الرئيسية > خزامى الصحارى

علاقة استمرت أربعين سنة نتاجها عشرات المؤلفات العلمية

الشيخان الجاسر والجنيدل ضربا أروع الأمثلة في الوفاء والإخاء



صلاح الزامل

رابطة الأدب والعلم والبحث رابطة جمعت هذين العلمين من اعلام التراث العربي ومن محقيقه اللذين كان همهما الوحيد هو الغوص في بحار المعرفة واستخراج ما يريانه يثري المائدة البحثية والعلمية إنهما الشيخان الشيخ حمد الجاسر ت -1421ه رحمه الله والشيخ سعد بن عبدالله الجاسر 1427ه رحمه الله، هذا الرجلان كانا صديقين تسود هذه الصداقة الخالصة روح الود والإخاء والإحترام والتقدير وحتى ولو اختلفا في الرأي اثناء النقاش العلمي فإن الأصل هو الأخوة والصداقة صداقة وإخاء عمرها أكثر من أربعين.

توفي الشيخ حمد الجاسر رحمه الله ولا يزال الوفاء للصداقة باقية بقاء الليل والنهار في قلب شيخنا سعد رحمه الله فلا يزال شيخنا يلهج في مجالسه العامة والخالصة بالخير والثناء والترحم عليه وحدثني رحمه الله الشيخ سعد قائلاً: لقد سافرت مع الشيخ حمد الجاسر في سفرات عدة في داخل المملكة فلم يكن هناك ما يكدر الصفو او يعكر المزاج وحتى البعض من الاصدقاء يستغربون لماذا لم يحصل أي خلاف؟؟ الشيخ حمد الجاسر رحمه الله.

كذلك يبادله نفس الود ونفس الشعور وكما حدثني شيخنا سعد رحمه الله ان الشيخ حمد الجاسر رحمه الله اتصل به شخصياً عبر الهاتف من امريكا قبل وفاة الشيخ حمد بخمسة ايام يسألني عن مصير مؤلفاتي المخطوطة ومتى سوف تطبع؟ انتهى كلام الشيخ سعد فالشيخ حمد رحمه الله حتى في احلك الأوقات والأزمات لم ينس صديقه ورفيقه الشيخ سعد ولم يعلم الشيخان ان هذه هي آخر مكالمة جرت بينهما. تبادلا فيها ارقى معاني الوفاء والرفقة الطيبة ورحم الله الشاعر المبدع علي بن الجهم القرشي ت - 249ه حيث رسم في احدى لوحاته الفنية الشعرية العذبة في قصيدته الهمزية عبر عن الوفاء وانه يعد من اعظم مكارم الاخلاق واشرفها وهو هرم السجايا في نظر شاعرنا

وجربنا وجرب اولونا

فلا شيء أعز من الوفاء

نعم ان الوفاء عملة نادرة في هذا الزمن الذي طغت فيه المصالح المادية والعلاقات الشخصية ذات المصالح الخاصة الوقتية الشيخان حطما هذه الزوائف. وكانت علاقتهما صافية نقية طاهرة يعرفها الملأ وخاصة اهل البحث والعلم. تحدث الشيخ حمد الجاسر رحمه الله عن متانة هذه الصداقة بينه وبين الشيخ سعد بعبارات بالغة الأثر ومن اعماق نفسه نشرها رحمه الله في جريدة "الرياض" بتاريخ 1419/6/2ه يوم السبت انها كلمات سطرت وبقيت وهانحن نتذكرها ونتأمل في مفرداتها وتراكيبها التي ملأها الشيخ حمد الجاسر رحمه الله بانطباعات جميلة ورؤى دقيقة في اخلاق وعلم شيخنا سعد رحمه الله انها كلمات خالدة صدرت من عالم في عالم. يقول الشيخ حمد:

عرفت الأستاذ ابا عبدالله سعد بن عبدالله بن جنيدل حق المعرفة فقد جمعتني الصحبة به في التنقل في وسط الجزيرة وغربها وجنوبها وشرقها. وعرفته وخالطته مراراً فقد كان يكرمني يدعوني الى بيته ويطلعني على بعض اعماله فأستفيد من علمه وأدبه واستمتع بما يتحدث به مما يحفظ من اخبار واشعار وخاصة ما كان يتعلق بسكان البادية فقد كان وثيق الصلة بهم، كثير المخالطة لبعض مشاهيرهم.. وكنت أعجب بكثرة محفوظاته وبحضور بديهته وبتفريقه بين لهجات ابناء البادية وأقولها كلمة حق بأنني بطول الترافق في الاسفار وكثرة الاجتماع به لم ار منه مرة من المرات ما أحس مما يكدر صفو ما بيننا من الوداد، والتوافق والصداقة، أو يحدث أقل تأثير في نفسي من الأمور التي كثيراً ما تحدث بين الاخوة المتصافين حتى في الحالات التي قد ينشأ الخلاف في موضوع ذي صلة بما كنا مترافقين للبحث فيه فلم يكن ممن يحاول ما استطاع البروز بوجاهة رأيه ولكنه يعرضه في الفرصة المناسبة بالطريقة التي تهيئ له الموقع الحسن في النفوس فتتقبله ولعل من ابرز سماته المحببة الى النفس سماحة نفسه بدرجة تغلب عليها الطيبة وتلك من اقوى الصفات التي تبقي المحبة في النفوس وتديم الصلة بين الاخوة فوصفه بأنه محبوب من كل أحد، حتى من بعض إخوته الذين قد يحدث بينه وبينهم ماهو - عادة - من أسباب التقاطع أو الكراهة لدى بعضهم وعندما أصدر الشيخ سعد رحمه الله كتابه الموسوعي عالية نجد باجزائه الثلاثة عام 1399ه. قرض الكتاب بهذه الروائع النثرية قائلاً... هذاالكتاب هو أحد أقسام المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية ومؤلف هذا الكتاب "أي عالية نجد" الأستاذ سعد بن عبدالله بن جنيدل من أوسع باحثي هذا العصر معرفة باحوال البلاد التي تحدث عنها بكتابه هذا، فهو من أهلها من بلدة الشعراء في وسط تلك البلاد التي عاش متنقلاً بين ربوعها منذ نشأ، ثم عمل موظفاً في التعليم والإدارة والتفتيش - حيث يعمل الآن، فاكتسب خبرة واطلاعاً واسعاً بحكم تردده على مدارس هذه البلاد زمناً طويلاً. يضاف ذلك سعة اطلاعه على المؤلفات القديمة ومحاولة تطبيق نصوصها على مشاهداته بحيث حقق قدراً كبيراً من المواضيع الواردة في الأخبار والأشعار القديمة تحقيقاً ييسر لدارس الأدب والتاريخ فهم كثير من النصوص القديمة بكثير

من المواقع. أنتهى كلام الشيخ حمد. مهمات مضيئة كشفت مدى هذا الود والإجلال وعظمة هذين الشخصين وما يكنه كل واحد منهما للآخر سطور نثبتها للتاريخ وكل من الشيخين قد قدما إلى قدما.. لقد كنت في زيارة لشيخنا سعد رحمه الله في الصيف قبل الماضي سنة 1425ه وسألته متى بدأت علاقتك بالشيخ حمد الجاسر فأجاب قائلا: عندما أصدر الشيخ حمد الجاسر رحمه الله مجلته عام 1372ه بالرياض وسمعت بها ارسلت له بعض المقالات فكان رحمه الله يحتفي بها احتفاء جيداً، وفي مرة من المرات ارسلت مقالاً عنوانه "جزيرة العرب بين كلام المتقدمين وبحوث المتأخرين" ففرح به فرحاً شديداً واهتم به وأصبح يطلب مني مقالات من هذا المجال والتي ألفتها في تلك الأيام إنما عن طريق المراسلة فقط إلى أن أستقر بالرياض فتعرفت عليه وقويت الصلة ثم عندما أصدر مجلته المتخصصة العرب رحب وطلب مني المشاركة دائماً واعطاني الحرية في الكتابة فيما يثري المجلة رحمه الله ثم انه رحمه الله من تمام الود وعميق الثقة كان يطلب مني ان أجيب على الأسئلة التي ترد إلى العرب من مختلف المواضيع من جغرافيا وتاريخ وأنساب وما يتعلق بجزيرة العرب وكانت علاقتنا طابعها الود والمحبة والوئام.

