والدي الشيخ صالح بن محمد بن حمد العريض- رحمك الله تموت الكلمات في فمي وتختفي العبرات وتأسرني الأحزان فأردد قوله تعالى {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}، احتويتني بحبك وعنايتك وأغدقت علي عطفك وحنانك علمتني المكارم وربيتني على الفضائل وحببت إلى الالتزام بالدين والتمسك به.. ولو استعملت ما تجود به قريحتي من عبارات الترحم والدعاء وذكرك بالخير فلن أوفيك حقك.. فما أعظمك مفقوداً وأكرمك ملحوداً كنت تغمدك الله برحمته أمة في فرد ديناً وخلقاً ووفاءً وصدقاً وحسن معشر..
قال تعالى: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} اللهم لا راد لقضائك ولا معقب لحكمك جعلت الموت حقاً وحتماً على كل من خلقت حتى أشرف من وطئ على الارض قد شرب من كأسه وعانى نزعاته ولن يبقى على وجه البسيطة أحد إلا وسوف يتجرع مرارته وآلامه.
مصاب عظيم خيم على أركان بيتنا الكبير أحس به الصغير والكبير والله يقدر لنا ما يشاء كيف نحتمل هذا النبأ والفقيد والدنا أغلى من رأته أعيننا في الدنيا الذي غمرنا بفيض من مشاعر الحب والدعاء والله إنه ليحزننا أن لانراه في هذه الدنيا الفانية التي كان فيها لنا خير بلسم فجسده الطاهر لم نعد نراه وصوته الحنون افتقدناه ولكن هي حكمة الله وقضاؤه وقدره.
عاش في رحاب الدين أكثر من مشاغل الدنيا تفرغ للعبادة للقرب من الله حاجاً ومعتمراً وقائماً لليل تالياً لكتاب الله زائراً لمسجد رسوله صلى الله عليه وسلم رمزاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معنياً بالوعظ والإرشاد موصياً الجميع بالمحافظة على الصلاة وعدم تأخيرها ويحذر من الفتن ويطلب اختيار صحبة الاخيار.
نشأ محباً للعلم مشجعاً إليه كانت شخصيته ربانية منهجها القرآن والسنة راجح العقل قوي الحجة قوي الايمان بربه واسع الأفق صائب الرأي صاحب فراسة حكيماً في أقواله وأفعاله عادلاً بين أولاده.
طيب القلب طيب العشرة للكبير أخ ناصح وللصغير أب رحيم يستبشر الأطفال بقدومه يفرحون بلقائه ولاعجب في ذلك فهو من كان يعلمنا أن في الجنة باباً يدخله من يقوم بتفريح الصغار، لا تفارق الإبتسامة محياه والكرم من طبعه دون تكلف أو مجاملة فأبواب منزله مشرعة لاستقبال الضيوف ويجيب دعوة من يدعوه لأي مناسبة اجتماعية ولا يتأخر عن ذلك وإن بعدت المسافة إلا من عذر.
يفرح بلقاء أحبابه ومشاركتهم في أفراحهم ومشاطرتهم في أحزانهم باراً بوالديه في حياتهما وبعد مماتهما واصلاً لرحمه ينفق الكثير في وجوه الخير سراً وعلانية روحه مرحة لا تعرف إلا الحب وإدخال السرور على الآخرين ومحاولة اضفاء جو من الفرح والانبساط على أي مجلس يحضره يؤنسهم بحديثه الممتع وثقافته الواسعة لا يطوي صدره على ضغينة ولا يقبض يده عن معروف لهذا منحته هذه الصفات محبة الجميع جعل الله ذلك في ميزان حسناته.
كان آخر ما نطق به كلمة التوحيد بعد أن أدى صلاة الجمعة في المسجد المجاور لمنزله ثم دخل في غيبوبة مضاعفة مدة أربعة أيام إلى أن وافاه الأجل ليلة الثامن عشر من شهر جمادى الأولى، رحمك الله أبا عبدالله مت وذكرك لم يمت والذكر للإنسان عمر ثان ولئن غيبك الموت فإن خلقك ومناقبك الحميدة لم تزل وستبقى بإذن الله بين أهلك ومحبيك فكم من أيد ارتفعت إلى السماء تدعو لك بالمغفرة والرضوان ووجوه جاءت تعزي كأنها تقول لنا على رسلكم فلستم وحدكم من فجع بموته أو حزن لفقده وما رددته الألسن كان أعظم جعل الله ذلك من عاجل البشري فهم شهداء الله في أرضه وثناؤهم عليه رفعة له بإذن الله عند ربه، ونشكر كل من شاركنا في مصيبتنا ومن واسانا في فقيدنا لا أراهم الله مكروهاً.
أسأل الله العظيم أن يغفر لوالدي ويرفع درجته في المهديين ويفسح له في قبره وأن يبدله داراً خيراً من داره وأن يدخله الجنة ويعيذه من عذاب القبر وعذاب النار وأن لا يحرمنا أجره ولا يفتنا بعده.
اللهم اربط على قلوبنا وأجبر مصابنا وأجرنا في مصيبتنا «إنا لله وإنا إليه راجعون».