حذر رئيس بعثة الأمم المتحدة في كوسوفو سورين جيسن بيترسن الحكومة الصربية من الاستمرار في سياستها الحالية حيال إقليم الإقليم،وقال إنها تعقد المفاوضات الدائرة لتحديد وضعه النهائي.
وقال بيرسن إن سلطات بلغراد طالبت الموظفين ذوي الأصول الصربية في كوسوفو بالاستقالة من عملهم مع المنظمة الدولية "وإلا فقدوا وظائفهم في بلغراد"، وأكد بيرسن أن "هذه السياسة تحرم صرب كوسوفو من المشاركة في تحديد مستقبل الإقليم".
وكانت الأمم المتحدة قد قررت في منتصف يونيو الجاري تأجيل الانتخابات البلدية في الإقليم التي كان مقررا عقدها هذا العام بسبب المفاوضات الجارية بشأن الوضع النهائي. وقالت المنظمة الدولية إن الانتخابات ستنظم خلال ثلاثة أو ستة أشهر من تحديد وضع الإقليم المقرر أن يتم قبل نهاية هذا العام.
وكان زعماء الصرب في كوسوفو قد حذروا الأمم المتحدة من انقسام الإقليم إذا أصرت الأكثرية الألبانية على إعلان الاستقلال خلال محادثات السلام.ويقاطع صرب كوسوفو المؤسسات الحكومية في العاصمة بريشتينا على أمل أن يؤدي ذلك إلى تأخير أو منع استقلال الإقليم. ويعيش في كوسوفو نحو 200ألف صربي أي ما نسبته 10% من سكان الإقليم.
وفي مارس الماضي، فشل مسؤولون من صربيا وكوسوفو في التوصل إلى اتفاق بشأن استقلال الإقليم.ووصف الوسيط الدولي ألبرت روهان الجولة الثانية من المحادثات المباشرة بين وفدي بلغراد وبريشتينا ،التي تمت برعاية الأمم المتحدة. بأنها "بناءة للغاية". وقال إن قضية استقلال الإقليم قد نوقشت من دون حل الخلافات الجوهرية في هذا السبيل.وقد بحث الصرب وسكان كوسوفو سبل "التوصل إلى اللامركزية وتمويلها ومسألة تمويل البلديات من الخارج" من قبل بلغراد، وخاصة المدن التي تسكنها أقلية صربية.
ويرى الدبلوماسيون الذين يمثلون الولايات المتحدة وبريطانيا في النقاشات الدولية الخاصة بمستقبل الإقليم بأن الحل الوحيد الذي سيقبله ألبان كوسوفو هو الاستقلال. بيد أنهم يشددون على ضرورة أن تقدم الدولة الجديدة، في حال قيامها، ما يكفي من ضمانات للأقلية الصربية في الإقليم. وعلاوة على ذلك، تسعى الحكومات الغربية أيضاً إلى إيجاد حل عاجل للنزاع لأنها قلقة إزاء نفقات تمويل قوات حفظ السلام والموظفين الدوليين، الذين يديرون الإقليم حالياً.
وفي العام 1991تم التخلي عن مبدأ تقسيم يوغوسلافيا من خلال اتفاق سياسي تفاوضي وحسب. والصيغة التي تطرحها صربيا على كوسوفو اليوم هي: "أقل من الاستقلال وأكثر من الحكم الذاتي". وهي تطالب بضمانات أمنية للأقلية الصربية والمعالم الثقافية، علاوة على السيطرة على الحدود مع ألبانيا ومقدونيا.
