بحث



الجمعه 18 جمادى الآخرة 1427هـ - 14 يوليو 2006م - العدد 13899

عودة الى تاريخ وحضارة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


من أوقاف المياه في بلدة أشيقر قديما

عبدالله بن بسام البسيمي
    لا يخفى أن الاهتمام بجزئيات تاريخنا القديم أمر مطلوب. ليكون سجلاَ تطلع عليه الأجيال على مدى التاريخ، ولندرك بذلك مدى المعاناة التي لحقت بأولئك الرجال فكانوا في تحملها أشد صلابة من الجبال الراسيات. وموضوعنا الذي سنتحدث عنه جزء من حضارة سابقة لا يمكن إغفاله وهو لا يخص بلدة أشيقر وحدها فحسب بل هو عام لجميع بلدان منطقة نجد وغيرها، إلا أن الكلام عن هذه المنطقة فيما يتعلق بموضوع المياه أمر ينبغي أن يفهم على ضوء محدودية الموارد المائية في المنطقة ولا يمكن أن يقارن بغيره من الأماكن التي يتوفر فيها الماء بكثرة من أنهار أو عيون أو غيرهما مما يوفر على سكان تلك الأماكن كثيرا من الجهد والعناء. وموضوع المياه في نجد موضوع مهم جدا في القديم، وهو أهم وأخطر في هذا العصر، إذ تتعرض موارد المياه لاستنزاف دائم ولا يوجد ما يعوضه فجفت مياه العيون وغارت مياه الآبار إضافة إلى شح مياه الأمطار فظهرت بوادر أزمات بسبب ذلك. وقد عالج الأولون بفطنتهم كثيرا من هذه المشاكل فأنشأوا بعض السدود وجعلوا جزءا من مياه السيول المنحدرة من الأودية تدلف إلى باطن الأرض عن طريق بعض الآبار المخصصة لذلك من أجل رفع مخزون المياه السطحية، وحددوا أيضا أوقات السقي حتى يقل استنزاف المياه، إلى غير ذلك من سبل المعالجة التي كانت في حدود إمكاناتهم. وذلك كله من أجل توفير مياه الشرب أولا ثم مياه سقي البساتين.

أما فيما يتعلق بمياه الشرب فقد أوقفوا أوقافا متنوعة منها وقف الآبار والدلاء(1) والقرب التي تعلق في المساجد وبعض الساباطات - الطرق المسقوفة - ، ومستلزمات ذلك، حتى البهائم لم يهملوها من ذلك، فأوقفوا لها ما يخصها في هذا المجال إذ أوقفوا المشارب وهي الأحواض التي تكون دائما مملوءة بالماء.

ونذكر هنا بشيء من التفصيل ما يتعلق بوقف الدلاء وتنظيماتها في بلدة أشيقر قديما إذ هذا النوع يعتبر من أهم الأوقاف المتعلقة بالمياه، وأوقافه كثيرة جدا، بعضها مذكور في مخطوط (ديوان ضبط أوقاف أشيقر: 22، 23) ومما جاء فيه: (بيان الدلي: دلو القاضي ووقفها في بستانها الذي شمال عنها وليس لأحد عليه دعوى في مغارس ولا غيره. ودلو الفيلقية في بستانها الذي مطلع الشمس عنها وهو وقف البجادي وابن عقيل يدعي بمغارسة أربع نخلات فيها. ودلو الشمال في وقف مسند بن إبراهيم في الجفرة الشمالية. ودلو صبيح في حيطانة قادمة على العصامية. ودلو الجميعية منها خمس وأربعون وزنة قادمة في أرض العطيرزيات والباقي قادم أرض الدعيجي وأرض الصقاري هؤلاء الخمس المذكورات قائمات الدهر. وأما دلو آل بو رباع أو آل بو غرا على الربيعية فهي كلما وقفت الركية في أيام سيل أو وقفة الصيف أوخلفة الدور فهي تركب. وكذلك وقف دلو الشباني على الربيعية ما حصل من ريعه ركبت به ولو نصف السنة. ودلو آل بو رباع أيضا في المديبغة تعلق على الربيعية. وأيضا دلو المتاريك في قبيصان تعلق على الوسطى(2) ودلو أبا نصيه تعلق على الفريج في البدي في الجفر. ودلو آل عزام في ملكهم على العصامية. ودلو حمد القاضي في حوطة حمد على العصامية. ودلو بسام في المراح على المقيشعية. ودلو حويط عبدالله على المجاشعية، ودلو الحضيرة على المسورية) وهناك أوقاف أخرى للدلاء لم تذكر في الديوان ولكنها مذكورة في وثائق أخرى متفرقة وسبب عدم ذكرها في الديوان أنها لم توقف أو لم يعثر عليها إلا بعد أن تم جمعه والانتهاء من كتابته. والأوقاف المذكورة يصرف من ريعها فيما يضمن استمرار تركيب الدلو لسقيا الناس وكذلك أجرة من يتابع تركيبه بكل ما يلزمه. والآبار التي تركب عليها الدلاء في أشيقر لسد حاجة سكان القرية من مياه الشرب يبلغ عددها إحدى عشرة بئرا. وتنقسم هذه الآبار فيما يتعلق بتركيب الدلاء عليها إلى ثلاثة أقسام هي:

