الرئيسية > فن

مروان خوري والأمل الموسيقي 2- 3:

العصبية الرحبانية ورومانسية الحداثة



أحمد الواصل

العصبية الرحبانية

.. يمضي مروان خوري، برقم فني صعب يحمل مزاياه وملامحه. تكشف الكثير من أغنياته وموسيقاه سلسلة نسب شرعية - إن جازت مقاربة - إلى آباء وأمهات أرشيف الغناء والموسيقى العربيين.

.. لفت الانتباه بشكل كبير عبر صوت المغنية والممثلة، كارول سماحة، من خلال أغنيات وضعها متميزة: "كيف؟، حبيب قلبي واتطلع فيَّ" عبر تصوير أنجزته المخرجة المتميزة أيضاً، نادين لبكي، اشتغل السيناريو على ربة منزل شابة تشتكي الوحدة وزوج شاب ترهقه يوميات العمل، ملتقطة الأغنية في تصويرها معالم المعنى الفني، وهي تعرض حالة "البرود العاطفي" من بعد توهجه واشتعاله العابر حيث يوضع ذلك الحب على محك تجربة الحياة الزوجية وهمومها اليومية التي تخاطر بحلم الاستمساك بلحظات العشق الأولى، وحملت الأغنية حالة من التعبير الموسيقي الذي يكشف عن أمراض فنية سرطنت "جسد الغناء" لبنانياً بعد معالم الحرب العالمية الأهلية ( 1975- 1992). إذ توحي الأغنية، بلحنها وكلماتها استعادة الأغنية اللبنانية عافية الرومانسية بصيغتها المدنية لا الريفية، التي لطالما سعى إليها زياد الرحباني وفيروز بمستوى رفيع.

.. ربما تحاول أن تثبت صلة القربى، بالتراكم الفني التاريخي، إلى صيغ الغناء الرومانسي التي قدمت أرقى نماذجها عند ماجدة الرومي بألحان نور الملاح أو إحسان المنذر، على سبيل المقاربة، في أرشيف أغنيات جميلة: "عم يسألوني، ما حدا بيعبِّي مطرحك، وداع".

.. أما في أغنية أخرى: "حبيب قلبي" التي تجدِّد صلتنا، على غير ما يوحي مباشرة توزيعها الموسيقي الموقع من كلود شلهوب، بأغنيات لمواهب عربية وافدة، في الثلاثينيات والأربعينيات، طعَّمت سياق حداثة الغناء العربي في القاهرة، وشكلت نكهة مغايرة، لأنماط الغناء المصري كالشعبي من الحارات والريف الزراعي - البدوي، أو الإنشاد الصوفي - الديني، وأجناس الغناء المستوردة سواء في صيغه الأرستقراطية الأوروبي إزاء العثماني (التركي) أو صيغه الهامشية اجتماعياً: الغجري والأرمني.

.. هذه النكهة العربية الوافدة تلتمس ك "حالة شامية" في أغنيات أسمهان وفريد الأطرش، التي بلهجتها البادية ملامحها غنائياً وموسيقياً تكشف ذلك المزيج الغنائي الذي اخترق مثلما سيشكل صيغة فارقة من بعد أسمهان بمجايلتها والمُكءملة لطريقها توازياً: ليلى مراد التي لا تمت بجذور مصرية مباشرة، بل من أب ذي أصول حلبية شامية وأم من شرقي أوروبا. إنما مدت الغناء بنكهة محفوظة لها حتى الآن.

.. هذه الأغنية، بسبب ما توحي به لهجتها التي توحي بمصريتها ظاهرياً، لكنها تنتمي إلى اللهجة القاهرية، قاهرة الأربعينيات بكل جماليتها الفنية من شعر وموسيقى. استطاعت أن تمد سماحة بما تحتاجه لتكوين وتكريس الشخصية الغنائية لها، نظراً لانحصار أغنيات المسرح الرحباني في السياق الدرامي وعدم تشجع الآخرين لاكتشافها بمعزل عن ذاكرة "العصبية الرحبانية" (5).

