الخميس 10 جمادى الآخرة 1427هـ - 6 يوليو 2006م - العدد 13891

المرأة الأفغانية وطالبان.. ما بين (أسامة) وَ(قندهار)..

رجا ساير المطيري

    الحقيقة التاريخية تقول إن المنتصر هو من يكتب التاريخ وهو من يرسم الصورة البغيضة لأعدائه المهزومين فيغالي ويبالغ في وصفهم بالسوء حتى يستبشعهم الناس. لذلك بدا من الطبيعي أن تقوم وسائل الإعلام الأمريكية عقب سقوط حكومة طالبان في نهاية العام 2001 بإطلاق سيل التهم على أتباع الحركة وعلى الفكر الذي يقودهم بحيث تحولت (طالبان) في نظر الناس إلى نموذج مثالي للتخلف والرجعية وتحول أتباعها إلى مجموعة من المرتزقة الإرهابيين الاقصائيين الذين لا يألون جهداً في سبيل تركيع الشعب الأفغاني واضطهاده وتكبيل المرأة واقتيادها كما تقاد البهائم. ولأن مصدر هذه الاتهامات (غربي) فقد قوبلت بالتشكيك من قبل البعض خاصة وأن إحدى التهم التي روج لها الإعلام الغربي كثيراً والتي تقول إن (طالبان) تعتمد في تمويلها على زراعة وترويج المخدرات قد تم نفيها من قبل مصادر غربية أخرى أكدت أن تجارة المخدرات عادت إلى أفغانستان بعد سقوط الحركة. وكرد فعل على هجوم الإعلام الغربي جاء التكذيب من أطراف مناوئة دافعت عن الحركة وعن فكرها وزادت بأن منحتها القدسية فجعلتها طاهرة لا يشوبها دنس ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. وما بين هؤلاء وأولئك كانت هناك رؤية أخرى مختلفة.

هذه الرؤية جاءت من أصحاب الشأن أنفسهم، من الأفغان، والمحيطين بهم بشكل مباشر، الذين هم الأكثر قدرة على تناول الشأن الأفغاني ونقد حركة طالبان واستعراض مساوئها ومحاسنها. وقد تركز نقدهم على القضية التي أضحت بمثابة المؤكد والثابت الغير قابل للدحض وهي قضية اضطهاد المرأة ومنعها من المشاركة في الحياة العامة ومن التعليم، وهي تهمة لم ينفها حتى الطالبانيون أنفسهم حين برروا عدم سماحهم للمرأة بالتعليم بقلة وشح الموارد. السينما كانت محضناً لهذه الأفكار ولهذا الجدل الذي أثير حول (المرأة الأفغانية وطالبان) فخلال السنوات الخمس الأخيرة أنتجت العديد من الأفلام التي تناولت القضية من زوايا مختلفة وقد يكون أكثرها صدقاً تلك القادمة من أفغانستان نفسها ومن الدولة المجاورة لها (إيران). ومن مجمل هذه الأفلام يبقى التميز من نصيب ثلاثة أفلام، اثنان منها من إيران، هما فيلم (قندهار-Kandahar) وَفيلم (الخامسة بعد الظهر-At Five in the Afternoon) والثالث أفغاني، هو فيلم (أسامة-Osama). والجميل أن الأفلام الثلاثة تباينت نظرتها تجاه القضية الواحدة ففي الوقت الذي تناول فيه فيلم (قندهار) وَفيلم (أسامة) وضع المرأة أثناء حكم طالبان كان فيلم (الخامسة بعد الظهر) يصور وضعها بعد سقوط الحركة.

فيلم (قندهار) أنتج في العام 2001 وهو للمخرج الإيراني المعروف (محسن مخملباف). وفيه يسرد حكاية امرأة أفغانية مهاجرة إلى كندا تقرر العودة إلى أفغانستان عشية رأس سنة 2000 من أجل إنقاذ أختها والهرب بها من مستنقع طالبان. وخلال رحلتها في داخل أفغانستان نتعرف على المصاعب التي تواجه المرأة فهي هنا تنبذ وتضطهد لمجرد كونها امرأة. والفيلم يتوسع في انتقاده ليتّهم (طالبان) باضطهاد الإنسان ككل وليس المرأة فحسب. فالإنسان، رجلاً كان أم امرأة، كان ممتهن الكرامة موءود الحرية ومستعبد بشكل بائس وتعيس. أما بالنسبة لفيلم (أسامة) فهو الأجمل والأكثر تجريداً في تناوله للقضية حيث ركز بشدة على بشاعة أن تكونَ (امرأةً) في عهد طالبان. وحكايته تبدأ مع امرأة أفغانية تفقد زوجها وعائلها الوحيد فتضطر بسبب الحاجة وضغط الجوع والبؤس إلى دفع الفتاة الوحيدة في العائلة إلى العمل لكسب ما يقيم الأود ويسد الحاجة، لكن النظام الطالباني يحظر عمل المرأة، صغيرة كانت أم كبيرة، لذا تلجأ هذه المرأة إلى الحيلة فتأخذ ملابس زوجها وتمنحها إلى بنتها الصغيرة كي ترتديها وتدعي من ثم أنها صبي اسمه (أسامة). وقد سارت الأمور بشكل جيد في البداية وحصلت الفتاة على عمل يدر لها القليل من المال. إلا أن النكسة ستأتي فيما بعد حين تأمر الحكومة بضم كل الصبية إلى المعسكرات الجهادية والمدارس الدينية من أجل تحويلهم إلى مقاتلين. والأمر لا يستثني (أسامة) الذي يدخل عالماً خشناً لا يتلاءم مع رقته ونعومته كفتاة. فيلم (أسامة) فاز بثلاث جوائز في مهرجان كان السينمائي عام 2003 وهو الأكثر تأثيراً حيث عرض حكايته بمنطق وموضوعية رسمت حقيقة وضع المرأة الأفغانية ومدى الظلم الذي حاق بها نتيجة الإجراءات المتعسفة والمتشددة وغير الإنسانية من قبل حكومة طالبان. فهذه الفتاة التي خرجت من منزلها من أجل أن تعيش وأن تعيل عائلتها الفقيرة تعرضت لمواقف مشينة وتم تزويجها لعجوز تجاوز الثمانين من عمره من دون إذن عائلتها ومن دون أن يؤخذ رأيها هي صاحبة الشأن. إن الأمر هكذا فلقد حكم الشيخ وقضى القاضي وانتهى الأمر.

لكن ماذا عن المرأة بعد سقوط نظام (طالبان)؟ هنا تأخذنا المخرجة الإيرانية (سميرة مخملباف) في رحلة جميلة مع فيلمها الأخير (الخامسة بعد الظهر) المنتج سنة 2003 لتحكي قصة شابة أفغانية متعلمة تطمح لأن تدخل معترك الحياة السياسية وأن تترأس في المستقبل الحكومة الأفغانية أسوة بقدوتها الرئيسة الباكستانية (بي نظير بوتو). الفيلم يعرض طموحات المرأة الأفغانية عقب زوال طالبان وهو لا يخفي سعادته بسقوط الحركة لكنه لا يبالغ في التفاؤل حيث يشير إلى أن ذات الأفكار التي كانت تزدري المرأة وتحتقرها لا تزال مترسبة وباقية في نفوس الأفغان والدليل أن والد هذه الفتاة الطموحة يرفض أن تتعلم ابنته العلوم الطبيعية وأن تنضم إلى غير المدرسة الدينية لذلك هي تضطر إلى التحايل والهرب من مدرستها لتذهب إلى مدرسة أخرى أكثر انفتاحاً.

مع هذه الأفلام الثلاثة سيتمكن المشاهد من رسم تصور عام وحقيقي عن وضع المرأة الأفغانية. تصورٌ يكتسب أهميته من المصادر التي جاء منها حيث اعتمد على وجهة نظر أفغانية إيرانية. أي على أولئك الذين عايشوا الواقع الأفغاني كما هو وذاقوا مرارته.. أولئك غير المتحيزين كما الإعلام الغربي، إعلام المنتصر، الذي يسعى إلى تشويه صورة أعدائه بشتى السبل..