
بعد شهرين فقط من انتهاء مهلة ال 6 أشهر التي منحها ميثاق السلم والمصالحة لعناصر الجماعات الإرهابية التي ما تزال في الجبال للاستسلام ووضع السلاح والاستفادة من تدابير المصالحة، عاد الهاجس الأمني ليؤرق راهن الجزائريين مجددا بعد سلسلة العمليات الإرهابية الإجرامية التي خلفت منذ مطلع جوان/ يونيو الجاري فقط ما يزيد على 50 قتيلا ما بين مدني وعسكري استنادا إلى إحصاءات رسمية وأخرى صحفية.
وما يزال الجيش الجزائري يخوض المعركة مع بقايا الجماعات الإرهابية التي ما تزال ترفض يد المصالحة الممدودة للرئيس بوتفليقة، الذي توعد بعد انقضاء مهمة ال 6 أشهر في 31 أوت / أغسطس المقبل بإشهار سيف الحجاج لإنهاء شأفة الإرهاب بلغة السلاح، حيث علمت «الرياض» أمس الثلاثاء أنّ وحدات تابعة للجيش الجزائري مدعمة بعتاد حربي ثقيل، بدأت حصارها لنحو 15 مسلحا يشتبه في وقوفهم وراء اغتيال خمسة عسكريين قبل أسبوع في كمين بنواحي ولاية المدية (80 كلم جنوب العاصمة)، وتشير إفادات حصلت عليها «الرياض» أنّ هؤلاء ينتمون إلى التنظيم الرافض للمصالحة «الجماعة السلفية للدعوة والقتال». وأضافت ذات الإفادات أن القوات الخاصة فكّكت ثلاث قنابل زرعها مسلحون مجهولون بضواحي ولاية سكيكدة (510 كلم شرق الجزائر)، وأنّ مجموعة مسلحة محسوبة على تنظيم «الجماعة المسلحة للدعوة» قامت بزرع عدة ألغام على مستوى المسالك الوعرة لجبال المنطقة للإيقاع بأفراد الجيش في حال تعرضّها للمطاردة.
وتشير تعاليق خبراء الشأن الأمني في الجزائر أن استراتيجية التصعيد المعتمدة مؤخرا من قبل التنظيم الإرهابي المتشدد الجماعة السلفية للدعوة والقتال، المقرب من القاعدة، تعكس إصرار جماعات الموت على التشويش على جهود المصالحة، وتشكيك الجزائريين في ثمارها بل في جدواها، وزرع القلاقل، في رسالة يريدون القول من خلالها ان مهلة ال 6 أشهر التي منحتها السلطات الرسمية لا تعنيهم. وتضيف ذات التعاليق أن مثل هذا التصعيد كان منتظرا بالنسبة لجماعات شهدت نزيفا حادا في صفوفها بعد موجة استسلام هامة لعناصرها، جماعات ضالة تعيش آخر أيامها، وتدرك أن نهايتها باتت مسألة وقت لا أكثر.
ويجزم العارفون بالملف الأمني في الجزائر أن نجاح مسار المصالحة الوطنية في البلاد يبقى مرهوناً إلى إشعار غير معلوم، بإشهار الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ل «سيف حجاج ثان» شبيه بذاك الذي أشهره شتاء 2000 غداة انقضاء المهلة الممنوحة للمسلحين وقتئذ للاستفادة من تدابير الوئام المدني، ولعلّ (سيف الحجاج) الذي قد يتجسّد حال انتهاء الآجال بعد شهرين من الآن، كفيل في حال تفعيله بالقضاء نهائياً على جيوب الإرهاب الذي لا يزال نحو 800 مسلح ينشطون تحت رايته.
نذكر أن إجراءات ميثاق السلم والمصالحة تقّر إبطال المتابعة القضائية في حق الأشخاص المتورطين في أفعال إرهابية الذين «يمثلون طوعا أمام السلطات ويسلمون ما لديهم من أسلحة في أجل ستة أشهر»، شرط «عدم تورطهم في المجازر الجماعية والاغتصاب ووضع المتفجرات في الأماكن العمومية». ويهدف ميثاق السلم والمصالحة الذي دخل حيز التنفيذ مطلع مارس/آذار الماضي، وضح حد للأزمة الدامية التي عصفت بالجزائر غداة إلغاء المسار الانتخابي في شتاء 1992 وخلّفت أزيد من 200 ألف قتيل وخسائر مادية ب30 مليار دولار.