ينظر النقاد الفرنسيون إلى السفير اللبناني السابق لدى الاونسكو صلاح ستيتية كواحد من أكبر الشعراء الفرنسيين، أو الذين يكتبون باللغة الفرنسية في الوقت الراهن، ومن يزور مكتبات باريس يجد دواوينه في واجهات هذه المكتبات إلى جانب دواوين كبار شعراء فرنسا. ولكن صلاح ستيتية رغم اقراره بانه «شاعر فرنسي» من حيث اللغة، إلا أن اللغة وحدها لا تمنح الشعر برأيه فهناك أيضاً الجذور والعقل الباطني، وتاريخ الإنسان ومخيلته، وكلها عنده عربية واسلامية، فهو اذن شاعر فرنسي من اصول عربية جلب إلى لغة الفرنسيين ما هو غريب عنها وهذا ما اراده الفرنسيون ايضاً، أي أن يكون في شعرهم، شاعراً له نكهته الخاصة، ودمه الخاص، ان جاز التعبير.
ولكن صلاح ستيتية ليس مجرد شاعر، فهو أيضاً باحث ومفكر. له بالفرنسية كتابان الاول عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والثاني عن الإسلام حملا إلى الفرنسيين والغربيين، صورة دقيقة وامينه عن الإسلام ونبيه.
في هذا الحوار نستمع إلى جوانب من تجربة صلاح ستيتية في الشعر وفي الغرب على السواء، ما هو الشعر بنظره، إلى شعر كتبه، هل لدينا ترجمة ومترجمون ودور نشر وقراء، اما كيف احتفظ على الدوام بنضارة الشعر والشاعر، رغم انه تجاوز الآن السادسة والسبعين، فلأنه ظل في اعماقه طفلاً. الشاعر بنظره هو من يبقى في طهارة الطفولة، في نظافتها ويناعتها حتى وهو في سن متقدم. وهو اليوم يلعب بكلمات اللغة الفرنسية، تماماً كما كان يلعب بالرمل في طفولته على شاطئ بيروت.
السؤال الاول كان عن الشعر في حياته، وهل يعتبر نفسه «شاعراً فرنسياً» أم شاعراً عربياً؟..
وكان جوابه:
- الشاعر مرتبط بلغة. واللغة هي من يحتوي الشعر. لذلك اعتبر نفسي شاعراً فرنسياً لأن لغتي فرنسية، ولكن الشعر ليس فقط لغة وانما هو ايضاً جذور وعقل باطني، وتاريخ للانسان، وتاريخ للمخيلة، كل هذه العناصر، غير اللغة هي عندي عربية وإسلامية، شئت أم أبيت، أنا ابن والدي محمود ستيتية وجدي اسمه عبدالقادر، كنت قبل ايام في ندوة حول شعر رامبو، وهو شاعر فرنسي عظيم من القرن الماضي، وأنا لي كتاب عن «رامبو» ذكرتني احدى المحاضرات بانه سبق لي ان القيت يوماً محاضرة تحدثت فيها عن الذي يمكن ان يأتي به صلاح ستيتية للغة الفرنسية. قلت يومها ان كنت سآتي للغة الفرنسية بمعان فرنسية، لن اكون قمت بشيء ولم آت بشيء. الفرنسيون لا يحتاجونني كفرنسي، هم يحتاجون إليّ كشاعر من اصول عربية يجلب إلى لغتهم ومخيلتهم ما هو غريب عنهما، هم يريدونني ان اكون صلاح ستيتية ابن محمود ابن عبدالقادر، بنكهتي الخاصة، وتاريخي الخاص، ومخيلتي الخاصة، بعقلي الباطني الخاص. وهذا ما جئت به إلى اللغة الفرنسية بدون وعي.
الدم لا يتحول إلى ماء، شعري هو دمي.. ودمي على صورته التي اعبر عنها في شعري. أتيت بدمي إلى اللغة الفرنسية، ولكن دمي ظل دمي، وهذا هو وضع الكُتاب المحترمين باللغة الفرنسية أو باللغة الانجليزية ممن هم من اصول عربية، لنأخذ مثلاً ادوار سعيد فهو كاتب كبير باللغة الانجليزية، ولكن كل كتاباته مرتبطة بتاريخه العربي، وبتاريخ امته، وبتاريخ المخيلة العربية التي تواجه المخيلة الغربية.
الأصل فيما يتعلق بالشعر، أو بالكاتب بصورة عامة، يضيع مراجعه بلغة الآخر، ولو اصبحت هذه اللغة لغته، لنأخذ مثلا روائياً، هو امين معلوف، لقد ابتدأ بالعالم المتوسط الإسلامي وفي يوم من الايام اتى بكتاب روى فيه قصة لبنانية، بعد ذلك ترك امين القصة وبدأ يتحدث عن حياته في كتاب جديد له اسمه جذور، أو اصول وهذا ان دلّ على شيء فعلى انه كاتب اصيل..
الكاتب الذي يخيفني أنا هو الذي يأتي إلى لغة الآخر يسلم نفسه راضخاً لهذا الآخر، وثقافته وحضارته، كما لو انني اتيت بزجاجة ماء ماركة (صحة) أو ماركة (صنين) والقيت بها في نهر السين. فانا لا اضيف شيئاً المهم ان تأتي إلى (السين) ومعك (صحة) و(صنين) ومعك مخيلتك، ومعك جبلك وبلادك، وتراث العالم العربي.
في فترة سابقة طُلب مني ان اكتب كتاباً عن الرسول العربي صلى الله عليه وسلم، تخوفت في البداية لانني غير متخصص، بالابحاث والدراسات، فانا شاعر وكاتب نثري، ولكني اقدمت بعد تردد، إذ وجدت انني كعربي مسلم يعيش في اوروبا عليه واجب تعريف الغربيين بالإسلام، اتى إليّ يوماً ناشر فرنسي وقال لي: انت صلاح ستيتية عربي ومسلم لماذا لا تروي لنا سيرة الإسلام ورسوله تعاملت مع المسألة كموضوع وجودي، جوهري..
اعود واقول لك ان الكاتب يبقى هذا المسافر الدائم بين ماضيه وحاضره، وبين بلد الاصل وبلد الانطلاق. البلد هنا بالمعنى العام لا بالمعنى الجغرافي، أي بالمعنى الروحاني. بين بلد الأصل وبلد المصب.
أنا اعتبر ان كل كاتب، ولو كتب بلغته الاصلية، هو كاتب غريب عن اللغة، فاذا اراد ان يؤثر في الآخرين، فلابد ان يكتب لهم عن اشياء ترتبط بذاته، لا يكفي ان تكون اللغة لغتك ان لم تأتيها لكي تجعل منها شيئاً منك. بروست كاتب فرنسي وكتب باللغة الفرنسية، راسين كاتب فرنسي وكتب باللغة الفرنسية، وكذلك مونتيني. انما لغة هذا الاخير، ولغة راسين، ولغة بروست، داخل اللغة الفرنسية تختلف تماماً.
٭ اية علاقة تجدها بين الكاتب واللغة؟
- من الممكن ان نعتبر ان كل كاتب هو غريب عن اللغة، وان اللغة لا تكون خلاقة الا إذا تأقلمت أو امتزجت بروح الكاتب الذي يكتب من منطلق تلك اللغة. وبمعنى آخر، فان كلماتي هي كلمات صلاح ستيتية باللغة الفرنسية، وليس هناك من كاتب فرنسي في اللغة الفرنسية كلمات صلاح ستيتية.
إذن أنا في الوقت ذاته صلاح ستيتية اللبناني العربي المسلم البيروتي، وصلاح الكاتب والشاعر الناطق باللغة الفرنسية، والذي من منطلق اللغة الفرنسية يسعى إلى التحاور مع العالم.
وفي اعتقادي ان هذا الوضع الذي أتحدث عنه هو وضع الكاتب العربي أيضاً، ولو انه كتب باللغة العربية، تجده يأخذ اللغة العربية ويجعل منها لغته، في يوم ما قال ادونيس عن شاعر فرنسي ترجمه إلى العربية، هو سان جون برسن: «أدنست» سان جون برست.. (اي جعلته ادونيسياً). أنا أظن ان العبارة صحيحة بالنسبة لكل كاتب، سواء كتب بلغته أو بلغة الآخر، عليه أن يجعل من هذه اللغة لغته الخاصة.
٭ وهل ينطبق هذا على الكتاب القادمين من خارج اللغة التي يكتبون بها؟
- بالنسبة للكتاب القادمين من خارج اللغة التي يكتبون بها، وضعهم مختلف، فهم آتون من بعيد، وقد صحبوا عاطفة ومخيلة وكلمات ومشاهد ورؤى من شأنها ان تجدد اللغة الاخرى التي يكتبون بها. وهؤلاء الكتاب يستفيدون بدورهم من هذه اللغة الاجنبية التي يتعاطون معها، هم يستفيدون من الفضاء الفرنسي، الفضاء الفرنسي لكاتب من أصل عربي هو منطلق لحرية ضميره، في العالم العربي ثمة اخطار لا يستطيع الكاتب الغربي ان يعبر عنها بسبب رقابات مختلفة، قد تسأل فمن اجل ان تعبر بحرية عن رأيك، عليك أحياناً ان تخرج من فضاء العالم العربي ولا من اجل ان تتكلم عن العالم العربي.
ثم ان الفكر بحاجة إلى ان يتنفس، مثله مثل النبات على الاقل، والفكر لا يستطيع ان يتنفس الا بالحرية من اجل ان ينفتح، وان يزدهر ويثمر. الحرية قد لا يجدها الكاتب العربي في كل مكان من العالم العربي. ولكن هذا الكاتب العربي يجدها
في فضاءات أخرى.
ثم ان الكتاب العربي إذا أراد أن يقدم أحياناً أشياء ثمينة، معمقة، فقد لا يجد ناشراً يتعامل معه. الناشر العربي يهمه الرواج.. هو يخاطب جمهوراً قد لا يقبل إلا على الأشياء السهلة أو البسيطة.. الجمهور تهمه كتب معينة.. في اللغة الفرنسية الأمر مختلف.. الناشر لا يتوقف عند كتاب صعب أو غير عادي، فهو يطبعه ويروج هذا الكتاب.. والقارئ يقبل على هذا النوع من الكتب.. أنت تفتقد ذلك في العالم العربي مع الأسف.
في العالم العربي، وحسب إحصاءات الأونسكو ومنظمات أخرى تابعة للأمم المتحدة، القارئ العربي يقرأ ربع عمود في الجريدة.. القارئ إذن غير موجود.. والقارئ غير موجود أيضاً لأسباب اقتصادية.. القارئ العربي إذا كان مثقفاً، فليس لديه المال الكافي ليشتري ما يود شراءه من الكتب، وهو يقرأ ما يتمكن من قراءته.
وبكل صراحة يمكن القول ان الإنسان العربي استقال من الكتاب.. هو يُقبل على الغناء والطرب والموسيقى وما إلى ذلك وهذا ما يجعل من المفكر العربي في بلاده، إذا أراد أن يحيا فيها، مفكراً منفياً.. هناك كتّاب وبحّاثة عرب، لو خرجوا من العالم العربي إلى الخارج، لكانوا في مستوى الكتاب الكبار في العالم.. أحمد زويل لو بقي في مصر، لما سمع به أحد. ليس في مصر الإمكانات التي توفرت له في الغرب. في الغرب الآن مفكرون وبحاثة وحكام ووزراء ونواب من أصول لبنانية، أو عربية أخرى.
٭ كيف تنظر إلى حركة الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية؟
- أصبح العالم اليوم عالم تواصل دائماً. الترجمة باتت أمراً أساسياً في العالم.. لا يوجد مترجمون في العالم العربي.. في الغرب الأمر مختلف.. هناك مترجمون حقيقيون في فرنسا والمانيا وانكلترا وبقية دول الغرب.. وفي رأيي أن أهم أو أكثر من يخدم الثقافة العربية هم هؤلاء الكتاب الذين يعيشون خارج العالم العربي لكي يشهدوا على إمكانية العالم العربي في الفكر والإبداع والتواصل الحضاري والشهادة الحضارية العامة.
في الغرب اليوم كتّاب عرب يكتبون لا بالفرنسية أو بالانكليزية وحسب، وإنما أيضاً بالهولندية والنرويجية. أنا أعرف كاتباً عراقياً يعتبر في النرويج من أهم الكتاب الروائيين النرويجيين وهو عراقي الأصل.
٭ هناك بيت شعر قديم يقول:
سكتُ ففرّ أعدائي السكوتُ
وظنوني لأهلي قد نسيتُ..
يبدو أنكم ونفر آخر من الكتاب العرب بالأجنبية لم ينسوا تاريخهم وتراثهم.. كتب عبدالرحمن بدوي في آخر أيامه كتابين هاجم فيهما المستشرقين المغرضين المتحاملين على الإسلام.. وكتبت أنت كتابين أحدهما عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) والثاني عن الإسلام، في حين قد يظن البعض أنك نسيت تراثك واندمجت في حضارة الآخرين، أو أصبحت ملحقاً بهذه الحضارة، ولكنك مع عبدالرحمن بدوي، ومع سواه أيضاً، أثبتم أصالتكم..
- لم أستطع أن أجعل من دمي دماً آخر، هذا كل ما يمكنني قوله، لا أكثر ولا أقل..
ثم ان كثيرين من المفكرين والشعراء والأدباء الكبار، قدموا من هوامش العالم العربي أو الإسلامي إلى الحواضر الإسلامية.. خذ ابن سينا أو الفارابي فهذان العالمان الكبيران هما من أصول غير عربية ولكن دخولهما في إطار اللغة العربية جعلهما من الشهود الكبار على ثقافتنا العربية، وهذا ما نريد نحن أن نكونه: شهوداً على الوجود العربي وعلى الحضارة العربية الإسلامية.
٭ أين يكمن سر الشعر في نظرك؟
- أنا أظن أن الجواب هو في ذاك التواجد الدائم للطفولة في الرجل الشاعر بنظري هو من يبقى في طهارة الطفولة، وفي نظافتها ويناعتها حتى وهو في سن متقدم.. أنا ألعب اليوم بكلمات اللغة الفرنسية كما كنت العب في طفولتي بالرمل على حافة البحر.. آخذ اللغة وأبني فيها.. وبالايمان ذاته، والطهارة ذاتها، والعلم ذاته، دون أن أعتبر أنني اليوم في سن الخامسة والسبعين.
سر الإبداع الأدبي، وبصورة خاصة سر الإبداع الشعري، هو في تواجد الطفل في الكهل.
إنني أعتقد بأن الشعر، على عكس ما يقال عموماً هو الموضوع المثالي الذي يمكن أن تقال فيه الحقيقة بلغة الحقيقة وبهدف اختبار المكان الذي يحس فيه الشاعر بأنه حقاً في منزله. عودة اضطرارية إلى هولدرن الذي يعتبر الشعر مكاناً نسكنه على هذه الأرض.. ولهذا فإنه لن يكون للشعر في حالتي، أنا الباحث عن المعنى دور ثانوي على الإطلاق، دور تسلية أو ترفيه أو تزيين..
يبدو لي الشعر شفافية تتم حيث لا ينتظرها أحد، في مكان لم يعد فيه أحد ينتظرها. نافذة تفتح أخيراً، فسحة سماء تظهر من مكان غير مأمول.. والشعر الذي لا يأخذ في الاعتبار تلك التجربة الوجودية للصعوبة، وذلك البؤس الكامن في الوجود، هو في نظري شعر موصوم بالخطأ والكذب.
٭ هناك من يقتربون من الشعر، وآخرون يضيعون وقتهم في ذلك، دون أن يتوصلوا في النهاية إلى أن يكونوا شعراء. أرسطو يقول بأن كل إنسان فيلسوف، هل تعتقد أنت بأن كل إنسان شاعر؟
- أنا أعتبر أن كل طفل شاعر.. كل طفل مهيأ لأن يحمل إلى الشعر، وهو شاعر بالفعل.. الطفل شاعر، والمراهق شاعر، والحب شاعر، وكل المشاعر الكبرى التي تحركنا هي، مهما كان نوعها، مشاعر ذات توجه أدبي.. إنني أؤمن بقوة الترابط بين الشعر والحرية.. وكلما حُرم الإنسان من حريته، كان الشعر هو الضحية الأولى.. وانطلاقاً من ذلك فإن المجتمعات، وبصورة خاصة المجتمعات الصناعية الغربية التي يعنيها المردود المادي بالدرجة الأولى، لا تكف عن العمل على إخراج الطفل، والمراهق، من عالم الخيال الخلاق المحتقر في نظرها، إلى عالم الأشياء والربح المادي.. قليلون هم الناجحون في ذلك، وخاصة مع توفر الأدوات التي تتكاثر بحجة جعل الكون في خدمة الإنسان، فتنتهي بجعل الإنسان مستلباً.