أ) آبار تركب عليها دلاء دائمة طوال العام سواء في فصل الصيف أو في فصل الشتاء، وعدد هذه الآبار أربعة هي: آبار المساقي المعروفة(3) وهي بئر مسقاة القاضي التي تقع بجانب المسجد الجامع، وبئر مسقاة مسجد الفيلقية، وبئر مسقاة مسجد سوق الشمال، وبئر مسقاة مسجد الحويطة وهي متأخرة نسبيا عن الآبار الثلاثة الأول.

ب) آبار تركب عليها دلاء مؤقتة فقط في وقت محدد من العام وذلك في فصل الصيف والبعض يسميه القيظ وبعض العامة تسميه وقفة الخارة(4) حيث تزداد حاجة الأهالي للماء بسبب اشتداد الحر. فتوضع أربعة دلاء على أربعة آبار إضافية لتكون مساندة للآبار التي عليها دلاء دائمة وهذه الآبار هي: بئر الجفر، وبئر المديبغة، وبئر المسورية، وبئر المجاشعية بواقع دلو واحد على كل بئر وأما في فصل الشتاء فلا يوجد على هذه الآبار دلاء.

(ج) آبار تركب عليها دلاء دائمة ومؤقتة وهي ثلاثة آبار: بئر الربيعية، وبئر العصامية، وبئر الجميعية. وذلك لاشتداد الحر وازدياد حاجة الأهالي للماء وبعد انتهاء فصل الصيف تتم إزالة الدلاء المؤقتة وتبقى على هذه الآبار الدلاء الدائمة فقط.

وليعلم أن هذه الآبار التي تركب عليها الدلاء الموقوفة لا تمثل سوى بعض آبار البلدة التي يبلغ عدد آبارها سبعين بئرا تقريبا. ويرجع السبب في اختيار الآبار المذكورة لتركيب الدلاء إلى أنها عذبة الماء ولأنها تقع في وسط الأحياء السكنية أو قريبة منها. وتجدر الإشارة إلى أن الآبار - الإحدى عشرة - التي تركب عليها الدلاء ليست كلها مخصصة لشرب الناس فقط بمعنى أنه لا يشاركهم فيها أحد بل أكثرها آبار مشاعة يستغل ماءها الفلاحون في سقيا بساتينهم ويستثنى من ذلك آبار المساقي التي تقع بجانب المساجد فهي موقوفة وماؤها مخصص لسقيا الناس فقط والآبار المذكورة كافية لإمداد أهالي البلدة بما يحتاجونه من ماء لأغراضهم المختلفة علما أن بعض الآبار التي تقع خارج سور البلدة مسبلة لسقيا سكان البوادي ومواشيهم إذ من عادتهم أن يقيموا بجانب هذه الآبار في وقت الصيف لاستغلال مائها وليكونوا على مقربة من البلدة من أجل معاملاتهم التجارية مع أهلها. وأشير كذلك إلى أنه توجد دلاء أخرى غير التي ذكرناها يضعها بعض المحسنين من أهالي البلدة وذلك في أوقات الحاجة الماسة لها فقط وهي قليلة جدا ولا يوجد لها أوقاف تضمن استمرارها كما أنه لا يوجد لها متعهد يقوم بمتابعتها سوى من وضعها أو غيره ممن يقوم باستعمالها ولذلك لا يمكن الاعتماد بشكل رئيس على مثل هذا النوع من الدلاء.

هذا النظام في تحديد أوقات تركيب الدلاء واختيار نوعية الآبار نظام قديم سارت عليه الأجيال جيلا بعد جيل، وكلما زاد عدد سكان البلدة زيد في عدد الآبار والدلاء وهكذا. علما أن أقدم وقف معروف خاص بالدلاء هو في وقف صبيح سنة 747ه ضمن أوقافه العامة. وقد انتهى الاعتماد على الدلاء المخصصة لسقيا الناس في أشيقر تدريجيا منذ سنة 1369ه حيث ركبت مكائن آلية على بعض آبار البلدة لغرض سقي البساتين، وانتهى الاعتماد على الدلاء تماما في سنة 1381ه بعدما جفت آبار البلدة وتم إنشاء خزان للمياه ومدت شبكة أنابيب لإمداد المنازل بالماء.

أما طريقة اختيار المسؤولين عن إغلاق(5) الدلاء فإن ذلك يتم عن طريق طرح مناقصة في أيام الجمع بعد صلاة الجمعة مباشرة وذلك في سوق البلدة التجاري وهو مكتظ بالناس، فمن يرغب في أن يكون مسؤولا عن دلو من الدلاء ما عليه إلا أن يطلبه بكذا وزنة من التمر - ويحدد عدد الوزنات - فأيهم طلبه بأقل عدد منها - رست عليه - وكلف به وغالبا أن عدد الوزنات المطلوبة من التمر من قبل الأشخاص الذين يرشحون أنفسهم لإعلاق الدلاء فعن الدلو الذي يعلق طوال العام وتسميه العامة الدلو الذي يبتل تصل القيمة المطلوبة عليه عند طرح المناقصة إلى تسعين ومائة وزنة من التمر تقريبا قد تزيد وقد تنقص عن ذلك قليلا. أما الدلو الذي يعلق في فترة معينة من السنة وهي فترة اشتداد الحر ومدتها أربعون يوما فإن القيمة المطلوبة على إعلاق هذا الدلو تصل عند طرح المناقصة إلى أربعين وزنة من التمر تقريبا قد تزيد وقد تنقص عن ذلك قليلا.. وتطرح المناقصة على الدلاء من قبل الفلاحين الذين توجد في بساتينهم الأوقاف الخاصة بالدلاء لأنهم هم وكلاء أوقاف الدلاء وهم الذين سيقومون بدفع ثمرة هذا الوقف إلى المسؤولين عن تعليقها. وقد تطرح المناقصة في بعض الأحيان بأمر من أمير البلدة إذ يوجد تعاون منه مع الفلاحين حيث يأمر احد رجاله بالمناداة بذلك وأي شخص يرغب في أن يكون مسؤولا عن متابعة دلو من الدلاء أو أكثر فما عليه إلا أن يطلبه بعدد أقل من غيره من وزنات التمر كما مر آنفا، ويضرب في هذا مثل عند الناس فيقال: (حراج دلي) وذلك للسلعة التي تطلب بأقل من قيمتها الأصلية، مما يدل على أن المسؤولين عن الدلاء يتولونها من باب الاحتساب. وتطرح مناقصة كل دلو مستقلة عن الدلاء الأخرى، وقد يكون واحد مسؤولا عن عدد من الدلاء في آن واحد، وقد يستمر مسؤولا عنها لعدة سنوات وقد لا يمكث سوى سنة واحدة فقط فيولى غيره عليها. وهذه الطريقة في اختيار من يتولى شؤون الدلاء وتعدد المسؤولين عن ذلك جعل العمل منظما ودقيقا وسهل متابعة كل دلو على حدة. وهذا في حد ذاته رد على كثير ممن يظنون أن أعمال الناس قديما ارتجالية أو أنها خالية من التنظيم وتحديد المسؤولية. ولأنه لا توجد سجلات تحفظ أسماء من تولى الإشراف على الدلاء فلا يمكن إحصاؤهم أو معرفتهم سوى من ورد اسمه في إحدى الوثائق عرضا أو من تولاها في الأزمان المتأخرة فبقي اسمه عالقا في الأذهان ولولا خشية الإطالة لأوردنا من نعرفه منهم رحمهم الله تعالى. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الهوامش:

(1) الدلو عبارة عن وعاء مصنوع من الجلد لغرض رفع الماء من البئر للشرب أما الذي يخرج به الماء من البئر لغرض سقي البساتين والمزروعات فيسمى غربا وهو يختلف عن الدلو.

(2) الدلو الذي كان يوضع على بئر الوسطى تم إلغاؤه تماما بعد أن انهدمت هذه البئر وردمت سنة 1306ه وتم صرف ريع الوقف الخاص بدلوها إلى بئر الجفر إذ هي أقرب بئر إليها.

(3) يلاحظ أن جميع الدلاء الموقوفة على آبار المساقي وهي أربعة كل مسقاة تقع بجانب مسجد - تقع أوقافها بجانبها مباشرة والغرض من ذلك أن يتجه الفائض من مياه المساقي إليها ومن هذه الأوقاف التي لم تذكر في الديوان البستان الموقوف على دلو مسقاة مسجد الحويطة.

(4) وقفة الخارة يقصد بها فترة ما بعد استواء (نضوج) الزرع والفلاحون يقولون: (ودع الزرع ) حيث تنتهي حاجته للماء، ومدتها أربعون يوما يتوقف خلالها نضح الماء من البئر فلا يسمع له صوت خرير وترسل السواني - وهي الدواب التي تستخدم في إخراج الماء من البئر - للمرعى ولا تعود إلا بعد كل خمسة أيام مرة واحدة فيصدرون عليها لسقي البرسيم ثم تخرج للمرعى مرة أخرى وهكذا حتى تمام الأربعين يوما.

(5) يلاحظ أن جميع الدلاء الموقوفة على آبار المساقي - وهي أربعة كل مسقاة تقع بجانب مسجد - تقع أوقافها بجانبها مباشرة والغرض من ذلك أن يتجه الفائض من مياه المساقي إليها ومن هذه الأوقاف التي لم تذكر في الديوان البستان الموقوف على دلو مسقاة مسجد الحويطة.

(*****)إعلاق الدلاء مصطلح قديم يقصد به تركيبها على البئر لتكون جاهزة للاستعمال. والمسؤول عن إعلاق الدلو يتابعه باستمرار في عمل كل ما يلزمه، ومن المهام التي يقوم بها: تركيب المحالة، وإذا انشق الدلو يقوم بعملية رقعه، وإذا تلف أبدله بغيره، وإذ اهترى الرشاء - وهو الحبل المربوط به الدلو - أو تقطع أبدله بغيره أيضا، وإذا سقط الدلو في البئر يخرجه بآلة تسمى العوقدة وهي الأخرى موقوفة - وهم كذلك يمنعون الفلاحين الذين لهم بساتين مجاورة للآبار التي توجد عليها الدلاء الموقوفة يمنعونهم من استغلال الدلاء في عملية سقي البساتين الخاصة بهم مهما كان حجمها حتى لوكان البستان صغيرا جدا والسبب في ذلك أمانتهم وشدة تحرجهم لأن الدلاء موقوفة على جهة معينة فلا يسمحون باستغلالها في غيرها. وتجدر الإشارة إلى أن الفلاحين لا يمنعون الناس من استغلال مائهم الذي استخرجوه من البئر في اللزا لسقيا بساتينهم سواء من الآبار التي توجد عليها الدلاء الموقوفة أو غيرها من آبار البلدة وسواء كان استغلال الناس لهذا الماء لغرض الشرب أو الغسيل أو أخذ شيء منه لأي غرض من أغراض الاستعمال.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى تاريخ وحضارة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى






صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية