ورد الطائف .. الذاكرة المطيرة
صباحاتنا في الرياض هي نفسها لا تتغير شمس ساطعة وسيارات وأسفلت .. كنت في ذلك الصباح أعد النخلات التي أمر بها وعند الإشارة أرمق بعض عذوق النخيل انظر إلى (الشمراخ) هل تكوّن وتشكل فنحن على أبواب (طباخ التمر) بعد أن رحلنا بعيداً عن سعد الذابح ففي الصيف طباخ التمر وفي الشتاء سعد الذابح وأثناء هذا الحوار الصباحي في فضاءات الرياض حوار النخلة والرصيف والشمس خرج من المذياع صوت (محمد عمر) ليقول : يا تراحيب المطر/ والطائف حالي /حبيبي يا عنب رمان حالي/ للحبايب يقطفونه/ والطائف أحلى حبيبي/.
وهنا بدون أن أشعر غرقت بذاكرة بعيدة إلى الطائف حيث كانت وكما رأيتها في طفولتي جبالاً نارية وجيمورفولوجيا ثائرة وصخوراً متوهجة وأودية أخدودية وشعاباً متعرجة وقرى متناثرة ورائحة الورد الطائفي و(البرشومي) التين الشوكي والعنب ووجوه أهل الطائف المسمرّة واللامعة بلون أحجار الردف والهدا والحوية لها انعكاس فسفوري ولمعان ذهب الأرض المخضب بسمرة جبال الدرع العربي ...
ما الذي أعادني إلى ذاكرة أواخر القرن الهجري الماضي حين لم يكن هناك طفرة اقتصادية ولا طفرة تنموية فقط جبال وقرى ومدينة لم تغير شكلها المعماري غارقة بالحجر والاسمنت والمعمار البسيط والشوارع الضيقة والشعاب تنعطف مع الأحياء السكنية وتتقاطع مع الأزقة الصغيرة .
البيئة سلطان قوي في دواخلنا وحتى لو ابتعدنا كثيراً وطويلاً تبقى البيئات جاذبة عاطفياً ونفسياً ومرات جسدياً تجرنا بجاذبية رقيقة وتجرجرنا بلطف وحنين ... الطائف قلب الدرع العربي الطائف حيث تكون الصخور القاعدية حيث توجد الصخور النارية الذهب والرخام، والأودية الشاهقة والقرى المعلقة والانحدارات العجيبة .. تبقى في قلوب أهلها وناسها جاذباً يشدك من الأكمام ومن أطراف الأصابع .
ورغم أنني عشت في طفولتي موزعاً بين بيئات الدرع العربي شرق الدرع حيث القطاع الرسوبي هناك على أطراف رمال نفود الثويرات والمظهور والدهناء في مدينتي بريدة، والرياض إلاّ أن الطائف التي تعرفت عليها باكراً وشممت رائحة وردها البلدي وتذوقت ماء المطر والعنب والرمان المتفتف والرجراج وتعرفت على لون الورد الذي أطال في وصفه الشعراء (الخدود الوردية) المأخوذ من ألوان رمان وورد الطائف ... ذاكرة بلون العشب ونبت الأرض يا تراحيب المطر .
كان علينا أن نعيد اكتشاف أنفسنا من جديد والإنسان يحتاج بين الحين والآخر أن يقرأ نفسه من بعيد ويعيش في دفاتر الذاكرة هناك في البعيد في أحياء الطائف المنزوية وفي جباله السمر ومنخفضات أوديته في عشب الأرض ورائحة الورد البلدي والناس في منحنيات القرى والأحجار المرصوفة والسحاب الذي لا يهدأ يمطر ويمر لكنه لا يغيب ... يحتاج الإنسان إلى ذاكرة تطري أحجار الدرع العربي وتحك ثم تحك حتى (تكشط) وتظهر المعدن ... الذاكرة تحتاجنا أن نداعبها بلطف ونتجاذب معها لأن في ذلك إمتاعاً ولذة غامرة تعيننا على تحمل ما ثقل من هموم الحياة وتنسينا الحزن العاصف الذي لا يفارقنا ...
هذه ليست دعوة للعودة إلى الذاكرة لكنها دعوه إلى التعرف وملامسة البيئة المنسية حيث صرنا لا رفيق لنا سوى المال والناس أما البيئة فقد أقصيناها فلا نرى صداقتها أو جمالياتها وهذا ظلم لنا ولأنفسنا .