.. إذا كانت رغبة كارول سماحة تمثلت في تمسكها بها لكونها تذكرها بتلك الفترة الغنائية وبطلاتها، فهي دفعت تماماً بإنجاز مميز من كاتبها وملحنها: مروان خوري كذلك موزعها كلود شلهوب الذي أعطاها ملامح عصرنا.

.. ربما كان مدخل مروان خوري الغنائي لم تكن بدايته مع كارول سماحة، مع باسمة وسواها، وهي من موجة الكوادر الفنية التي كانت خارج المأمول الفني لدى خوري، فإن كارول سماحة كانت قناة كبرى منحت مروان خوري نفسه عدة مكاسب فنية، وهي اتضاح تجربته الفنية بخطوطها اللحنية المتعددة، ودعم وجوده الفني لموهبة مقتدرة تحمل مشروعها.

.. استطاعت موهبة الملحن، وهي الطاغية أو التي نالت استحقاقها فنياً بالاعتراف عبر التجربة، أن تمتد إلى أصوات وتجارب أخرى، فهو من وضع لحناً لنص كتبته شاعرة خليجية من الإمارات العربية المتحدة، عن مناسبة العام الجديد، غنياه: فضل شاكر وشيرين. حيث تنوعت فرص التقاء ألحان خوري بأصوات عدة من لبنان، مثل: فضل شاكر وكارول سماحة أو نوال الزغبي ومايا نصري، والعمل الاستثنائي مع السيدة ماجدة الرومي، وسواهم من خارج لبنان، مثل عبدالمجيد عبدالله من السعودية.

.. حاولت الحياة الفنية في لبنان الانتعاش وأخذ دورها الاستعادي، بمراعاة التحولات التي لا بد من الإسهام في دفع عناصرها أو تشكيل ملامحها، سواء في اكتمال فرص الغناء المسرحي مع الجيل الرحباني الثاني كأسامة الرحباني أو استمرار الباقي كمنصور الرحباني، وتطورات المراجعة ونقض الأجندة الفنية عند: جوليا بطرس وأميمة الخليل، إضافة إلى تورطات الاستمراء وتطفيف الاستبقاء المر عند: جورج وسوف ومستنسخاته السريعة الظهور والانزواء في الزوايا الليلية، وتفاعل المحيط بوفرة الغناء الشعبي والبسيط عند نجوى كرم إزاء الخلايا المبعثرة أو المصطنعة عند: وائل كفوري ورامي عياش من جهة ومن أخرى: هبة القواص وسمية بعلبكي. إضافة إلى ذلك تكونت - أو دفعت - بعض المواهب في التلحين، مثل: سمير صفير، طارق أبو جودة وسليم سلامة كذلك في التوزيع الموسيقي: هادي شرارة، جان مار رياشي وهاني سبليني.. دون الأخذ بالاعتبار حالة الاعتماد على المعونات الخارجية من الألحان والتوزيع الموسيقي سواء في مصر أو في الخليج حيث تغيب الأسماء اللبنانية في الشعر أو التلحين أو التوزيع الموسيقي عن أعمال بعض الأصوات اللبنانية نفسها.

.. ربما كان القرار بثقل كبير هو هدف مروان خوري، عبر محطات تقدم اعتمدت التمهيد والتلحين، وهو إنتاج اسطوانة تحتوي على مجال أكبر للتعبير عن الموهبة والمقدرة الفنيتين محاولة نحو موازاة صناعة الوجود الفني، وهي ليست بعيدة عن نماذج تاريخية: فريد الأطرش ومحمد فوزي أو زكي ناصيف وزياد رحباني.. على اختلاف الأمكنة والأزمنة كذلك الدوافع والنتائج الثقافية والسياسية.

.. أصدرت روتانا لمروان خوري في السنوات الثلاث الأخيرة ثلاث مجموعات غنائية يبرز في الأخيرتين "كل القصائد - 2004" و"قصر الشوق - 2005" ما هو متجاوز لما قدمه في الأولى التي كانت تجميعاً لبقايا أو وفرة أعمال خارج الحسابات المفترضة من بعد مسألة التلقي وافتراض طابع الشخصية الفنية المتطلع إليها من قبل مروان خوري نفسه.