الأستاذ معن بن حمد الجاسر نجل الشيخ حمد سألناه عن انطباعاته عن الشيخ سعد بن جنيدل رحمه الله وعن مدى هذه الصداقة بين والده الشيخ حمد والشيخ ابن جنيدل رحمهما الله يقول: علاقة الشيخ سعد بوالدي أعتقد أنها بدأت في أوائل الثمانينات للهجرة من القرن المنصرم وهو اللقاء الأول بينهما وكان الوالد ينشر مقالاته باليمامة ويعرف اسمه واهتماماته من قبل ان يعرف شخصه العلاقة كانت علاقة علم وبحث وأدب ومعرفة فكانت دائما جلساتهما جلسات حافلة بالكثير من نواحي ومختلف التراث العربي وخصوصاً تراث الجزيرة العربية وما يتعلق بهما من بحوث ودراسات في القديم والحديث، فهذا كان دأبهما فالعلم والبحث هو ديدنهما في الحل والترحال وإن كنت لم أكن أحضر الكثير من جلساتهما بحكم انشغالي في العمل وأهم عمل جمع بين الشيخين هو دعوة الوالد الشيخ حمد رحمه الله بمؤتمر مكة إلى تأليف معجم جغرافي بجميع مناطق المملكة فكان الشيخ من المتحمسين بهذا المشروع وفعلاً نفذت هذه الفكرة على أرض الواقع فبدأ الشيخ وقسمت المناطق على مجموعة من العلماء المتخصصين بهذا الشأن فكان نصيب الشيخ سعد عالية نجد وأصدر كتابه سنة 1399في ثلاثة أجزاء ثم طبعته دار اليمامة في حياة الوالد وبرغبة كذلك من الشيخ سعد ونشر الكتاب طبعة ثانية عام 1417ه وكذلك طبع له الوالد الشيخ حمد رحمه الله بلاد الجوف وهي الرحلة التي قام بها الشيخ سعد عام 1395ه فكان وثيق الصلة بالوالد رحمه الله وإذا لم يحصل لقاء فالهاتف هو الواسطة فيما بينهما ويتحدثان عن هموم بحثية تراثية ويتطارحان الأداء ويطول النقاش. وقد يختلفان لكن كل يحترم رأي الآخر وفي عام 1395ه قام الشيخان الشيخ حمد الوالد والشيخ سعد ومعهما الشيخ محمد العبودي برحلة استكشافية في بعض مناطق المملكة ولعل أول رحلة علمية ميدانية جمعت الثلاثة العلماء. فجالوا في بعض المناطق المترامية الأطراف وفي اثناء هذه الرحلة توفي الملك فيصل رحمه الله وكنت أذكر هذا التاريخ وكان الوقت في آخر فصل الربيع واستمرت رحلتهم أربعين يوماً، أما الشيخ محمد العبودي حفظه الله فلم يكمل معهما هذه الرحلة. ورجع إلى الرياض ومما أذكر ما حدثني به الشيخ سعد بعد وفاة الوالد بمدة يسيرة حينما تشرفت بزيارة للشيخ سعد في منزله وتذكر الوالد رحمه الله وذكرياته طوال هذه السنين وفي أثناء حديثه عن الوالد رحمه الله دمعت عيناه رحمه الله فكان رحمه الله يحب الوالد ويقدره أشد التقدير ويبالغ في احترامه ومن الذكريات التي حدثني بها رحمه الله عن الوالد الشيخ حمد يقول: اننا مما كنا في رحلتنا عام 1395ه وكانت بعض الطرق وعرة وصعبة المسلك فنضطر الى سلوك هذه الطرق لأنه لابد من الوقوف على العكس او الموقع على أرض الواقع ومشاهدته وتسجيل هذه المواقع بالتحديد فكان الوالد الشيخ حمد مرة من المرات قد سجل معلومات عن موقع من المواقع لا يمكن ان تصل إليه السيارات الا بشق الأنفس وبعد يوم او أقل من يوم قال الشيخ حمد أنني غير متأكد من المعلومات التي دونتها عن الموقع الفلاني فقلت له ان الطريق وعر جداً والسائقين قد ملوا وكلوا تعال لابد من الذهاب إلى المكان والتأكد وفعلاً ذهبنا مرة أخرى وتأكد بنفسه عن الموقع وهذا صنيع يذكره الشيخ سعد رحمه الله ليبين ويدلل على دقة الوالد الشيخ حمد ومدى حرصه على التثبت في نقل المعلومة وقد طبعنا للشيخ سعد رحمه الله كتابه معجم الأماكن الواردة في المعلقات وتولى الطباعة والإشراف عليه مركز حمد الجاسر الثقافي طبعة ثانية. وقد حرصنا ان نطبع له كذلك كتابه المواقع الواردة في الصحيحين ونتولى طباعته وبودنا انه رآه قبل وفاته لكن لكل أجل كتاب رحم الله الشيخ سعد وأجزل له المثوبة وجعله في الفردوس الأعلى.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة