لم يكن حامد بن عقيل مخطئاً حين حكم على الرواية السعودية بالضعف، فهذا حظها ما دامت تتهادى بين (الحكواتية)، و(التعريفات المدرسية)؛ لكنه أخطأ حين انطلق في حكمه عليها من منطلق غير واضح، قوامه: (الاختراق)، و(الهدم).
ف (الاختراق) - مثلاً - كلمة تحيل على مفهوم بسيط عند البعض، وهي ايضاً مصطلح يحيل على دلالة عند آخرين، وهي فيما بعد تستعمل عند هذا وذاك بمعجمية خاصة، لا تتعالق مع هذا، او ذاك، ومن هنا يدخل نقدنا المحلي - عبر محاولة ابن عقيل ان هو امعن فيها - مرحلة جديدة يمكن ان نطلق عليها: (مرحلة المنهجية المرتبكة)، وهي مرحلة راقية بالقياس الى سابقتها - اعني الآنية - التي تسكن الطين، وتسلك المسافات القصار، فهي هائمة على وجهها في نقد ماله من أساس، تؤزه الانطباعية، وتركض به (اللغة الشارحة) في أزقة يحكمها التناغم، والمجاملة، والايديولوجيا، وحيث ينتهي الزقاق يولد الحكم الرخيص ولادة غير شرعية، ليكون بينه وبين النص المنقود غرف التوقيف، وأزراد السلاسل.
لقد دخلت ممالك الرواية السعودية من خلال رسالتي التي تناولت فيها ما انجزته المرأة السعودية من رواية، وكانت مشكلتي الاولى في عدم وجود مناهج نقدية تطل من وراء مراجع البحث المحلية، بل لم اجد ناقداً سعودياً واحداً استطيع ان اتخذه قدوة لي في التطبيق المنهجي، فلقد ألفيت اكثرهم يأتون النص بلا شيء، ويكتفون بنقله، ثم شرحه، ثم الحكم عليه، هذا اذا لم يقعوا في خلط رهيب بين خصائص الموضوعات، وخصائص الفنيات كما في (فن القصة) للدكتور الحازمي، انها - اي المرحلة - عملية انطباعية بحتة، مجللة بالسواد، والبساطة، لكنها تخاتل القارئ حين تدهمه بلكنتها الغربية.
إن ما انتهى اليه الأستاذ حامد، لا يختلف كثيراً عن الشكل الآني - غير انه اسمى - فالقارئ يتلقاه كما لو كان انطباعاً سهلاً، وهو سيظل كذلك، لما لم يقدم الناقد بين يدي نقده الجريء ورقة نقدية تحدد لنا رؤيته للأدب، وللرواية على وجه أخص،ويشترط في تلك الورقة ان تكون محددة بحدود العلم المعروفة، وخاصة تلك المتعلقة بالمصطلح، وان تكون تطبيقاته آخذة شكلها الافقي الطبيعي: المنهج + المادة + الاجراء + الحكم.
لقد استهل ابن عقيل مقالته بقوله: «ان الاشكال الادبية تأخذ هيئة الفعل القائم على مبدأ (الاختراق)» وظل (الاختراق) غامضاً حتى منتهاها، على الرغم من كونه نقطة الانطلاق فيها، وفيما بين ابتداء مقالته بما يجب ان تكون عليه الرواية، وانتهائها بما هي عليه اليوم، كان (الهدم)، و(التجاوز)، و(المقاومة)، و(التجريب)، و(غير المتوقع).. إلخ. وبين هذه الكلمات من التقارب ما بينها؛ بحيث يمكن ان نصنع من الخيط الذي ينتظمها جسراً نعبر عليه الى رؤية الناقد، لكنها تعلقت بأكثر من متعلق فتبددت الشراكة وزالت، فالكاتب يشير مع (الاختراق) الى (الشكل)، ول (الشكل) دلالته المحددة، ثم لا يلبث ان يستدعي متعلقاً جديداً هو (التعبير)، ونلحظ هنا أن (الاختراق) بدأ حاداً متعلقاً بالشكل من حيث هو مجموع البنى، ثم انكسر وتعلق بالتعبير من حيث هو بنية، وهنا أول اشكال الخلل، فإن نحن اسندنا فعل (الاختراق) الذي نحيل عليه (الأدبية) الى الشكل، كان الكسر ضرورة لكسبها، وعليه يجب ان يكون لكل روائي شكل روائي خاص به، بل واكثر من شكل حين يتتابع انتاجه، وهذا ما لا يمكن قبوله؛ ذلك بأن العمل الأدبي نظام - وان تمظهر بالفوضى -، واختراق (الشكل) بهذا الشكل فوضى، ومتى استبدل الكاتب الفوضى بالنظام في صنعته كان خروجه من مملكة الأدب، واحسب ان الكاتب نفسه يشاركني هذا الرأي حين قال: «كل ما سبق لا ينفي وجود سمات عامة للرواية»؛ فوجود سمات عامة للرواية تنفي الاختراق المتعلق بالشكل، لكنها تسمح باختراقات أخرى دونه.
وفي المقابل: ان نحن اسندنا فعل (الاختراق) الى (التعبير) اخذ الاختراق مكانة في مجلس المصطلح، وصار دالاً على (الانزياح)، وقد استعمله (تودوروف) باسم (خرق السنن)، و(كوهن) باسم (الخرق)، واستعمله غيرهما بالاسم نفسه (انظر الى احمد ويس في الانزياح) وهنا نجد انفسنا امام نظرية قديمة متجددة، تحيل الادب على اللغة، وتشترط في هذه اللغة ان تخترق المقاييس، لكن الكاتب انقض سريعاً على هذا التشكيل حين قال: «يقوم على الهدم، واعادة البناء محاولاً اختراق سقف التعبير المنجز، وتجاوزه». فبناء على هذا النقل يمكن ان يحتمل الاختراق بعداً جديداً عند ابن عقيل يشف عنه ما عناه أدونيس ب (الانتهاك) في (الثابت والمتحول) حيث اختراق المحرم، وتدنيس المقدس، وزلزلة المسلمات، وهنا انتكاسة في مفهوم الفن، والجمال، وتطلع الى ايديولوجيا جديدة تحكم الادب، نربأ بابن عقيل ان ينتهجها.
ان الارتباك الآتي في مقالته، مظنة ارتباك الرؤية في ذهنيته، وهو ما انعكس بشكل او بآخر على الحكم النقدي الذي تجرأ عليه، بيد انه حكم لا يبعد كثيراً عن الصواب!!.
وبعيداً عن تلك المقالة، فإن الرواية فن ادبي، ومتى استعملناها على انها وسيلة لنقل الرؤى، انكمشت، وصارت كل شيء الا الأدب، والادب - في اسهل احالاته العربية - «كلام جميل»، ويزيد بعضهم عنصر التأثير؛ لكنهم لا يعتمدونه في تطبيقاتهم، لانهم لم يحددوا رؤيتهم للتأثير اولاً.
ان اشكالية نقدنا العربي - والسعودي تحديداً - تنطلق من فهمه الساذج لهذا التعريف، فهو مازال عاجزاً عن استبدال كلمة (كلام) بكلمة (لغة)؛ لانه لا يفرق حتى هذه اللحظة بين مدلول هذه، ومدلول تلك، انه مازال يتعامل مع (اللغة) كما لو كانت كلاماً، وليس بخاف على القارئ ما في الأخيرة من خصائص الشفهية، وما في عملية تلقيها من خصائص السماع، مما هو متناف مع الادبية، او الادبية الحديثة كما يحلو للبعض.
ولأن جمال (الجمال) في ان يظل غامضاً بلا تعريف، فإن تحديد هلاميته يمكن ان تكون من خلال تفعيل العنصر الثالث (التأثير)، وفي هذا العنصر بالتحديد، تكمن النقطة الفاصلة بين نقدنا، والنقد الغربي، ففي نقدنا يعلو النص بقدر تأثيره على القارئ، ولكن لهذا التأثير عندنا إشكالية تتجلى في انفتاحه، واستيعابه كل شيء خارج النص، وهذا ما مهدت له في البدء حين ذكرت: التناغم، والمجاملة، والايديولوجيا، فحين يصطدم ناقد ذو توجه إسلامي مثلاً، بنص خارج على ضوابط اتجاهه، تجده يسارع الى رده فنياً، مثلما فعل العشماوي مع (بنات الرياض)، وفي مقابل هذه الصورة يكون العكس، فكثير من النقاد يرفضون النص الإسلامي، مهما كان جميلاً، وتراهم يجتمعون من حول نص خافت فنياً من اجل بوحانيته الرخيصة، هاتان الفئتان سحقتا بذرة الابداع في حواضننا، وجعلتاها رميما. ولست ادري كيف تجترئان على الحديث بلسان النقد، وهما عاجزتان عن تبني منهج نقدي واضح، او النهوض بأي شكل من اشكال الاجراء، او على الاقل الانفكاك من أسر التأدلج، والتناغم.
اما في النقد الغربي فهناك فرق واضح بين (الكلام)، و(اللغة) في النص الادبي، وزيادة على ذلك نجدهم يحاصرون عنصر (الجمال) المتشظي بعنصر (التأثير) الضابط، فيكون التأثير عندهم منطلقاً من خصائص في صياغة النص، تثير في القارئ »انفعالات عاطفية، او احساسات جمالية» ولا يمكن ان يكون النص عندهم ادباً مالم يكن مؤثراً، وما لم يكن تأثيره ذا معطى نصي ايضاً. ودعونا نخرج قليلا - من اجل التمثيل - الى قصيدة غازي القصيبي (للشهداء)، فهي قد ملأت الرحب، وسارت بها القوافل، ولو ألقيت في محفل لرأيت الناس وقوفاً على رؤوس الاصابع، يقذفون بالمكاء والتصدية، تعبيراً عن حالة التأثير التي اعترتهم، والقصيدة حرية بذلك؛ لانها (كلام) وليست (لغة)، تقدمت الى الناس بأدنى مستويات اللغة (النطق)، فتلقاها الناس بأدنى مستويات التلقي (الاستماع)، وبقدر سهولة نطقها، كانت لذة الاستماع اليها، (هكذا اراد الشاعر لها ان تكون، وهكذا يريدها اكثر الناس) وهي - عندي - جميلة، ومؤثرة؛ لكن جمالها لم يكن نابعاً من النص، وانما من مكانة قائلها، ومن الظرف التاريخي الذي استوعبها، ومن جرأتها في الكشف، نقرأ:
تلثم الموت، وهي تضحك بشراً
ومن الموت يهرب الزعماء
حين يدعو الجهاد لا استفتاء
الفتاوى يوم الجهاد الدماء
واذن فهي ليست من الادب في شيء؛ لانها لم تكن لغة، ولم يكن جمالها، وتأثيرها نابعين من خصائص فنية داخل النص، وانما من اشياء كثيرة خارجية، وعلى هذا قس الكثير من قصائد (العشماوي)، و(الدبل)، و(ابن حسين)، وآخرين، وآخرين.
إذا أخذنا الادب بهذا الرؤية المحددة، مات كل شيء خارج النص، وصرنا قادرين على التفريق بين (الكاتب)، و(الاديب). (اشار محمد مندور الى تعامل النقد الغربي مع الادب، في: الأدب ومذاهبه).
ومن البدء أقر بأنني عدت خائباً بعد قراءتي لعدد كبير من روايات المرأة السعودية من خلال هذه الرؤية الجمالية، فأكثر هاتيك الروايات تتخذ الرواية وسيلة الى غاية ترومها، بعد ان رأت فيها لساناً وحيداً يمكن لها من خلاله ان تصرخ كما تشاء، انها - او هكذا نقدر - تنظر الى الرواية كما ينظر العالم الى الشعر، فهي تتخذ سيرورة الرواية، وفرديتها سبيلاً الى تصدير افكارها الى الآخرين، تماماً كما يتخذ الشاعر جريان الشعر، وسهولة حفظه، سبيلاً الى تعليم المتون، والمواعظ. اذن نحن بحاجة الى ان ينظر مبدعونا، ونقادنا الى اللغة نظرة مترفة، نظرة اكثر تحرراً، واكثر انضباطاً، والى ان ينظروا الى الرواية على انها فضاء ادبي واسع، لا يضيق بالقمرين معاً (الفن، والموضوع)، وكل هذا سيتضح حين نقسم لغة الرواية النسائية السعودية - من خلال هذه الرؤية - الى قسمين؛ وذلك من اجل ان نستبين سبيل (الادبية) فيها:
القسم الاول: اللغة النطقية: وهي ادنى مستويات اللغة، «تخرج تلقائياً مسايرة للعمليات العقلية، كما ان المستمع يستقبلها تلقائياً، بوصفها عملية توصيل مباشر للفكر»، واطلاق اللغة عليها، انما هو من باب التجوز، والا فهي كلام. (انظر الى: نبيلة سالم في نقد الرواية، ص 31).
ان الكتاب من خلال هذه اللغة تبقي على النص صفة (الشفهية) وان كان مكتوباً، كما تبقي على عملية التلقي صفة (الاستماع) وان كانت (قرائية)، بمعنى ان اللغة فيها - ومن ثم الرواية كلها - تأتي وسيلة الى غاية هي الايضاح، وهذا هو الشكل المسيطر على الروايات التقليدية، مدعوماً بنقد تقليدي ايضاً لا يحفل بغير العناصر التقليدية، والعلاقة بين الشخصية والشخصية، من اجل الكشف عن المغزى اولاً، واخيراً. (انظر الى: السابق، ص 27)
والروايات النسائية المكتوبة بهذه اللغة على نوعين:
النوع الأول: تمثله روايات موغلة في (النطقية)، فهي لا تتشقق، ولا تنساب، حتى كأنها لغة العلم، ان لم تكن هي، نجد ألفاظها دوالاً على مداليلها الاصلية، التي تسكن في المعاجم، او - على الأقل - تلك التي يتعامل بها المجتمع، نقرؤها في : (درة من الاحساء)، و(عيون على السماء)، و(انثى العنكبوت) وروايات أخر... وما من شك في ان الاخيرتين ارقى.
والنوع الثاني: تمثله روايات تعتمد هذه (النطقية)، لكنها لا تأخذها بحديتها، انها لا تبقي عليها، لكنها لا تبرحها، بمعنى انها لا تتعامل مع اللغة بمداليلها الاصلية، لكنها في المقابل لا تحمل لغتها شحنات دلالية تجعلها ترقى الى حيث لغة الصياغة، ذلك بأنها - وان انزاحت هنا، او هناك - لا تصلح لأن تكون اشارات، ورموزاً مناسبة تماماً للتجربة التي يود الكاتب ان ينقلها الى الناس. ومن امثلة هذا النوع: (هند والعسكر)، و(البحريات)، وروايات أخر...
فروايات هذا القسم بنوعيه تقدم للقارئ دلالات مباشرة، والقارئ يأخذ فيها دور المتلقي السلبي، الذي ينتهي دوره بالتقاط الرسالة الواضحة، لذا تكفي قراءة واحدة، للاحاطة بكل ما فيها، وتمتاز روايات النوع الثاني بتقديم لغة شعرية، لكنها جزئية، تظهر حيناً، وتغيب احياناً كثيرة، ومثل هذا المستوى (اللغة الشعرية) هو ما يدعو اليه عدد من المهتمين بشأن الرواية من مثل عبدالملك مرتاض. (انظر الى: في نظرية الرواية، ص 126).
نقرأ في مستهل رواية (هند والعسكر)، ص5:
- كان الشارع يحتفظ بندى المطر، واسفلته يلاعب ريشه الناعم الخفيف، ويستحم بعيداً عن لفح الشمس الساخنة في اول ايام الشتاء، صوت أمي يحث (مي) الصغيرة على الاسراع بالذهاب للمدرسة، صفقت اجنحة الطيور في السماء تنشر يقظتها في الصباح المبكر على اشجار الرصيف، حبات المطر الخفيف تتساقط هتاناً، اطلقت بوابة الفجر بغيماتها ترعى في حقل السماء الزرق، وتحيله الى بياض. تلحفت الشمس شرشف الغيم، واستراحت. يغور الغيم في الافق كبخار في آنية السماء، الغيمات الصغيرة تمرح مثل فقاعات صابون تتقافز، حين يهطل المطر في نواحي نجد العطشى يحتفل الناس به، تعتريهم حالة من جنون الفرح، فعادة المطر النجدي ان يكون رفيقاً، وخفيفاً، وشحيحاً.