.. إذا كانت تجربة السنوات السابقة أعطت ملامح ومعالم تنوع الأنماط الغنائية لديه فأقربته إلى اتجاه سابقه بقليل، زياد بطرس أو سمير صفير، وحالة كتابته وتلحينه لأغنيات تقربه من نموذج زكي ناصيف أو إيلي شويري، فإن غناءه لأعماله، كملحن بالذات، تقربه من نموذج كاظم الساهر وخالد الشيخ، لكن المزايا الفنية والأسلوب الشخصي يخلق منه مروان خوري مغايراً ومختلفاً.

.. إذ لا يمنعه تقاربه أو تباعده، من بعض الشخصيات الفنية، السابقة والمجايلة، محاولة لتفهم حالته الفنية، وتصنيفه من بين مدارس أو اتجاهات الفن العربي إزاء خطوط وأنماط التلحين والغناء التي تميز شخصيته الفنية.

.. إذن، ماذا نقول عن عمله في مجموعتيه: "كل القصائد - 2004" و"قصر الشوق - 2005"؟

رومانسية الحداثة

.. إن تقسيمنا لتلك المواهب والمقدرات الفنية التي تساهم في صناعة الذاكرة الغنائية، عبر صيغة تبسيط، تنحو ما بين تخصيبها الطبيعي أو تلقيحها الاصطناعي، لكن المسألة معقدة ومتشابكة، فما يمكن أن نراه في مروان خوري، يتواصل وينقطع، عما سبق وهذا يتم بعملية فنية شديدة التركيب، لتوازي أو تنافر العلائق ما بين طرق الاستماع الشخصية، وقبول أو انتقاء من خزانة الغناء اللبناني والعربي، ومهارات التنقيح والتكوين لشخصية تتخطى الاستلاب أو التقليد الممسوخ، وهذه المكونات والمحددات تتباين وتنمزج في وحدة أو افتراق عبر معطيات العمل الفني ونتائجه إضافة إلى المأمول الفني من مروان خوري والمتحقق على الواقع الفني.

.. ربما تتحدد أولى ملامح الشخصية الفنية لمروان خوري، عبر ما نسميه بشكل تفصيلي وأدق: "رومانسية الحداثة"، فهي تفارق رومانسية الستينات، في الغناء اللبناني، التي تحضر فيها ذاكرة الريف، مثل: "طريق النحل" للأخوين رحباني وفيروز، أو في السبعينات عندما بدت الأغنية تعاني مخاضاً نحو القطيعة بصعوبة من المعطيات الريفية التي بدت تفقد دواعي صلاحيتها كمواضيع كان عبر تجريدية الصحراء متمثلة في "وحدن" لطلال حيدر وزياد الرحباني، وهذا لا يغفل أعمالاً لآخرين لكنها خارج الإطار المعني بالتحولات المفارقة لا إعادة تدوير بعض المواضيع والعناصر بعزل معطياتها مثل: "بتندم" لسامي الصيداوي ووداد.

.. إذا كانت معادلات الغناء الفصيح، وقعت في تباين أساليب التلحين، من قصائد أو أناشيد أو مواويل، فإن ما قُدم في سياق الغناء الفصيح لبنانياً بدا مميزاً وخاصاً في إطار محلي، إن توفرت له ظروف القبول والاستمتاع بين فئات مستمعين منعزلة لم تخرج به إلى ما هو أبعد. إذ استطاعت المدرسة الغنائية في القاهرة تقديم نماذج كبرى وراسخة: محمد عبدالوهاب ورياض السنباطي كانت أمام التجارب العربية من الاستلهام أو التبعية، ولا يمنع أن تكون الأجيال منذ منتصف القرن الماضي لم تكن تعتني بهذا القالب من الغناء سوى حالات استثنائية ارتبطت بمرسيل خليفة وماجدة الرومي داخل لبنان، وفي خارجها: خالد الشيخ وفرقة أجراس.

.. أما الذي قدم في الساحة اللبنانية وقع ما بين انحباسه في أرشيف الإذاعات مثل أعمال زكي ناصيف، أو في إطار الغناء الحي الذي ارتبط في حفلات المناسبة التاريخية مثل أغنيات كثيرة غير متميزة أعطيت لفيروز من الأخوين رحباني، باستثناء المناسبة السياسية في أغنيات المدن العربية، التي تحمل بُعداً حضارياً، فوق ما تفهمه السياسيات غاشمة، مثل: القدس أو بيسان أو يافا أو مكة أو الاسكندرية.

.. وما بين بقاء الأغنيات من الشعر الفصيح رهينة الحالة الفنية المنزوية والمؤدلجة عند مرسيل خليفة والاستثنائية، التي ليس فيها تكريس تجربة الملحن نفسه بل هو جهد خاص عند ماجدة الرومي إنما بطلب منها مباشر من إحسان المنذر في "كلمات" أو جمال سلامة في "يا ست الدنيا، مع جريدة"، فإن بقاء حالة الموال كانت الطريقة المناسبة لدخول مروان خوري في أغنيته: "كل القصائد" عبر موال من الشعر الفصيح الذي يحمل ملامح فترة الشعر المملوكي والعثماني في إحدى ذراه الكلاسيكية:

"آه على قلب هواه محكم

فاض الهوى منه فظلما يتكم

ويحي أنا بحت لها بسره

أشكو لها قلباً بنارها مغرم

ولمحت من عينيها ناري وحرقتي

قالت على قلبي هواها محرم

كانت حياتي ولما بانت بنأيها

صار الردى آه عليَّ أرحم"

.. كانت تلك الأبيات الأربعة تسبق الأغنية المكثفة في صيغتها التعبيرية سواء باللحن أو بالكلمة:

"كل القصائد من حلا عينيك

من دفا إيديك

كتبتن وقلتن:

هو دي القصائد مش حكي يا روحي

هو بكي القصائد

هو لك كلن.."

.. إذا كانت موجة غناء يوري مرقدي الأولى، في صيغتها المفتعلة بالفصحى والركيكة في استخدامها اللغوي شكلت إحدى رجفات طارئة لتصحي ساحة الغناء العربي خاصة في تقلص غناء القصيدة الفصحى عند خالد الشيخ (اعتماده استعادة أرشيف "وجوه - 1997") وتوقف ماجدة الرومي ( 1999- 2005) إضافة إلى تكرارية ممجوجة في التلحين مطلقاً عند كاظم الساهر، على وفرة النصوص التي يأخذها من الدواوين الشعرية أو التي تُكتب له حسب الطب.

---------

5- لطالما صار صغار الرحابنة، غير عاصي وزياد، يعيشون على لحم هذين الاثنين، يكفينا طريقة منصور الرحباني في حواراته المستنجدة باستدعاء الاتحاد المستحيل بينه وبين عاصي، أو طريقة إدعاء إلياس، الأخ الأصغر لهما، من خلال إلصاق نفسه، اسمياً، بذلك الزخم الذي انفجر منذ الخمسينات حتى أواسط السبعينيات المتكئ على عمل عاصي نفسه وحنجرة فيروز، ومن ثمَّ ذلك الحرج الفني الذي يقع فيه أسامة، ابن منصور، أو غسان ابن إلياس، إزاء تفاوت المستوى والقيمة بما يقدمه زياد وحده أو ما أكملت به فيروز مشوارها وزياد لا سواه.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    في السبت الماضي قرأت الجزء الأول وأنتظرت هذا الجزء طويلاً وبلهفة طالعته فكيف أصفك ياملك الأحساس، مروان حالة خاصة أخذنا معه لعالم كل احساس، لاأدري أي مرأة تلك التي لم تجد فيه فارس أحلامها ولوعته، كم سألت نفسي هذا السؤال ولكن لو وجد مروان الاستقرار العاطفي لما أنتج لنا كل تلك الأغاني التي أحالت أحلامنا في الحب إلى واقع ملموس شكراً من القلب للأستاذ أحمد الواصل على كل مادونته مني نيابة عن نادي معجبين مروان خوري على الانترنت

    نوال - زائر

    03:22 مساءً 2006/07/01



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة