الثلاثاء 15 جمادى الآخرة 1427هـ - 11 يوليو 2006م - العدد 13896

عطر وحبر

الابتعاث: لماذا يعود أبناؤنا مرضى؟

سحر الرملاوي

    لماذا يخاف الآباء والأمهات من إرسال أولادهم لإكمال تعليمهم في الخارج؟ في زحمة التسجيل والبحث المحموم عن موقع في كلية يأتي خيار ابتعاث الطالب في ذيل القائمة، ورغم ما تحمله فكرة الابتعاث من معان بهيجة للشباب أبسطها السفر والتعرف على عوالم أخرى وعادات وتقاليد مختلفة وطبائع تتفق مع طبائعنا قليلاً وتختلف كثيراً، إلا أنها أيضاً تحمل له ولأسرته من قبله إحساساً غامضاً بالخوف والحذر واعتقاد الشر المبيت في كل خطوة خارج البلاد.

وبالطبع فأنا لا أتحدث هنا عن معتادي السفر وإنما عن طلاب الأسر المتوسطة الذين عاشوا حياتهم بين جدران محيطهم، حيث بعض الألبسة النسائية منطقة محظورة وحيث إلقاء كلمة على الملأ يشكل أصعب امتحان ينبغي أن يواجهوه!

هؤلاء الشباب وهم كثر ما زالوا لم يكبروا بعد ما زالت أسرهم تتعامل معهم على أنهم الصغار الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم ولا التكيف مع معطيات أي مكان يختلف عن مكانهم، وهم تحديداً الذين يعودون من الخارج بعد أربعة شهور أو أقل وهم مصابون «بمتلازمة البعثات» وهو تعبير أقصد به أي مرض ناجم عن صدمة الغربة سواء أكان نفسياً أو جسدياً، فالسبب واحد والنتيحة واحدة «غير متكيف» البعض منهم يعتبر السفر فرصة لإطلاق كبته وإعطاء رعونته مداها فما أن تطأ قدماه أرض الغربة حتى يبحث بشكل محموم عن مظان المتعة وأماكن الترفيه غير البريئة ويوغل في اقتناص اللذة حتى يمرض، والبعض الآخر يعيش برهاب الغربة، يشعر بدونيته، ينطوي على الكلمات القليلة التي بالكاد تعلمها من لغتهم، يرى في كل اجنبي نموذجاً لا يقهر يذوب أمامه بشخصيته التي لم تعرف يوماً معنى التعزيز، يخاف من كل شيء، ويعتبر كل خطوة نحو الغير مخالفة شرعية، لذا سرعان ما يعود مريضاً نفسياً قد يسقط في الفجوة الكبيرة بين عالمه والعالم الذي توجه إليه.

طبعاً هناك شباب اثبت قدرته على تحقيق التوازن منذ البداية واستطاع أن يتجاوز صدمة الغربة الأولى وقفز فوق الهوة الكبيرة التي تفصل حياتنا عن حياة الآخر فنجح هناك وأثبت ذاته وفرض احترامه وعاد بالشهادة الكبيرة رافعاً رأسه.

ولست عن هؤلاء أتحدث وإنما عن الذين يعودون مرضى، ولا أعرف كيف أقولها.. لكنني سأقولها.. إنني أحمل مسؤولية ما حدث معهم لتربيتهم، لأولياء أمورهم الذين تعاملوا معهم كأنهم قشور لا كيان لها، أبعدوهم منذ البداية عن المسؤولية مهما كانت عادية، لم يشعروا بمضي الزمن عليهم وما زالوا يرونهم الصغار الذين يحتاجون إلى الحماية في كل موقف.. على هؤلاء أُلقي المسؤولية وانحو باللائمة، نحن في مجتمع محافظ جداً، لكنه انفتح رغماً عنه على العوالم التي لا تعرف المحافظة ولا تملك الغيرة ولابد من إعداد أولادنا لهذا القادم وإعدادهم أيضاً ليوم يسافرون فيه، وإعطائهم مساحة معقولة من الثقة يبنون عليها مستقبلهم، تحصينهم بالعقيدة الصحيحة السليمة التي لا تتشدد حين يكون التشدد رهاباً وإرهاباً ولا تلين حين يكون اللين مياعة وفساداً، والمدرسة أيضاً لا أنفي مهمتها الخطيرة في البناء والإعداد، ليس شرطاً إعدادهم للبعثات والسفر للخارج ولكن حتى للتعامل مع الداخل ومع الآخر الذي لن يكون والداً حريصاً أو أما حنوناً وإنما سيواجهون عالماً مختلفاً فيه الطيب وفيه القبيح وعليهم أن يكونوا أقوياء كفاية لمواجهتهم جميعاً دون أن ينحرفوا أو يضلوا أو يمرضوا..

sahar@alriyadh.com