نجاة منه، هو كمخبول مجنون ينسج حول عنقه حبل مشنقة، إن ترك وشأنه قتل نفسه بغير وعي منه.

هذه مفارقات بين نوعين من الناس أحدهما الواعي لأقواله وأفعاله والآخر الذي يخوض بلا وعي ولادراية، وكلاهما ينطلق من خلفية قديمة في نشأته وتكوينه وسلوكه الذي تربى عليه يوم أن كان صغيراً، يوم أن كان يقول في صغره ويتلقف والده ما يقول بعين الاعتبار، فالذي رباه أهله على المراقبة صار يراقب نفسه بعد توفيق الله، أما الذي رباه أهله على الخوض فيما يريد والوسط الذي عاش فيه لا يتخذ مخافة الله رقيباً فإنه يستمر في ضياعه، وقد يلوم أهله فيما بعد - إن تنبه ووعي - ويعتب على من حوله لماذا لم يمدوا له يد العون، لماذا يتركونه في خسة المهانة وهم ينعمون بالكرامة.

يا أخي الكريم لسنا في موضوع الأقوال في مركب واحد بل نحن في مراكب متجاورة، يغرق الواحد والاثنان، وينجو الثلاثة والأربعة فلتكن مع الذين ينجون بتوفيق الله ورحمته، راقب نفسه أثناء الكلام واعرف أن للكون هذا مدبراً وحسيباً ولأقوالك صغيرها وكبيرها رقيباً، يعرف ما وراءها من نية في الصدر قد نويت وقصدت، يمكن أن تخدع كل من حولك إلا هو، فلا تغيب عنه غائبة، ولا يضل ربي ولا ينسى، واعرف أن ما تزرعه تحصده وما تحصده تجمعه وما تجمعه تجده أمامك بالتمام والكمال كما وضعته في الوعاء لا ينقص منه حبة خردل ولا يزيد، وما يسرك أن تراه فأكثر منه وما يسوؤك فاحذر أن تضعه في الوعاء، وما سقط سهواً أو خطأً فهو مغفور وما تعمدت وجوده فاستغفر ولا تعد له مرة أخرى، وما تضرر منه الآخرون فاعتذر منهم بكل عذر والحق النفس قبل أن تغيب الشمس ويقال فلان قد غاب معها عن الأفعال وبقي ينتظر الحساب.

ويتعجب الكثيرون أفي ما نقول من أقوال كثيرة مزالق خطيرة ولو كانت أقوالاً نتجمل بها في المجالس وأخباراً يقولها الجميع ويقذف بها كل لسان؟

نحن نسمع الأقاويل من هنا ونقذف بها من هنا كالكرة في الملعب تتقاذفها الأقدام ويصفق لها الجمهور، والجميع سائرون على هذا النهج منذ أن نشأنا، حتى أصبح لها لذة تعودنا عليها، فكيف نتخلص مما تعودنا عليه زمناً طويلاً، وما هو البديل الذي يمكن أن يكون؟

ليس كل شيء له بديل، بل كثير من الأشياء ليس بديلاً فالضار يجب التخلص منه دون بديل عنه، مثل السموم ليس بالضرورة أن نوجد لها بديلاً لنتخلص منها بل نتركها مخافة أن تقتلنا، وليس لانكشاف السوءة بديلاً نكشفه إن سترناها، بل نسترها ونستر غيرها لأنها عيب وعار، وليس لترك الاعتداء على الآخرين بديلاً نعتدي به بل نترك الاعتداء كلياً لأننا لا نحب أن يعتدي علينا أحد، وليس للقبح بديلاً، بل نترك القبح في كل الأمور قولاً وعملاً ونية أيضاً فيكون جوهرنا نظيفاً والنظافة في الجوهر تنعكس على المظهر وتلذ النفس بكل شيء بعد ذلك، فهل نستجيب، وهل نتدرب على حسن الأقوال وترك الناس وأعراضهم والخوض فيها في الحال ونرجو الثواب من الله العزيز المتعال؟ نعم لنبدأ بالمراقبة والله يعيننا من الآن.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية