جاءت قصة (مس الماء) ضمن إصدار بعنوان (بيدر النص) عن جماعة السرد في عسير وهذا الإصدار من إصدارات نادي أبها الأدبي، ولقد أحسن القائمون على جماعة السرد بتسمية الإصدار بعنوان (بيدر النص) فتحت مسمى وعنوان النص ما تحته وما يحويه من إشارات إلى نظرية الأجناس الأدبية وعدم ملاءمتها لوقتنا وعصرنا إذ لم يعد ممكناً فصل السرد عن الشعر في وقتنا وفي معظم إصداراتنا الإبداعية.
فالسمة المميزة للإبداع في حاضرنا تداخل الأجناس واندماجها وتشابكها واستحالة فصلها عن بعضها كما كان في السابق، وهذا المدخل هو ما دعا جماعة السرد في عسير إلى تسمية الإصدار بعنوان (بيدر النص) ليكون حاويا للتمرد على نظرية الأجناس الأدبية المتآكلة تحت وطأة الابداع المتوالي.
نعود للنص الذي بين أيدينا (مس الماء) لنورة الغامدي وهي كاتبة قصصية ذات إنتاج سابق فإصدارها الأول بعنوان (عفوا ما زلت أحلم) عام 1396ه والإصدار الثاني (تهواء) عام 1397ه ولها إصدار روائي بعنوان (وجهة البوصلة) عام 2002م، والنص (مس الماء) ما زال يسبح ويتوه مشرئباً نحو المجموعة الأولى، الإصدار الأول الذي بعنوان (عفواً ما زلت أحلم) فالنص متكئ على رؤية حلمية سعت الكاتبة إلى اقتناصها بلغة أقرب إلى خيال السوريالية.
فالرؤية والحلم يحكي فتاة تائهة وسط جبال وأودية تلاحق الدروب تلاحق السراب الهارب ذات قدمين حافيتين تغوصان في رمل محرق ثم تتوقف على تلة مرتفعة وتصرخ بصوت متقطع «أريد ماء» يتردد الصوت في الوهاد ولكنه يعود اليها كالاً ولكنها لا تمل «ماء ماء أريد ماء» تبحث عنه في كل السبل وبكل الطرق انها تحفر تحت ظل الشجرة وتظل تبحث حتى في جذور الشجر ولكن ولكن دون جدوى حتى الشجرة عطشى من جذورها ويستمر الدرب الطويل وتطول مساحات الألم وتستمر المعاناة وأخيرا ليس في الأرض خير ولكن لعل في السماء مطراً، ويأتي الفرج وإن كان ظهر بداية كسراب ولكنها تظل تلاحقه وتحاول الامساك به وتتوسع دائرة الملاحقة وفجأة تبعد الماء وبصوت واهن «.. ماء.. ماء..» وتشخص بصرها نحو السماء ويخونها صوتها وتشيح بوجهها عن الشبح شبح الموت المطارد لها الذي يهددها بالموت ولكنها لا تلقي بالاً لتهديده وتستمر تعب الماء وشفتاها تستعذبان مس الماء.
والقارئ لنص «مس الماء» لا شك أنه يتلمس أبعاد المنهج السوريالي ولعل ذلك يتضح من عنوان النص «مس الماء» فالماء يتذوق ويطعم ولا يمس ولعل في ذلك اشارة إلى منهجية النص باعتماده على مبدأ تراسل الحواس السوريالي القائم على تبادل الحواس لأنظمتها وعملها فالماء يمس بدلا من أن يتذوق ويطعم، فالنص قائم ومعتمد على رؤية سوريالية حلمية ويعتمد مسرح النص على بيئة مكانية محلية تتمثل في: الجبال، الأودية، السراب، الشجر الجاف، الرمل الحارق، الجذور العطشى، الصحراء، الرمال، شمس الظهيرة.. ولا شك أن مفردات النص ترتكز على مكونات المحلية بيئة الصحراء المعروفة عندنا نحن سكان الجزيرة العربية وهذا يحسب للنص من حيث اعتماده على الرؤية السوريالية ولكن في ذات الوقت لا يهمل البيئة المكانية المحلية «بيئة الصحراء العربية» فالنص كأنه يرتكز على قاعدتين الأولى المنهج السوريالي والأخرى توظيف البيئة المحلية.
