بحث



الخميس 17 جمادى الآخرة 1427هـ - 13 يوليو 2006م - العدد 13898

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


قضية التعريب وتساؤل إلى وزارة التعليم العالي

د. عبدالرحمن القعود
    وأعني بالتعريب تعريب التعليم الجامعي في كليات الطب والكليات العلمية في الجامعات العربية. وقد تناولت القضية في مناسبة علمية منذ عشر سنوات تقريباً، كما تناولها آخرون قبلي وبعدي. وظلت القضية هاجساً ملحاً لدى كل من يرى أهمية وجدوى أن تكون اللغة العربية هي لغة التعليم في هذه الكليات. ومن هؤلاء الذين حملوا القضية هاجساً ملحاً الأستاذ عبدالله القفاري، فقدكتب عنها مؤخراً مقالة من حلقتين في جريدة الرياض (العدد 13832 والعدد 13839) تحت عنوان (العلم يتكلم العربية.... لكن بشروط). وهي مقالة يستحق عليها الشكر والثناء، فقد أحيا القضية في أذهان الغافلين عنها، وتناولها بطريقة موضوعية متزنة، لكن المؤسف أنه على الرغم مما قيل وكتب من بحوث ومقالات، وما حرر من نداءات وتوصيات تدعو كلها إلى إحلال اللغة العربية محل الأجنبية - على الرغم من هذا كله لاتزال جل هذه الكليات تدرس طلابها بغير العربية(الإنجليزية أو الفرنسية) مما يشير إلى إصرار على هذه السياسة وعدم رغبة في التحول عنها، بل إن القضية ازدادت «التباساً» واكتسبت خطورة مع التوسع في هذه السياسة وظاهرة استحداث جامعات وكليات أهلية تدرس كل علومها، حتى وإن كانت علوماً إنسانية أو إدارية، بلغة أجنبية!!!.

ويبدو أن فكرة «قصور اللغة العربية» عن أن تنهض بهذا الحمل العلمي، هي الداعم أو الدافع الرئيس «المعلن» للتوجه نحو التدريس في الجامعات العربية بلغة أجنبية. وفكرة القصور هذه ترسخت أو رسخت (بضم الراء وكسر السين وتشديدها) بالتزامن مع عزل اللغة العربية عزلاً تاماً عن تدريس العلوم الحديثة التي فرض المستعمر دراستها في مصر بلغته كما تقول الدكتور عائشة عبدالرحمن «بنت الشاطئ» (رحمها الله)، ثم انتقلت الفكرة إلى بقية البلدان العربية.

أما الدافع الثاني (وهو حديث نسبياً) فهو تحجج المؤسسات التعليمية (الأهلية خاصة) التي تدرس علومها، حتى وإن كانت غير طبية أو علمية، باللغة الإنجليزية - تحججها بأن السوق يتطلب خريجين يجيدون اللغة الإنجليزية. وكلا هذين الدافعين أو السببين متهافت لايصمد أمام الحقائق والوقائع أو التجارب:

