د. صالح السلطان ٭
حكومة الولايات المتحدة المنحازة لإسرائيل من رأسها إلى أخمص قدميها، ترى في شن الحرب على الفلسطينيين، وعلى قطاع غزة بأنه يقع تحت حق الدفاع عن النفس.
من الجانب الفلسطيني هناك جوانب كثيرة للموضوع، هناك اغتصاب لأراض، وهناك احتلال، وهناك إذلال، وهناك سجناء ومنهم أطفال ونساء وشيوخ، وهناك محاصرة وتجويع، ... وهنا أتحدث عن الأولى. هل هو حقيقة دفاع عن النفس أم دفاع عن مصادرة واغتصاب للأراضي؟
من الممكن أن ينظر إليه على أنه دفاع عن النفس، لو كان ذلك الدفاع المزعوم مرتبطاً فقط بالأحداث التي سبقته على مدى قصير، دون أن يكون هناك ارتباط وعلاقة بالاحداث السابقة على مدى عقود. ولكن الأمر ليس كذلك قطعا، وهذا مربط الفرس كما يقال.
هناك صورتان:
* الحدود محددة، ومقرة دوليا بين الطرفين.
* الحدود غير محددة دوليا، والقوى العظمى منعت الجانب القوي من التأثير فيها لتحقيق مكاسب إلا عبر المفاوضات فقط.
في ظل تلك الصورتين قام فلسطينيون بالاعتداء على أجزاء من إسرائيل سواء بإرسال صواريخ بدائية أو بغيرها.
لو كانت أفعال الفلسطينيين وقعت في ظل احدى الصورتين، لتفهمنا دفاع أمريكا عن الهجوم الإسرائيلي على الفلسطينيين، وما وقع من إرهاب وتخريب. لكن الامر ليس كذلك كليا.
الأمم المتحدة وتحديدا مجلس الأمن قرر في قرار شهير إثر حرب 1967 أن المفاوضات هي سبيل الحل الوحيد. والقرار قرر أيضا أنه لا يجوز تغيير الأوضاع بصورة أحادية، بمعنى أنه لا يجوز وبصورة أحادية تغيير الاوضاع في الأراضي التي احتلت (ومؤكد أنه يدخل في ذلك القدس الشرقية) عام 1967 إلا بالمفاوضات، وهي الكلمة التي يكثر من تردادها ساسة الغرب منذ بدء الانتفاضة.
جرى إعادة التأكيد على مبدأ المفاوضات بعد فوز حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس النيابي الفلسطيني، حيث اجتمعت الرباعية، ووضعت شروطا على الفلسطينيين لاستمرار التعامل، واستمرار الصدقات، والرابط الجامع بين هذه الشروط نبذ ما أسموه بالعنف، والالتزام بمبدأ المفاوضات للوصول إلى حل.
فهمنا ما طلب من الفلسطينيين، لكن ماذا بشأن الجانب الأخر؟
على مدى نحو أربعين سنة حصلت خروقات كبيرة من إسرائيل للأراضي المحتلة عام 1967، مصدرها إما إدعاءات دينية وتاريخية أو مصالح اقتصادية أو استعمالها كوسيلة ضغط فيما بعد، وقد استعمل العنف والإرهاب مع الفلسطينيين لفرض وحماية الخروقات.
ماذا فعلت دول الرباعية وأمريكا بالاخص إزاء خروقات إسرائيل لقرارات مجلس الأمن واستعمالها للعنف لفرض تلك الخروقات؟ إما انتقادات منافقة على استحياء من البعض، وإما مجاهرة بالتأييد العملي لبعض الخروقات من بعض آخر.
إسرائيل هي تخرق القوانين الدولية علانية عبر بناء المستوطنات، وضم وتهويد للقدس الشرقية، ومصادرة عقارات للفلسطينيين تحت أعذار لا تطبق على اليهود، ... الخ، وبدون مفاوضات أو اعتبار للفلسطينيين، وقد حدث أن عارضوها قبل الانتفاضة، واستعمل معهم العنف لفرضها، أي استعمل معهم نفس الوسيلة التي انتقد الفلسطينيون على استعمالها فيما بعد. إسرائيل تمارسها على مدى عشرات السنين، وقد أثرت في نظرتهم لنتائج المفاوضات، فمثلا كان من نتائج ممارساتهم أن اعتبروا ما عرضه باراك في مفاوضاته مع عرفات إبان عهد الرئيس كلنتون اعتبروه سخيا. لو بقيت المناطق المحتلة على حالتها وقت احتلالها، لكان من البعيد أن يعتبر عرض باراك سخيا.
بل السياسة الأمريكية عملت ما هو أنكى، عبر مساندة خروقات إسرائيلية تحت مسمى الاعتراف بالأمر الواقع، وبما يساعد الإسرائيليين على الحصول على تنازلات في المفاوضات، بينما على الطرف الفلسطيني وهو الأضعف قوة الرضوخ واللجوء فقط إلى المفاوضات.
يحدث هذا رغم إيمان ومناداة تلك القوى بالعدل وحقوق الشعوب، وحقوق الإنسان، بغض النظر عن جنسه أو لونه أو دينه أو قيمه وحضارته وطريقته في الحياة، أو مدى إيمانه بالقيم التي يؤمن بها المنحازون.
طبعا هناك إدعاءات بحقوق تاريخية لليهود بررت بها إسرائيل خرقها للقوانين الدولية، ولكن الفلسطينيين والمسلمين لهم أيضا إدعاءات بحقوق تاريخية، لا تقل قوة عن حقوق أولئك، بل هي أسبق منها بالنسبة للفلسطينيين، كما أن عند الفلسطينيين والمسلمين حجة إضافية فتح باب استخدامها الرئيس بوش المسماة بمراعاة الأمر الواقع في تبرير بقاء المستوطنات الكبرى في الضفة، وهو أمر واقع لم يتطور تلقائيا بل فرضته القوة، وعلى هذا فللفلسطينيين الاحتجاج أيضا بمراعاة الواقع كما هو عام 1967 أو حتى قبل.
يمكن تفهم مواقف أمريكا لو كانت تقوم بخطوات عملية قوية وواضحة الأثر لمنع الإسرائيليين من خرق قرارات مجلس الأمن، وتغيير الأوضاع في القدس، وبصورة عامة منعهم من التصرف الأحادي قبل الوصول إلى حل عبر المفاوضات.
أقول هذا مع قناعتي سلفا بأن دول الغرب عامة وأمريكا خاصة لن تفعل ذلك، لأن أساس المشكلة سياسات غربية منحازة إلى اليهود على حساب الفلسطينيين خاصة، والعرب والمسلمين عامة. أصاب بالذهول والعجب الشديد حينما أرى قادة الغرب يركزون على حقوق اليهود، مقابل تهميش حقوق الفلسطينيين غير اليهود، كما لو أنهم دخلاء على الأرض، لم يعيشوا فيها أبا عن جد على مدى حقب طويل وقبل ظهور الاسلام، وكما لو أنه لا حق لهم للدفاع عن أرضهم (أنفسهم بالتعبير الغربي).
في حضارتنا نحن العرب وفي ديننا نحن المسلمين أن الدفاع عن الأرض ومنع اغتصاب الارض بما في ذلك المتنازع عليها، كل ذلك من أوجب الواجبات بكل وسيلة ممكنة، وبقدر ما نستطيع من قوة. ولكن الغرب وأمريكا خاصة لا يفهمون ذلك جيدا. لكن المؤسف أكثر أننا لا نحسن بيان هذا للعالم وباللغة التي يفهمها هذا العالم والأسباب كثيرة.
٭ دكتوراه في الاقتصاد الكلي والمالية