ولغة النص تتأبى على المنهجية المحددة للجنس الأدبي وهي لغة أقرب إلى الشعرية منها إلى السرد ولغة الحوار اليومي.. «تلاحق السراب - أضاعت الدروب، أضاعت الظل، وأوراق الشجر الجافة تلاحقها، والسراب الباهت يركض أمامها، قدماها الحافيتان تغوصان في الرمال الحارة ذات التراب المتطاير أصبحت كحلا لتلك العينين.. صوتها الواهن في الهاد.. وعاد اليها.. وارتطم بقدميها، انثنت تحفر ظل شجرة.. نفضت يديها.. حتى جذور الشجر عطشى.. حلقها تفجر دماً.. شفتاها تصلبتا.. شبح من بعيد يركض خلفها.. تلاحق دائرة السراب الذي يركض أمامها.. تنغرز أصابعها في الرمل.. تلاحق دائرة السراب.. حاولت أن تتكلم لكن صوتها ضاع.. أحرقه العطش.. برودته تسري في جسدها.. تغافل الأعين التي ترمقها.. ترطب شفتيها المحترقتين.. عيناها تضمان الفضاء وشفتاها تستعذبان مس الماء..»
ولعل من سمات وملامح الشعرية المتمثلة «تلاحق السراب.. أضاعت الدروب فالسراب الذي يلاحق والدروب تضاع استخدام لغوي غير معتاد وقس عليها أضاعت الظل وكذلك أوراق الشجر الجافة تلاحقها باهتة ومن الاستخدام الشعري «والسراب يركض أمامها» فالسراب هنا يركض ويجري فيه تصوير شعري غير خاف مغاير ومنحرف عن الاستخدام المعتاد والمألوف في استخدامات اللغة وفي عموميات التعامل ونفعية الخطاب في الحياة العامة وكذلك استخدام «الدرب الطويل.. مساحات من ألم وعطش.. فيه تجسيم للمعاني المعنوية وتجسيدها كمجسمات الطريق له، فالألم والعطش له مساحة ذوات من طول وعرض وعمق وارتفاع - وكذلك شفتاها تصلبتا فيها تصوير بالماء الذي يتحول من حالة السيولة واللزوجة إلى التجمد والتصلب ولا شك ان هذا الاستخدام له علاقة بالعنوان «مس الماء»، ولعل هذا يقودنا الى العنوان للنص وحول مشروعية العنوان.
وحول تساؤل دائم، هل اختيار «مس الماء» اختيار تعسفي مجتزاً من النص أم هو اختيار اقتضته ضرورات إبداعية نصية بحتة؟
الواضح لي أنه اختيار تعسفي تحكمي عقلي بدليل اجتزائه من الجملة الأخيرة في النص «وعيناها تضمان.. وشفتاها تستعذبان مس الماء» فالعنوان بالتالي مجتزأ من هنا من جملة النص الأخيرة هذا اذا سايرنا القول الذي يرى ان عنوان النص ماهو الا اقتباس من جمل النص وبخاصة من بعض جمله المؤثرة وبالذات التي تأتي في خاتمة النص وذيله معللين ذلك ان الجمل الحساسة من النص هي التي تبقى في ذاكرة مبدعة وبالتالي تكون هذه مسيطرة حتى حينما يكتب العنوان فتفرض ذاتها كعنوان هذا ان صدق الزعم القائل ان العنوان هو آخر ما يكتبه كاتب ومبدع النص. وهذا ما تميل اليه هذه القراءة ولا يرى عكس ذلك كأن يكون العنوان هو أول ما سطرته كاتبة نص «مس الماء»، والأسباب المعللة لذلك سبق ذكرها ولا داعي لسردها ولعل العنوان «مس الماء» يقودنا إلى تساؤل مشروع آخر حول ماهية تفسير الماء كاستخدام نصي وما مدلوله في النص؟
ولا شك عندي كقارئ للنص ان الماء دال عام يتمدد..
في النص بكامله والماء هنا رمز للحياة أو لشيء آخر يراه قارئ آخر ربما تعدد القراءات والتأويلات وهذا حق مشروع لكل قارى إني عطشانة.. نظرت إلى الماء.. ومدت يدها.. حركته رجفة سرت في جسدها.. رغبة فوق احتمالها.. سأشرب.. عبأت يديها ورشت فمها.. ضربة عنيفة تناثر بعدها الماء على وجهها.. غمست يديها في الماء.. تعبئ يدها.. برودته تسري في جسدها.. تدلس قديمها في الماء.. تعبئ يدها.. ترطب شفتيها المحترقتين وتستلقي من جديد.. وعيناها تضمان الفضاء.. وشفتاها تستعذبان «مس الماء»، وتقودنا قراءة النص «مس الماء» إلى العنوان وحول مدى تغلغل وحضور العنوان ومفرداته واشتقاقاته في جسد النص ولا نفاجأ بضخامة حضور الماء وتغلغله فهو الماء دال عام ورمز سابح في خضم النص يتمدد في كل مقاطعة قدماها الحافيتان تغوصان والغوص من خواص الماء.. حتى جذور الشجر عطشى... ولا شك أن العطش مضاد للماء وقس عليه جملة مساحات من ألم وعطش وكذلك قدماها العاريتان تغوصان.. حلقها تفجر دما.. شفتاها تصلبتا.. تلمست لزوجة الدم فألفاظ الماء حاضرة «تفجر» والتفجر من خصائص الماء {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} والتصلب والصلابة سمة خاصية مائية وكذلك مفردة لزوجة وهي خاصية للسوائل.. الدم من فمها أكثر.. تقرب من حفرة الماء.. شمس الظهيرة حارة ترفع وجها نحو السماء.. مدة يدها حفية.. قطرة فقط فالدم من السوائل هذا فضلا عن كون أغلب الدم أصله ماء، وحفرة الماء مكمن ومجمع الماء والسماء هي في الغالب منشأ الماء {وفي السماء رزقكم وما توعدون} والماء ما هو الا قطرات مجتمعة مع بعضها ومن مفردات الماء ترادفا وتطابقا وتضادا.. اني عطشانة. سأشرب.. برودته تسري في جسدها.. فمست يدها في الماء.. ترفع يدها المبلولة، تمسح الدم المتجمد.. تجلس على حافة الحفرة.. تدلس قدميها في الماء.. ترطب شفتيها..
ولا يفوتني في هذه القراءة أن نلفت الى عدد مرات ورود الفاض الماء سواء كان الاستخدام تطابقا وترادفا أو تضادا وتقابلا أو حتى ما تحتويه مفردة الماء من ألفاظ وخواص ومميزات.
فالنص في عدد كلماته تقريبا مائتان وخمسون كلمة وقد ورد الماء ترادفا وتطابقا في عدد ثلاث وعشرين مفردة وفي استخدام مقابل ومضاده في عدد أربع وعشرين مفردة فلو قمنا بعملية حسابية وجمعنا مفردات الماء صراحة وترادفا ولفظا وعددها ثلاث وعشرون مع ما في قاموس الماء وعددها أربع وعشرون لأصبح العدد سبعا واربعين وبذلك يتبين لنا مدى تغلغل وحضور الماء وما في استخدامه وعدد ذلك سبع واربعون بينما النص في مجمله مائتان وخمسون كلمة بما في ذلك كل أنواع الكلمة «من اسم وحرف وفعل» فالنسبة للماء وما في قاموسه خمس النص كاملا فلو حذفنا حساب الحروف لربما ارتفعت النسبة لتصل ثلث النص كاملا.
ولا غضاضة من استخدام الإحصاء الدقيق في القراءات الحديثة وصولا إلى تأويل موضوعي بناء على النص وتحكيمه دون التهرب من مواجهة النص فقد ركزت القراءة على تأويل وتفسير واستنطاق النص ذاته وعلى أن النص كيان قائم بذاته ودون النظر حتى إلى مبدعه الذي انتهى بدوره بمجرد كتابته ليصبح ملكا مشاعا لقراءات متعددة وبوابة مشرعة لكل قراءة.