فيما يتعلق بالدافع أو السبب الأول (عجز اللغة العربية) فلو لم نملك لدحضه إلا كون منشئه (بفتح الميم) استعمارياً لكفى، ومع هذا لدينا ماهو، من الناحية المنطقية والعلمية، داحض قوي هو أن التجارب وعلم اللغة كليهما يوضحان أن الفكرة مزعومة من أساسها، والذين صدقوها هم إما عربي سليم النية يحسب أن التعليم باللغة الانجليزية أو الفرنسية هو الأسلم، وإما ضعيف في عربيته عاجز عن توظيفها واستعمالها في التعليم فهو يرمي عجزه وقصوره عليها، وإما مشكوك في طويته فهو لايريد للعربية ولاأمتها أن تنهض وتتقدم، وإلا كيف نرمي العربية بالعجز وقد مر بها تجربة نقل وترجمة المعارف والعلوم، في الرياضيات والطب والكيمياء وغيرها، في العصور القديمة وبخاصة أيام العباسيين فجازتها بنجاح؟! وكيف نرمي العربية بالقصور وقد استوعبت جهود العلماء والهيئات في تعريب كثير من العلوم الحديثة ومصطلحاتها، كما استوعبت مؤلفات أساتذة طب وكيمياء وفيزياء ورياضيات؟! وكيف تعجز العربية وهناك تجربة حية ناجحة للتدريس بها في الجامعات السورية؟! وكيف تقصر العربية وهناك لغات لاتفوقها (بل تفوقها العربية) نهضت بما أسندة أهلها إليها من تدريس الطب والعلوم بها، بل إن إحدى هذه اللغات كانت «ديناصورية» أو على وشك الاندثار لكن أهلها، بما يملكونه من خطط وسياسات بعيدة المدى، حزموا أمرهم فنفخوا فيها الروح فأفاقت وانتعشت وسادت في حياتهم المعيشية والثقافية والعلمية؟! إذن، لانحسب العجز والقصور إلا فينا نحن أهل اللغة العربية: عجز عن إدراك قيمتها ووظيفتها في وجودنا وقوة هذا الوجود، وعجز عن حبها وبناء علاقة متفاعلة معها، وعجز عن توظيفها وأدائنا السليم لها بسبب عدم تمكننا منها، فكأن الأمر هو كما يقول أحد علماء اللغة (ج . فندريس): «الواقع أننا لانعلم إطلاقاً لغة قد عجزت عن خدمة إنسان عنده فكرة يريد التعبير عنها. فلا ننصت، إذن، إلى أولئك المؤلفين العاجزين الذين يحملون لغاتهم مسؤولية النقص الذي في مؤلفاتهم لأنهم هم المسؤولون، على وجه العموم، عن هذا النقص. والعجز والقصور قبل هذا وبعده هو في همم الدول العربية وعزائهما، وإلا فلماذا لاتنشئ مركزاً للبحوث والترجمة على مستوى العالم العربي يتولى نقل وتعريب ما يستجد من علوم ومعارف وأفكار ومصطلحات، نقلها وترجمتها قبل أن يجف حبرها وإلا أسنت وشربنا من معرفة آسنة. ولينفق على هذا المركز بسخاء فعوائد الاستثمار فيه مضمونة وكبيرة وجوهرية لأنها تتعلق بثقافة الأمة وحضارتها بدلاً من الإنفاق على مشروعات اسمنتية دافعها ترفي أكثر منه خدمي أو دافع حاجة، أو مشروعات وصفقات مسوغها العمولة أولاً وربما أخيراً. وإذا كان العالم يتحدث اليوم عن «اقتصاد المعرفة» وضرورة بنائه بوصفه أحد عوامل التقدم والتحضر، فإن هذا المركز، إلى جانب مراكز الترجمة والبحوث في الجامعات إن أعطيت ما تستحقه من اهتمام وتطوير، سيمثل حجراً أساساً في بناء هذا الاقتصاد المعرفي، وإذا كانت الأمم لاتبني اقتصادياً مادياً قوياً بالهبات والمساعدات الخارجية وإنما من مواردها وإنتاجاتها الذاتية، فإن الأمة العربية لن تبني اقتصادها المعرفي إلا من لغتها وعلى لغتها وليس على لغات الآخرين، مع إدراك أهمية الانفتاح الثقافي والمعرفي والاستفادة مما لدى هؤلاء الآخرين ولكن دون الذوبان في حضارتهم ثقافة ولغة. وعلى هذا فإصرارنا على أن تكون اللغة الإنجليزية أو الفرنسية هي لغة التعليم الرئيسة في كليات الطب والعلوم، سيسهم في إبقائنا أمة مستهلكة للمعرفة في حين أن تعليمنا وتعلمنا بلغتنا سيسهم في تأهلينا لأن نكون أمة منتجة لهذه المعرفة إلى جانب استهلاكنا لها فلا أحد يكتفي بذاته في هذا الزمن، ثم إن انتاجها للمعرفة إسهام في أمننا الثقافي وتعزيز له.

أما فيما يتعلق بالدافع أو السبب الثاني ( حاجة السوق إلى من يجيدون اللغة الانجليزية) فنحن ندرك أن كثيراً من الأعمال تتطلب إجادة اللغة الانجليزية، وأن إجادة لغة أجنبية عالمية، وبخاصة الانجليزية، هو شيء مهم ومطلوب ونافذة أخرى على المعرفة إلى جانب اللغة الأم، لكن لانوافق عليه هو أن يتسبب هذا في إقصاء اللغة العربية وهجرها وعزلها وإغلاق أبواب الجامعات ونوافذها دونها حتى لايتسرب شيء من فصاحتها وجمالها ومنطقها إلى ألسنة الطلاب وأذواقهم وأذهانهم! إن بإمكان من يتحججون بحاجة السوق أن يخصصوا السنة الأولى في جامعتهم أو كليتهم لتعليم اللغة الانجليزية ثم يشرعون بعد هذا في التدريس باللغة العربية، أو أن يجعلوا اللغة الانجليزية مادة رئيسة في كل مراحل الدراسة الجامعية ومن متطلبات التخرج، ويبدأ التدريس باللغة العربية منذ السنة الأولى. وبهذا أو ذاك أو بهما معاً يضمنون لخريجيهم إجادة اللغة الانجليزية دون إقصاء اللغة العربية، ودون إساءة إلى أهلها بهذا الإقصاء. وهذا هو ما يمكن أن يعمل به أيضاً في كليات الطب والكليات العلمية. والهدف هو امتلاك طالب هذه الكليات لغة اجنبية تمكنه من التواصل بها ومن الرجوع إلى ما يحتاج إليه من مراجع لاتتيسر باللغة العربية.

بعد هذا نتساءل: لماذا الإصرار على تدريس الطب والعلوم في الجامعات والكليات العربية بلغة أجنبية؟! علينا أن نتوكل على الله ثم على عزائمنا وعربيتنا وأساتذتنا وشابنا ونخوض التجربة (وإن فرادى وبالتدرج) بعضنا يسند بعضنا، بعضنا يكمل بعضنا، بعضنا يضيء لبعضنا، خطؤنا يصنع صوابنا، فبهذه الطريقة تتكامل (لاأقول تكتمل) التجربة وتقوى وتثرو، وبخاصة أن المحور والقاسم المشترك في هذه الطريقة هو اللغة الأم فلا وسيط لغوياً سواها في عملية التعليم، لأن أي وسيط لغوي غير اللغة الأم، كما أثبتت الأبحاث النفسية والاجتماعية والتربوية، سيضيف عقبة فهم لغوية إلى جانب فهم المادة، ومن هنا ذهبت هذه الأبحاث إلى أنه«لا يجوز تدريس مطلق علم من العلوم بغير اللسان القومي، هذا كي لاتضاف عقبة فهم اللغة غير القومية إلى عقبة فهم المادة الفكرية» وربما لهذا السبب أوصت (فيما أعلم) منظمة الصحة العالمية بتدريس الطب وعلومه باللغة الأم، كما نبهت منظمة اليونسكو في إحدى توصياتها إلى أن العلاقة بين لغة التعليم واللغة الأم هي علاقة رئيسة تتحدد في علاقة الفهم والاستيعاب. فواضح أن المنظمتين العالميتين تدركان أن اللغة ليست أداة للكلام فحسب، وإنما هي أداة فكر كذلك. وواضح أنهما تدركان أيضاً أن افضل لغة يفكر بها الإنسان، وبخاصة إذا كان طالباً، هي لغته الأم، ومن هناك خرجت توصية كل منهما بأن تكون لغة التعليم في بلد ما هي لغته الأم. والمنظمتان مصيبتان فيما ذهبتا إليه إذ من المستحيل إتقان لغة أجنبية إلى حد التفكير بها عند هؤلاء الذين تعلموها ويتعلمون بها في المرحلة الجامعية فقط، لأنهم لم يتشربوها منذ الصغر ويكونوا من خلال هذا التشرب ما يسميه (تشومسكي) «الكفاية اللغوية» أي المملكة اللغوية التي يكتسبها الإنسان إبان نشأته، وهي الملكة التي تشبه البنية التحتية التي يقيم عليها مكتسباته اللغوية فيما بعد، وترشده في الوقت نفسه إلى تنظيم هذه المكتسبات وتهذيبها.. وهذه الملكة اللغوية عند الإنسان العربي هي ملكة اللغة العربية، ولهذا ليس التعليم بغير العربية خطأ في حق إحدى القيم العربية، فحسب، ونعني قيمة اللغة، وإنما هو خطأ في حق شبابنا لأن في ذلك إرباكاً لأذهانهم وتشويشاً عليها بسبب ما يدور فيها من صراع بين لغتين: لغة يمتلكون ملكتها وكفايتها ولكنهم محرومون من التعليم بها، ولغة لايمتلكون لها كفاية ولاملكة ولكنهم مجبرون على التعلم بها، والنتيجة بطء وخلل في التفكير.

