بحث



الخميس 17 جمادى الآخرة 1427هـ - 13 يوليو 2006م - العدد 13898

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


شفرة دافنشي... مرة أخرى

ليونارد دافنشي
ليونارد دافنشي

د. عبداللّه إبرهيم
    قبل نحو سنة كتبت مقالة عن رواية «شفرة دافنشي» ل «دان براون» حاولت فيها أن أقدم تفسيراً ثقافياً لشهرتها، وأرجعت ذلك إلى أنها تضع التاريخ الكنسي للمسيحية موضع المساءلة، وإعادة النظر في المسلمات هو جزء من رهانات الحداثة، ثم رأيت الفيلم المعد عن الرواية خلال عرضه الأول في باريس خلال شهر مايو الماضي، ورأيته مرة ثانية حال عودتي إلى الدوحة في يوليو، والآن فقد انقسم الرأي العام بين داع لعرض الفيلم المقتبس عن الرواية، ويمثله عموم المجتمع الأدبي والفني والنخب العلمانية، وبين داع إلى حظره ومقاطعته، ومنع مشاهدته، وتمثله عموم السلطات الكنسية في العالم ، وقد يبدو الأمر عاديا لمن يتابع هذه الرواية التي قاربت مبيعاتها خمسين مليون نسخة في شتى اللغات، واصبحت ظاهرة ملفتة للنظر في كل مكان، إلى درجة انخرطت في صلب الحياة الاستهلاكية في الغرب، فحيثما تلتفت في باريس أو لندن، تجد عروضا لتذاكر القطارات وقد وضع عليها غلاف الرواية، وملصق الفيلم، فأنت تسافر بصحبتها، بل إنها وجدت لها مكانا بارزاً في الدعاية العالمية لكأس العالم لكرة القدم في المانيا، هذا ناهيك عما تجده من ملصقات في واجهات المكتبات، وزجاج الحافلات، وقطارات الأنفاق، وتقاطع الطرق، والميادين العامة، بل حتى في المتاحف، وصالات الفنون التي شرعت تعرض أعمال دافنشي مرة وتسلط عليها الضوء من جديد، وتصدر عنها كتب متخصصة تحلل رموزها ودلالاتها.

وفي لندن وجدت أنها أصبحت جزءا من كتيبات الالغاز الخاصة بالاطفال، وقرأت أن أكثر من مئة كتاب صدر لتنفيذ فرضياتها، وحيثما تدخل أية مكتبة كبيرة في باريس أو لندن أو أدنبره، أو حتى غلاسكو تجد الرواية والكتب المناهضة لها وقد عرضت معا في أماكن بارزة في مدخل تلك المكتبات، وفي كنيسة «سان سولبيس» في حي «السان جرمان» حيث تقع بعض أحداث الرواية، اشترطت الكنيسة دفع ثمن للموافقة على تصوير الفيلم فيها، واعلنت انها ستنفق المال في الدعاية المضادة للفيلم، وفي عمق الكتدرائية وضعت لوحة اعلانات كبيرة فيها كل المقالات المناهضة للفيلم والرواية، مع الاشارة ألا تؤخذ الرواية مأخذ الجد، فهي محض تخيلات سردية لا صلة لها بالحقيقة، فالمسيحية أعظم من أن يقوضها عمل أدبي خيالي، وكل هذا وغيره كثير جداً، يشكل ظاهرة أدبية جديرة بالاهتمام.

إذا افترضنا أن هذه الرواية الظاهرة هي جزء من رهانات فن الرواية التي تجتذب انتباه العالم بصورة متواصلة نكون واهمين، إذ تصدر يومياً عشرات الروايات في شتى أرجاء العالم، وكثير منها يعتمد تقنيات سردية مشوقة، لكنها سرعان ما تنطفئ، أو لا تثير اهتماماً يذكر، وإذا قلنا إنها لكاتب شهير، فذلك ليس بصحيح، فهذه الرواية هي التي جعلت مؤلفها على كل لسان، وهو في مقتبل عمره الأدبي، وليس له سوى روايتين قبلها لم تلفتا الاهتمام إلا بعد صدور «شفرة دافنشي» وإذا قلنا إنها اعتمدت تقنية الرواية البوليسية، فآلاف الروايات البوليسية منذ «أغاثا كريستي» إلى الآن اعتمدت هذه التقنية، فلا تنفرد هذه الرواية عن سواها من الروايات البوليسية، ونكون أيضاً على خطا إذا حسبنا هذه الرواية ظاهرة خاصة توافرت الصدف الإعلامية لجعلها في مثل هذه الشهرة النادرة، فقد ظهرت في ذروة أزمة عالمية شديدة الأهمية، صرفت الانتباه عن الأدب والفكر، وهي احتلال العراق، فأين إذن يكمن السر؟.

تستثمر هذه الرواية جملة من التصورات المتداولة بين العامة عن الدين المسيحي والتأويلات المتصلة به، وتقوم على نقض تلك التصورات بالتدرج، فهي تقدم بحثا في أساس العقيدة المسيحية، وكيفية كتابة الأناجيل، وماله علاقة بشخصية المسيح (الكرستولوجيا) وصلته بمريم المجدلية، والبعد الإنساني لشخصيته، وقد شكر المؤلف في مقدمة الرواية عددا من الباحثين المتخصصين في شؤون الدين والفن على جهودهم في توفير المعلومات الدقيقة التي ضمنها الرواية، وأكد «أن وصف كافة الأعمال الفنية والمعمارية والوثائق والطقوس السرية في هذه الرواية هو وصف دقيق وحقيقي»، وفيها معلومات استقاها المؤلف من مصادر تاريخية، وكثير منها معروف للمتخصصين في الدراسات المسيحية، وفي المحاكمة التي جرت له بتهمة سرقته محتويات كتاب «دم مقدس، وكأس مقدسة» اشار إلى أن زوجته المتخصصة بفنون القرون الوسطى وعصر النهضة هي التي اعدت المادة الفنية والتاريخية والدينية، فيما قام هو ببناء الهيكل السردي للرواية وحبكتها، وأدرج فيها تلك المادة بما في ذلك موضوع فك الشفرات، والتحولات التي تعرضت لها الاشارات والرموز عبر التاريخ.

نجد في الرواية مزجاً شديد الذكاء بين مادة تاريخية دينية اسطورية، وإطار سردي يعتمد أسلوب البحث المتقطع، والمتناوب، والسريع، فالرواية من روايات البحث والتحقيق، شأنها شأن رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو التي صدرت في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ولاقت شهرة مماثلة، فالروايتان تنهلان من المادة التاريخية حول المسيحية بطريقة البحث والتحقيق، وتهدفان إلى إزالة الشوائب الزائفة حولها، فيما يعتقد المؤلفان، وتقدم الرواية نقضا متتابعا للمسلمات التي ترسخت في الوعي العام عن شخصية المسيح، وأسرته، وعلاقته بالمرأة، ثم تكشف الاستراتيجية التي اتبعتها الكنيسة في إعادة انتاج المسيحية بما يوافق مصالح البابوات وكبار رجال الدين منذ القرن الميلادي الثالث إلى اليوم، وبذلك تهدم اليقينيات المتداولة في أذهان المؤمنين بالعقيدة المسيحية التي رسخها التفسير الكنسي للمسيحية، ووجهة النظر هذه مغايرة لوجهة نظر الكنيسة عن كل الظروف التي رافقت نشأة المسيحية، وبهذا فالرواية تثير السؤال الذي لا يخص المسيحية وحدها إنما كل الديانات: ما الحقيقي وما الزائف في المعلومات المتداولة بين المؤمنين في سائر الديانات عن أنبيائهم، ورسلهم، وظروف نشأتهم، وكتبهم، تلك المعلومات التي جعلها التعليم المدرسي المغلق، ومصالح رجال الدين، والسلطات السياسية، جزءا لا يتجزأ من الدين، فهل ما تتداوله الكنائس في العالم الآن هو حقائق موثوقة أم جملة أكاذيب روج لها لقطع المسيحية عن أصلها الأنثوي، وربطها بأصل أبوي زائف؟ أي الأصل الذي مثله المسيح بوصفه إنسانا ارتبط بالمرأة بعلاقة طبيعية، وقطعت الكنيسة صلته بذلك لتوقف نسبه، فيصبح أبا رمزيا لجميع المؤمنين بدون أبوة حقيقية.

تريد الرواية أن تقول بأن الديانات رموز، وصور، ومجازات، وأنه ينتصر تأويل ماللدين في عصر ما تبعا لقوة المؤولين وسيطرتهم على المجتمع، وبالنظر إلى أن الكنسية هي الوجه الديني لمؤسسة الدولة الرومانية القائمة على فكرة السلطة الهرمية الأبوية (وهو المفهوم المهيمن في الدولة الحديثة أيضا، في كل أركان الأرض) فإن تفسيرها المعبر عن مصالحها هو الذي ساد بين المسيحيين إلى اليوم، ولكي يعم هذا التفسير بين عموم المؤمنين، فلا بد من ممارسة قوة تلجأ إلى طمس أي رمز أو مجاز يمكن أن ينبثق للتذكير بالأصل الحقيقي للمسيحية، ثم قتل وتصفية كل من يتبنى تفسيرا مغايراً للتفسير الكنسي الشائع، ووصمه بالهرطقة والمروق عن الطريق الصحيح، تجعل الرواية من هذه المشكلة قضية بحث مستفيض عن الرموز الحقيقية المطورة في مكان سري، ثم النزاع الدموي بين جماعة تريد إعلان السر للعالم أجمع، وتمثلها «أخوية صهيون» وجماعة أخرى تريد طمسه إلى الأبد لقطع دابر الحقيقة المتوارية في مكان مجهول، وهي «أخوية أبوس داي».

هذه القضية الخلافية هي في الأساس محل اهتمام مئات الملايين في العالم، وفي ضوء المكاسب العلمانتية التي حققتها الحداثة في الغرب وسائر أرجاء العالم، فقد تدفق تيار الشكوك بالتاريخ الرسمي للمسيحية، وصار أي بحث يهدف إلى نقض التفاسير التقليدية محل اهتمام الجمهور، وبعبارة أخرى نشأ خلال القرنين الأخيرين وعي يريد أن يقطع العلاقة مع الكنسية بصورة نهائية، وهو وعي يتزايد بفعل الطابع المدني للحياة الحديثة، ولما يكرس كاتب هذه القضية في كتاب مشوق، فذلك يؤدي إلى انجذاب العامة والخاصة إليه لاستكشاف الحقيقة الملتبسة في أذهانهم، وبخاصة أن المعلومات المعروضة في النص تأتي على السنة كبار العلماء والمتخصصين في فك الرموز الدينية، وتحليل الشفرات الكامنة في الفنون والعمارة والشعر وغيرها.

على أن المؤلف استثمر حادثة شهيرة في تاريخ المسيحية ليجعل منها موضوعا للبحث، وهي «الكأس المقدسة San Grail» التي يعتقد على نطاق واسع أن المسيح شرب منها في العشاء الأخير قبل صلبه، واختفت منذ ذلك الوقت، والبحث جار من أجل العثور عليها، ومعها سر الدم الملكي للمسيح، وهي كأس تجسد رمزيا الأصل الأنثوي للمسيحية، وبالنظر إلى هيمنة التفسير الأبوي فلابد من تدمير الكأس، وعلى هذا نشأت جماعة تحتفظ بالكأس عبر القرون كيلا يطالها الضرر، وهي تنتظر الوقت المناسب لإظهارها، وبحلول الألفية الثالثة فالعالم يترقب أن يفرج أخيرا عن السر الحقيقي، فيما تريد الكنسية العثور على الكأس من أجل تدميرها، لإخفاء الدليل الذي يقود إلى الحقائق المنسية، هذه هي الخلفية الدينية، الثقافية للرواية، وهي خلفية تجتذب في وقت واحد خصوما وأنصارا، أما الأنصار فتؤكده الأعداد المليونية من القراء المتزايدين يوما بعد يوم، وأما الخصوم فيمثله أنصار التحريم الذي أصدرته الكنائس بحق الرواية، وحاربتها، واعتبرتها محض هرطقة لا تهدف إلا إلى تخريب العقيدة.

abdullah-ibrahim.com


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية