لاشك أن موضوع الأمن والتأمين بصفة عامة يحتل في العصر الحاضر أهمية بالغة وحاجة ملحة لدى جميع الدول والشعوب لذلك فإن كل منها يحرص على اعطائه الأولوية القصوى.
والأمن بصفة عامة يشمل طيفاً واسعاً من الفعاليات الحياتية التي تشمل عناصر ومفردات يأتي في مقدمتها الأمن العام، وذلك لأن الحياة لا تستقيم بدون السيطرة والتحكم بما يكفل الأمن للجميع وأمن المنشآت وتأمينها، خصوصاً المنشآت ذات الأهمية الحيوية والاستراتيجية مثل منشآت البترول التي يعتمد عليها الدخل القومي وبالتالي الاقتصاد الوطني ناهيك عن تأثر الاقتصاد العالمي بسلامتها، مما يجعلها هدف لكل حاقد وحسود ومتطرف وعميل ومخرب ا نعدم ضميره وباع أمته بأرخص الأثمان وخدم أعداء الأمة دون مقابل دنياوي أو اخراوي.
ولاشك أن الأمن المائي والأمن الغذائي والأمن الصحي والأمن الصناعي ردائف وشقائق لمفهوم الأمن العام خصوصاً أن كل تلك الأنواع من الأمن تزداد أهميتها مع زيادة عدد السكان وتقدم العمران واللذان يجب أن يوضع لنموهما وتوزيعهما على الرقعة الشاسعة للمملكة خطة استراتيجية تعزز من فعالية الأمن الوطني وتشد ازره.
نعم إن الأمن يمثل حاجة اساسية لبني البشر فبدون الأمن لا يمكن أن تكون هناك تنمية أو تقدم أو ازدهار وهذا ما يحاول أعداء الأمة إيقافه بعملياتهم الإرهابية التي تصدت لها حكومتنا الرشيدة ورجال الأمن البواسل بكل صلابة واقتدار ومهنية عالية أثارت إعجاب الأعداء قبل الأصدقاء.
وذلك لأن الأمن القومي المتمكن في العصر الحاضر يستحوذ على كل الاهتمام بسبب سيادة الفتن وانتشار الاضطراب وتصدير الإرهاب إلى جميع أنحاء العالم، وذلك بسبب الاتجاه المتنامي في بعض دول العالم لتطبيق شريعة الغاب والتي تديرها و تدفعها إلى ذلك قوى خفية تريد التحكم بمصائر الشعوب ومقدراتها دون مقابل و ذلك من خلال و ضع اليد واذا لم تستطع ذلك عمدت إلى وسائل أخرى متعددة يأتي في مقدمتها نشر الإرهاب ودعم التطرف وإشاعة الفساد، ولقد تمكنوا من زرع بوادر تلك الفتن في كل حدب وصوب بالتعاون مع منظمات الجريمة المنظمة أو غسيل الأموال، والاتجار بالمخدرات، وتهريب السلاح وغيرها من الوسائل غير المشروعة التي اشتهر بنو صهيون بإجادتها.
نعم إن من يمسك بحبال اللعبة العالمية الشريرة والذي تمكن من نشر شباكه من خلال التحكم بالخيوط التي تربط مصالح المنظمات غير الشريفة وغير الإنسانية أياً كانت جنسيتها أو وطنها أو دينها أو ثقافتها فلا حدود تفصل بين العاملين في دهاليز التآمر المظلمة.
لاشك أن كبر حجم المؤامرة يتطلب من المسؤولين القائمين على الأمن العام بصفة عامة وأمن المنشآت بصفة خاصة أن يعيدوا تقييم الوضع بما تتطلبه المرحلة من استعداد ووضع خطط أمنية أكثر تطوراً مما يتيح لهم أخذ زمام المبادرة، خصوصاً بعد أن مد الإرهاب المنظم يده واعتدى فعلاً على أمن المجتمع ومقومات حياته الأمنية والاقتصادية ولم يعد الأمر مقصوراً على بعض الانحرافات الفردية أو السلوك الإجرامي المعزول. إن الإرهاب المنظم يصبح أكثر تعقيداً إذا كان يتلقى دعماً خارجياً من قبل منظمات أو هيئات ضالعة بالإجرام تعمل وفق نظام دقيق وهدف محدد يمثل الإرهاب والتخريب أحد مقوماته ووسائله.
لذلك فإن إحساس الأفراد والجماعات التي يتشكل منها المجتمع في أي بلد من البلدان بالأمن والطمأنينة يحفزهم على العمل ويوفر لهم مناخ الاستقرار اللازم لاستمرار التنمية والإنتاج، وهذا يعني أن الأمن الحقيقي هو إحساس يملأ النفس بالشعور بالطمأنينة في الحاضر والمستقبل ذلك أن شعور الفرد بالأمن والطمأنينة على نفسه وماله وعرضه هو الغاية من كافة الإجراءات الأمنية، وهذا بالطبع ما تسعى حكومتنا الرشيدة من أجل استمراره وتوطيده مما جعل المملكة مثلاً يحتذى بالأمن والأمان والاستقرار.
ولاشك أيضاً أن المهمة الأولى لأجهزة الأمن هي اجراءت منع الجريمة قبل وقوعها أما ما يعقب وقوع الجريمة من ضبط وملاحقة واعتقال وتحقيق فإنه يأتي في المرتبة الثانية، لهذا فإنه يمكن القول إن الإجراءات الأمنية الوقائية التي تمنع وقوع الجريمة هي المعيار العلمي الحديث الذي يجب أن نبني عليها جميع الخطط الأمنية المختلفة سواء كانت تلك الخطط لتأمين مجتمع أو مكان أو منشأة معينة.
إن الأمن والسلامة الصناعية قفزت إلى المقدمة في العصر الحاضر وهذا يعكس ما طرأ على الصناعة الحديثة من تطور تكنولوجي سريع كشف عن العديد من الأخطار التي لم تكن معروفة من قبل والتي جعلت معالجة آثاره والوقاية منها من الأمور المعقدة التي تحتاج إلى جهد ودراسة ومثابرة من أجل الوصول إلى حلول إيجابية آمنة تضمن السيطرة على تلك المخاطر والحد من مضاعفاتها.
إن توفر وسائل السلامة الصناعية في مواقع العمل وأمن المنشآت والاهتمام بهما يهدف في المقام الأول إلى حماية عناصر الانتاج الرئيسية من عمال وآلات وخامات ومنتجات. لذلك فإن تلك الاجراءات تهدف إلى حماية الوظيفة الاجتماعية والوظيفة الاقتصادية للانتاج والتي تكون محصلتها تنمية الاقتصاد القومي وتحقيق الرفاه الاجتماعي.
ولاشك أن المنشآت يمكن أن تتعرض لأنواع عديدة من المخاطر ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر مايلي:
@ مخاطر من صنع الإنسان ويأتي في مقدمتها الاعتداءات الإرهابية عن طريق التخريب أو التفجير أو الحرائق أو غيرها من العمليات التخريبية مثل السرقة والتسيب والإهمال ومن الأمثلة على ذلك محاولة الاعتداء الآثم الذي تعرض له مجمع بقيق للبترول والذي تم إحباطه من قبل رجال الأمن البواسل ورجال أمن الحراسات الأمنية التابعين لشركة أرامكو السعودية الأكفاء.
نعم لو نجح ذلك الهجوم الإرهابي لأدى ذلك لفاجعة مروعة على المستوى المحلي والعالمي ولكن الله ستر وسلم والهم رجال الأمن البواسل الصواب وسرعة التعامل مع الحدث.
@ مخاطر طبيعية مثل الزلازل، والعواصف، والسيول، والبراكين، والصواعق، والأعاصير، ومن الأمثلة على ذلك ما تعرضت له ولاية ميزوري في أمريكا من عواصف بحرية متتالية كان أشدها وأنكاها عاصفة كترينا الجبارة التي أغرقت المدن وشردت السكان وأدت الى توقف المنشآت البترولية والكهربائية عن العمل.
@ أخطار تعود إلى طبيعة النشاط الصناعي الذي تتم مباشرته في المنشأة ومن تلك الأخطار: التلوث الكيميائي، التلوث الإشعاعي، التلوث البيولوجي، الانفجارات ومن الأمثلة على ذلك انفجار مفاعل شيرنوبل النووي في روسيا والذي عمت أضراره مناطق مختلفة من العالم، وحادث جزيرة الأميال الثلاثة في أمريكا حيث تسرب الاشعاع من المفاعل النووي المقام هناك، أما التلوث الكيميائي فإن حادث انفجار مصنع شركة يونيون كربايد في مدينة بوهابل الهندية لا يزال عالقاً في الأذهان حيث راح ضحيته عشرات الآلاف من السكان والمساكن.
نعم إن استهداف المنشآت الحيوية وخصوصاً البترولية منها من قبل المنظمات الإرهابية يدخلنا في معمعة جديدة وفلسفة جديدة يجب أن نحسمها لصالحنا من خلال وضع تصور شامل لكل الاحتمالات الممكنة والمبتكرة التي يمكن أن يسلكها الإرهابيون ومن يقف خلفهم بالدعم والتخطيط لتحقيق أهدافهم التخريبية وبهذا الصدد يجب أن لا ينصب تفكيرنا على العمليات الإرهابية والتخريبية المحتملة فقط، بل يجب علينا أن نعيد حساباتنا بكل ما يتعلق بمنشآتنا الحيوية وأن نجعلها أكثر أماناً ليس من خلال تكثيف الحراسة فقط ولكن من حيث توزيع المخاطر سواء كان ذلك لمواجهة الإرهاب أو احتمال حدوث نزاع جديد في منطقة الخليج، خصوصاً أن منطقة الخليج العربي مرت بثلاثة أحداث جسام تمثلت في حرب الخليج الأولى (العراق وإيران) وحرب الخليج الثانية (احتلال الكويت ومن ثم تحريرها) وحرب الخليج الثالثة (احتلال العراق)، واليوم تلوح في الأفق أزمة خليج رابعة تتمثل في احتدام الخلاف حول الملف النووي الإيراني والحاصل بين الغرب من جهة وايران من جهة أخرى.وإذا كانت منشآتنا الحيوية قد سلمت في المرات السابقة فهذا لا يعني أنها سوف تسلم في المرات القادمة لا قدر الله ما يوجب اعادة النظر بمجمل استراتيجيتنا البترولية من جميع النواحي.
وعلى العموم فإن هناك جملة من الاستراتيجيت ذات المساس بالأمن القومي يجب أن يتم النظر إليها طبقاً لمعطيات المرحلة وما انبثق عنها من مخاطر. ولعل من أهم تلك الاستراتيجيات مايلي:
@ الاستراتيجية الأولى: لقد أثبتت الدولة بقيادتها الرشيدة قوة الشكيمة والارادة وجاهزية رجال الأمن البواسل ورجال أمن المنشآت من خلال إحباط العمليات الإرهابية المختلفة ويأتي في مقدمتها إحباط العمل الإرهابي الذي استهدف مجمع ابقيق للبترول. ولكن "رب ضارة نافعة" كما يقول المثل فاستهداف مجمع ابقيق البترولي يجب أن يفتح العيون على مجموعة من الأبواب المغلقة والمسكوت عنها. فلا أخفيكم اننا تألمنا من العمل الإجرامي الإرهابي ألماً شديداً ولكننا صعقنا أكثر عندما علمنا أن (70%) من البترول السعودي يتم تجميعه وتوزيعه من موقع واحد فقط هو مجمع بقيق ذلك أن مثل هذا الأسلوب يعني أننا نضع البيض في سلة واحدة والأدهى الأمر ان مثل ذلك الأمر يجب أن يكون من الأسرار التي يجب أن لا يعلمها إلا عدد قليل من التنفيذيين في شركة أرامكو. ولكن بدلاً من ذلك نسمع جميع التفاصيل الاستراتيجية على الفضائيات نعم ان أي ضرر عميق يمكن أن يلحق بمجمع بقيق بضخامته وأهميته سوف يشكل ضربة مدمرة بالنسبة لاقتصاد المملكة بصورة خاصة والاقتصاد العالمي بصورة عامة لذلك فلابد من إعادة النظر فوراً بمجمع ابقيق البترولي وذلك من خلال انشاء مناطق تجميع وتوزيع مساندة متعددة ومتباعدة ومحصنة ويشكل كل منها ظهيرا وداعما لمناطق التجميع والتوزيع الأخرى وذلك للتمكن من التحكم والسيطرة على أي ضرر أو حدث يحدث في أي موقع تجميع وتوزيع حيث يمكن إغلاقه فوراً وتحويل نشاطه الى المناطق المساندة الأخرى.
نعم إن هذا الهدف يجب أن ينظر إليه كهدف استراتيجي بغض النظر عن التكلفة المالية ذلك أن الخسارة التي تخسرها لو نجح استهداف مجمع بقيق البترولي سوف تكون أكبر.
@ الاستراتيجية الثانية: منذ اكتشاف البترول في المملكة العربية السعودية وخط التصدير الرئيسي له يمر عبر الخليج العربي مروراً بمضيق هرمز وهذا الأمر مر بسلام في أغلب الأوقات ومر ببعض الصعوبات التي مرت على منطقة الخليج مما ادى الى انشاء خط النقل البترول شرق المملكة الى ساحل البحر الأحمر في ينبع وبما أن منطقة الخليج اصبحت مستهدفة منذ عام 1980فما ينتهي تهديد أو مشكلة حتى يتلوه تهديد وخلق مشكلة جديدة فاليوم تلوح في الأفق بوادر أزمة خليجية قادمة تتمثل في احتدام الخلاف بين الغرب وإيران حول ملفها النووي والذي حدا بالغرب بالتهديد بالمقاطعة والحصاروربما العمل العسكري وحدا بإيران بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز ومنع تصدير البترول من الخليج وربما اللجوء الى ضرب منابع النفط في حالة وصل النزاع الى العمل العسكري.
نعم إن كل ذلك وما سبقه من أحداث على مدار ثلاثة عقود يدعونا إلى أن نعيد رسم خططنا الاستراتيجية وفقاً لمتطلبات المرحلة الزمانية والمكانية والسياسية والعسكرية ووفقاً للمصالح المحركة لهذه الأحداث.
لذلك يجب علينا أن نعمل على ايجاد وسائل ومعابر ومخارج داعمة لطريق تصدير البترول. وربما يأتي في مقدمة ذلك أن ندعم خط نقل البترول من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي بعدد أكبر من خطوط الأنابيب العملاقة تمكننا من تصدير أكبر كمية ممكنة من البترول عبر سواحل البحر الأحمر عند الضرورة.
نعم إن تصدير بترولنا عبر سواحل البحر الأحمر سوف يجعل بترولنا منافسا لبترول دول البحر الأبيض المتوسط من حيث قربه من الدول الأوروبية والشرقية. ليس هذا وحسب ولكن يجب العمل على ايجاد وسيلة لتصدير بترولنا من سواحل البحر العربي. وهذا الحلم يجب أن نسعى الى تحقيقه من خلال ابرام اتفاق تعاون مع سلطنة عمان الشقيقة وذلك في اطار مجلس التعاون ووفقاً للطرق والسبل المتعارف عليها دولياً، كما أن محاولة الأمر نفسه مع اليمن أمر في غاية الأهمية خصوصاً أن المملكة تربطها باليمن مجموعة من الاتفاقيات التي يمكن أن تجعل مثل هذا الأمر ممكناً وليس مستحيلاً.
إن خطوط نقل البترول والغاز عبر الدول أصبح ظاهرة معروفة وواقعاً ملموساً تخطت فيه المصالح كل الحواجز الجغرافية والأيدلوجيات والحدود والمسافات والاختلافات مهما كبرت أو صغرت. فهل يصبح التعاون بين الدول العربية سمة المستقبل؟ نعم لقد أثبتت حكومتنا الرشيدة استشرافها لآفاق المستقبل والاستعداد له منذ وقت مبكر وخير شاهد على ذلك مشروع الخزن الاستراتيجي لمشتقات البترول في مناطق مختلفة من المملكة والعمل على سد الحاجة من مياه الشرب عن طريق تحلية مياه البحر والعمل على ايجاد قاعدة زراعية تفي بمتطلبات الأمن الغذائي سدد الله خطى قيادتنا الرشيدة بقيادة الملك عبدالله بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز حفظهما الله. والله المستعان.
hluhaidan@alriyadh.com