فمرة أخرى، لماذا الإصرار على تدريس الطب والعلوم في جامعاتنا بلغة أجنبية وقد ثبتت العلاقة بين اللغة الأم والفهم والاستيعاب، وثبت أن أفضل لغة للتفكير هي اللغة الأم؟! تساؤل نوجهه إلى وزارات التعليم العالي في العالم العربي، وإلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وإلى وزارة التعليم العالي في بلدنا (المملكة العربية السعودية) وبخاصة بعد نشوء جامعات وكليات أهلية تدرس أو تزمع على أن تدرس حتى العلوم الإنسانية والإدارية باللغة الانجليزية. إن وزارة التعليم العالي هي الجهة المنوط بها أمور التعليم العالي الرسمي منه والأهلي، وهي (فيما اعلم) من يعطي تراخيص إنشاء المؤسسات التعليمية العالية. وتساؤلنا هو عن وجهة نظرها في الترخيص لكلية أو جامعة تستبدل باللغة العربية اللغة الانجليزية لتكون لغة التعليم الرئيسة والوحيدة فيها. وفي إطار هذا التساؤل نستدعي برنامج الابتعاث الواسع الذي تنفذه الوزارة ويشمل عدداً كبيراً من خريجي الثانوية وهم لم يتشبعوا بعد باللغة العربية، ولم يذهبوا في التفكير بها مثلما ذهب خريجو الجامعات. هؤلاء، بحكم أعمارهم وعدم تمكنهم من لغتهم الأم، من المرجح أن يعودوا وقد فعلت الغربة بعربيتهم مافعلت. ولهذا نناشد الوزارة أن تعي أن هناك مشكلة قادمة هي عودة هؤلاء الشباب بلغة عربية ضعيفة ركيكة ضحلة. والحل هو أن تخطط الوزارة، منذ الان، لعمل دورات إعادة تأهيل لغوي لهؤلاء يكون اجتيازها بنجاح شرطاً من شروط معادلة الشهادة، وإلاصاروا، إن لم تعمل لهم هذه الدورات، عبئاً بلغتهم العربية المرتبكة وبانحيازهم المتوقع إلى اللغة الانجليزية.

دعونا نوظف لغتنا ونستخدمها في التعليم إن أردتم من شبابنا إبداعاً وفكراً، ولكن قبل هذا انتشلوهم (ومدرسيهم) من وهدة الضعف اللغوي بكل الوسائل التعليمية والإعلانية. شربوهم، منذ الصغر، لغة عربية سليمة، فبعض من وجود الأمم وهويتها يأتي من لغاتها، وبعض من تقدمها تسهم به لغاتها مثلما أن تقدمها يسهم في تقدم لغاتها. فكوا عن العربية بعض أغلالها بالتعريب، أي بجعلها لغة البحث والتدريس في الجامعات والكليات فبذلك تعتصر طاقاتها وتتفتق أكمامها عن إبداعاتها العلمية والفكرية، وبهذا التعريب تسترد شيئاً مما فقدته من ثقتنا فيها. ثم إن التعريب يوسع نطاق التعامل مع اللغة السليمة المنطوقة في عشرات الكليات العلمية العربية وهي مواقع تستردها العربية من اللغة الأجنبية وتضاف إلى مواقعها في معركتها مع العامية. نعم، وليعم التعريب الشركات والمصارف والمستشفيات وجميع مظاهر حياتنا ومناشطها مما يمكن ويجب تعريبه ولو تدرجاً. وإذا تطلب الأمر اتخاذ قرار سياسي بانتهاج التعريب (كما يرى الأستاذ القفاري) فليكن، وليكن إلى جانبه قرار مجتمعي، فالمجتمع لايرضى بأن تهجر لغته الأم في التعليم إلى لغة أخرى وبخاصة إذا كان هذا الهجر يجر وراءه أخطاراً وسلبيات بعيدة المدى. ولهذا أدعو المهتمين بهذه القضية من مختصين وأطباء وأكاديميين إلى الإدلاء بآرائهم حولها لأهميتها وخطورتها معاً.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى






صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية