يغيب الإنسان عن هذه الحياة الدنيا حين يلاقي وجه ربه عز وجل ويفقد الرجال من الساحة وليس كل الرجال في مستوى واحد، وأبومحمد الشيخ سعد بن عبدالله الجنيدل من الرجال البارزين الذين يشار إليهم بالبنان وهو رابع أربعة من البلدانيين الذين حفظوا لجزء من بلادنا مآثرها واعلامها وتاريخها الجغرافي والحضاري والسياسي وأعني بهم الشيخ حمد بن محمد الجاسر رحمه الله والشيخ سعد بن عبدالله بن جنيدل رحمه الله والشيخ محمد بن ناصر العبودي والشيخ عبدالله بن محمد بن خميس أطال الله عمريهما على صالح الأعمال ومنحهما الصحة والعافية وشيخنا سعد قد تولى الكتابة عن عالية نجد فأوفى وأكمل بحث ونقب في المصادر التاريخية والجغرافية ودقق في النصوص وطبق ذلك بالوقوف برجله على المواقع والمعالم ووصفها وصف المشاهد الواقف عليها وقارئ وتوقع وتوخى الصحة عن بعض المعالم التي أبلى الجديدان رسومها فتوصل إلى ما لم يتوصل اليه غيره من الحقائق أو القريب منها واستشهد بالنصوص الشعرية الفصيحة القديمة والعامية الحاضرة التي تشير إلى هذا الموقع أو المعلم سواء أكان بلدة أو قرية أو جبلا أو وادياً واثبته في موضعه وجاء كتابه المعجم الجغرافي لعالية نجد من أوفى المعاجم التي وضعها أولئك الأعلام في نهاية القرن الرابع عشر الهجري المنصرم وفي احدى زياراتي له رحمه الله أهدى إلي الطبعة الثانية من المعجم المشار اليه من ثلاثة أجزاء وقد نقحه وأضاف إليه واخبرني حينها أنه ينوي الاتجاه لتحقيق المواضع المذكورة في المعلقات العشر وبعد فترة صدر له كتاب بهذا العنوان وأهداني نسخة منه وذكر أنه سوف يحقق الأماكن الواردة في صحيح البخاري وبالفعل بعد فترة زرته فوجدته قد أتم الكتاب وأهداني نسخة منه ثم أخبرني أنه سوف يبحث عن المواقع المذكورة في القرآن الكريم ولا أدري هل أكمله أم لا؟ فهو رحمه الله اذا عزم على إكمال شيء أتمه وطلب مني بمناسبة المئوية الجزء الأول والثالث من كتابي "من شعراء الجبل العاميين" وذلك لوجود قصيدتين في مدح الملك عبدالعزيز رحمه الله احداهما للشاعر عبدالله بن فرحان القضاعي والثانية للشاعر سلطان بن عبدالله الجلود فأحضرت له الكتاب بأجزائه الثلاثة وسربها، وقد تعرفت عليه شخصياً لأول مرة قبل ثلاثين سنة عن طريق الصدفة في اجتماع عند أحد الأصدقاء ثم زرته في بيته ودعوته لزيارتي فلبى الزيارة ومن ذلك الحين بدأت الزيارات المتبادلة بيننا وتبادل الآراء والاستفادة من بعضنا في مجال الكتابة عن التراث والمقتنيات الموجودة قبل فترة من الزمن، وكان موسوعة متحركة في المجال التراثي لأنه عايش آخر الفترة التقليدية وعرف ما في المجتمع يومذاك من المقتنيات، وخالط البادية وعرف ما لديهم من مقتنيات وملبوسات وغيرها، ولم يكتف بمعرفتها في ذهنه بل دونها وصورها في كتب بقيت بعده حتى الآن وأكثر البادية الذين اختلط بهم في جنوب نجد، وغالبا ما تختلف بعض المسميات في جنوب نجد عن شمالها فكان يسألني عن بعض مسميات الأشياء حسب تسمية بادية الشمال لها، وأولى جانبا من اهتمامه للشعر الشعبي فجمع لمجموعة من شعراء عالية نجد في ثلاث مجموعات من شعراء العالية وبين الغزل والهزل وخواطر تراثية ولم يكتف برصد القصائد كما يفعل الكثير من الناس اليوم بل أوجد مناسبتها وشرح غامض كلماتها فجاءت هذه الخطوة ثمرة جيدة مشوقة لقراءة هذه المجاميع وكان رحمه الله اذا تولى موضوعا أجاد فيه خاصة ما يتعلق بالتراث العربي والشعبي اضافة إلى كتبه الأخرى عن الجوف وغيرها واشتراكه في الأعمال الموسوعية الأخرى فأثرى المكتبة العربية بهذا الاسهام الجيد من الكتب المفيدة وإلى جانب ثرائه الموسوعي التراثي والأدبي هناك شيء مهم في شخصيته هو تلك الابتسامة الدائمة الظاهرة على محياه وثغره حين يبدأ كلامه بابتسامة عريضة وينهيه بمثلها فالبشاشة لا تفارق وجهه حتى وإن كان في حديث جاد، فكم جلست معه الساعات نتحدث عن الأدب والتاريخ والتراث فاستفدت منه فيما يخص جنوب نجد، وكان رحمه الله فطنا سريع البديهة عالما بكثير من القضايا والأمور التي حدثت في الخمسين سنة الأخيرة من القرن الرابع عشر المنصرم وربما ما قبل ذلك وخاصة ابان تكوين المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله، فكان يحفظ الأشعار التي قيلت بتلك المناسبة كشاهد على صحة الحدث كما انه يحفظ الكثير من الشعر الفصيح كشاهد على المواضع التاريخية والجغرافية والأعلام والشخصيات، ورجل كهذا قد دون الكثير مما يعرف ونشره في كتب بأيدي الناس سيبقى حياً بينهم مدى الأيام وإن غابت شخصيته عنهم الا أن علمه حاضر بين أيديهم فضلا عن انه قد خلف عددا من البنين الفضلاء وكما يقول المثل الشعبي "من خلف ما مات" ونرجو أن يكونوا خير خلف لخير سلف، ولئن كان حزننا عميقا على أبي محمد حين رحل من بيننا ولاقى وجه ربه ودفن جثمانه في مكة المكرمة وتلك كانت أمنيته، فقد قال لي في حديث معه قبل سنوات وكان متوعكا صحياً، إنني أتمنى اذا حان لقائي لوجه ربي ان يكون إما في مكة المكرمة أو المدينة المنورة، وتحققت أمنيته، فرحمك الله ياأبامحمد رحمة الأبرار وأسكنك فسيح الجنان، {إنا لله وإنا إليه راجعون}.