وفي الخلفيات الأكثر تجدرا، يمكن القول إن تدخل الناتو في كوسوفو يقدم مثالاً لعدد من الحكومات التي اختارت أن تنتهك سيادة حكومة أخرى (الصرب) لمنعها من التطهير والإبادة العرقية. وعلى النقيض من هذا، كان القتل الجماعي في رواندا بمثابة التأكيد على الثمن الباهظ الذي قد يترتب على التعظيم من شأن السيادة، وبالتالي القيام بالقليل من أجل منع ذبح الأبرياء.ومن هنا يجب أن يكون تفسير مفهوم السيادة مشروطاً، بل وحتى تعاقدياً، وليس مفهوماً مطلقاً. فإذا ما أخفقت دولة ما في الوفاء بجانبها من الاتفاق، مثل شن حرب تطهير عرقي، فهي بهذا تخسر الفوائد المعتادة المترتبة على السيادة.ويتلخص التحدي الدبلوماسي في هذا العصر في اكتساب تأييد واسع النطاق للمبادئ التي تحكم سلوك الدولة واتخاذ الإجراءات الضرورية لتقرير العلاج اللازم حين تنتهك هذه المبادئ.ولابد وأن يكون الهدف من هذا إعادة تعريف مفهوم السيادة في عصر العولمة، وإيجاد نوع من التوازن بين عالم تتمتع كل دولة فيه بسيادة كاملة، وبين نظام دولي إما أن تحكمه الفوضى أو حكومة عالمية.هذا مع ضرورة المحافظة على الفكرة الأساسية وراء مفهوم السيادة، والتي ما زالت تشكل عائقاً مفيداً أمام اندلاع الحروب بين الدول.
وبعد سبعة أعوام من تدخل الناتو، ما زالت كوسوفو تبدو بعيدة عن الاستقرار والسلام الاجتماعي كما كانت الحال منذ أمد بعيد. وعلى الرغم من التأكيدات المتكررة من قِبَل سلطات الأمم المتحدة بشأن اتخاذ كوسوفو مساراً ثابتاً نحو التسوية وحل النزاع والنجاح في حكم الذات على نحو حقيقي أصيل، إلا أن مسؤولي الناتو يشيرون إلى خطط للإبقاء على تواجد عسكري طويل الأمد في المنطقة من أجل "ضمان نجاح العملية السياسية".
وإذا كان لأي تدخل دولي أن يُكءتَب له تحقيق أي قدر من النجاح، فإن وضع المعايير الواضحة لمقومات "النجاح" أمر مطلوب وضروري منذ البداية.ومثل هذا الوضوح فقط هو الذي من شأنه أن يسمح بوضع نهاية حسنة لتدخل الجهات الدولية. وفي كوسوفو فان هذا الوضوح لازال غائباً؛ ونتيجة لهذا فقد بات الناتو والأمم المتحدة بلا فكرة جلية عن موعد محدد لخروجهما من كوسوفو أو الكيفية التي ينبغي لهما أن يخرجا بها.
وترى بعض الدراسات أنه المرجح أن يتم السماح للإقليم بالانفصال عن صربيا رسمياً ليصبح دولة مستقلة، حيث يبدو أن أعضاء مجلس الأمن الدولي يميلون إلى السماح لكوسوفو بالاستقلال. ومن المرتقب أن يصوت المجلس على مصير كوسوفو بنهاية العام الجاري، اللهم إلا إذا توصل الصرب وألبان كوسوفو، الذين دخلوا في مفاوضات منذ عدة أشهر إلى حل، وهو ما لا تبدو آفاقه واضحة.
وعلى الرغم من ذلك، فان دولاً قوية في المجتمع الدولي تخشى أن تشجع خطوة من هذا القبيل حركات انفصالية في أماكن أخرى من العالم على تكثيف صراعاتها، وبالتالي أن تمنح المجموعات الانفصالية الناشئة أملاً في الانفصال. وفي سابقة من نوعها، أشارت روسيا التي كانت تعارض بقوة استقلال كوسوفو، إلى إنها قد ترحب بانفصال حركات موالية لروسيا في كل من جورجيا ومولدوفا.
ولقد عملت الدول الست التي تشرف على وضع مخطط لمستقبل كوسوفو - وهي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وألمانيا وروسيا - على تنسيق السياسة الدولية هناك منذ أن أصبح الإقليم خاضعاً لمراقبة الأمم المتحدة، حيث أعلن ممثلو هذه الدول أنهم سيحاولون صياغة قرار لمجلس الأمن الدولي يكون خاصاً بالإقليم وعلى نحو يتلافى تشجيع حركات انفصالية أخرى.
وقد أصبحت كوسوفو بمثابة تجربة دولية في بناء المجتمعات، تحت قيادة بعثة الإدارة المؤقتة التابعة للأمم المتحدة (UNMIK).و"التجربة" هي التعبير الصحيح هنا. والحقيقة أن كوسوفو قد أصبحت بمثابة وعاء استزراع لاختبار مدى نجاح التدخل الدولي.
ومن الواضح أن الحاجة إلى التدخل الدولي في وقت الأزمات تكون في أغلب الأحوال محدودة بوقت معين وكثيراً ما تحتاج إلى استجابة سريعة. ومن الأهمية بمكان أن تتركز مناقشة السياسة الدولية على الحرص على الانتشار السريع لحضور مدني وأمني مترابط في المنطقة المعنية. ويصدق هذا التوجه على نحو خاص حين تتسبب نزاعات عرقية أو طائفية في معاناة إنسانية، كما كانت الحال في كوسوفو.
وباستثناء سلوفينيا، فإن التحول الديمقراطي في منطقة ما بعد يوغوسلافيا ما زال يواجه العديد من الصعوبات، فالحروب، والتطهير العرقي،وقرارات الحظر، والعقوبات، كل ذلك لم يؤد فقط إلى إصابة نفسية عميقة، بل لقد أسفر أيضاً عن نشوء الأسواق السوداء، وانتشار التهريب، واستشراء الفساد وحكم المافيا.
إن الانتشار الفوري لحضور مدني وأمني كافٍ أثناء الشهور التي أعقبت عمليات القصف التي قام بها الناتو في عام 1999مباشرة، ربما كان من العوامل القوية التي كان من شأنها أن توفر الآليات الوقائية المناسبة ضد ردود الفعل غير المنضبطة، فقد استمر التوتر العرقي في الإقليم وأودى اندلاع العنف ضد السكان الصرب في 17مارس عام 2004بحياة 19شخصا وأصيب خلاله العديد من السكان الآخرين واحترقت مئات المنازل وعشرات الكنائس، كما أن إقامة المسلمين في مناطق الأغلبية الصربية تبدو شبه مستحيلة.
وعلاوة على الافتقار إلى الحضور المدني والأمني الكافي، فقد أدى الافتقار الكلي للآليات القانونية اللازمة لتحقيق العدالة السريعة في مواجهة الجرائم التي ارتكبت أثناء وبعد التدخل العسكري إلى تصاعد التوتر بدلاً من تهدئته. ولقد بلغ هذا التوتر من الحدة والانتشار درجة جعلت من غير الممكن حتى مجرد الشروع في عمليات المصالحة وتسوية النزاعات الملحة التي أصبح من المفروض الآن إرجاؤها إلى المستقبل.
إن الافتقار إلى البصيرة السليمة بشأن التخطيط للعمل اللازم في أعقاب أي تدخل عسكري مسلح ليس خطيراً وحسب بالنسبة للناس الذين "أنقذوا" في ظاهر الأمر؛ بل إنه أيضاً هدّام ومعوق لأي جهود للبناء. وما لم يتم تنظيم التدخل لأسباب إنسانية على نحو يضمن قدراً أساسياً من الأمن، فإن العداوات الضمنية التي دعت إلى التدخل في المقام الأول سوف تتعزز ولن تتقلص أو تزول.
إن قادة الصرب، الذين لم يتجاوزوا بعد الآثار النفسية لانفصال الجبل الأسود هذا الشهر عن صربيا ويعارضون بقوة انفصالاً آخر، يرون أن استقلال كوسوفو من شأنه أن يشجع على تفكك البوسنة والهرسك، وهي إحدى الجمهوريات اليوغسلافية الأخرى. وفي هذا السياق، قال ميلوراد دوديك رئيس جمهورية صرب البوسنة -وهي المنطقة التي استولى عليها صرب البوسنة خلال حرب 1992- 1995م إن المنطقة ينبغي أن "تؤكد على حق تقرير المصير" عبر إجراء استفتاء. ويذكر أن تلك الجمهورية ظلت جزءاً من البوسنة منذ نهاية الصراع، غير أن العديد من ساسة صرب البوسنة أعربوا في أكثر من مناسبة عن أملهم في الاتحاد مع الجارة صربيا. والواقع أن من شأن الاستفتاء تفكيك البوسنة وإثارة أعمال العنف من جديد.
وقد أشار بعض الساسة في صربيا إلى أن كوسوفو نفسها ينبغي تقسيمها بحيث يُسمح للشمال ذي الأغلبية الصربية بأن يظل جزءاً من صربيا، في حين يشكل الجنوب ذو الأغلبية الألبانية حكومته الخاصة. وفي هذا السياق، قال سيدومير أنتيك، العضو في حزب "جي 17" المشارك في الائتلاف الحكومي في بلغراد: "إذا كان الألبان يرغبون في الاستقلال، فربما يتعين عليهم تقديم شيء ما كمقابل".
على صعيد آخر، يمكن النظر إلى سجل المحكمة الدولية لجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة (ICTY)، والتي تتخذ من لاهاي مقراً لها، كنموذج للحكم على الإستراتيجية المبنية على استخدام هذه المحاكم كجزء من الجهود الرامية إلى إنهاء الحروب الأهلية أو أي حروب أخرى.
لقد استقبل العالم قرار مجلس الأمن بإنشاء هذه المحكمة بالترحاب والثقة.ولقد اتخذت تلك المحكمة عدة قرارات تأسيسية تحت قيادة أنطونيو كاسيس. لكن تحقق ابرز أهداف القضاة، وهي محاكمة سلوبودان ميلوسيفيتش أمام محكمتهم كان بمثابة الكابوس بالنسبة لهم.ولم يكن الخوف من التأثيرات السياسية بقدر ما كان من الاستغراق في الشكليات القانونية. لقد كان من الضروري أن تتم محاكمة ميلوسيفيتش بصورة عادلة، وكان من المهم لهذه المحاكمة أن تجسد عدالة الأمم المتحدة. ومن هذا المنطلق فقد سُمِح لميلوسيفيتش بالدفاع عن نفسه. ولكن المحكمة لم تضع حداً لعدد الشهود الذين تم استدعاؤهم من قبل الادعاء للإدلاء بشهاداتهم بشأن العدوان الصربي ووحشيته.
ولم يكن الكروات والمسلمون في البوسنة وكوسوفو وحدهم ضحايا ميلوسيفيتش، بل إن منتقدي ميلوسيفيتش وخصومه السياسيين الصرب مثل الصحافي سلافكو كوروفيجا وإيفان ستامبوليك، المعلم السابق لميلوسيفيتش، قد اغتيلوا على أيدي عملاء من قوات الشرطة الصربية، التي حاولت أيضاً اغتيال زعيم المعارضة فوك دراسكوفيك ثلاث مرات.
لقد تأثر المسؤولون عن هذه المحكمة أكثر مما ينبغي بلجنة السلام والمصالحة في جنوب أفريقيا، التي كانت بمثابة نموذج دُرِّس في كليات الحقوق باعتباره البديل المرغوب للعدالة الانتقامية، ففي محاكمات جنوب أفريقيا لم تكن المسألة الأكثر أهمية تقرير مستقبل المتهم، بل الإقرار بماضي الضحايا، فكان كل من الضحايا يجلس ليقص على المحكمة ما جرى له بينما ينصت المتهم إليه.وفي حالة المذابح التي شهدها القرن العشرون، فإن مثل هذه القصص قد تستمر لعقود من الزمان. والحقيقة أن تشجيع الضحايا على الحديث ثم إعطاء المتهم الحق في مقاطعة الإجراءات باعتراضات تكتيكية يتخللها تعديد لمناقبه كزعيم سياسي، قد شكل الصيغة المناسبة لتعطيل إجراءات العدالة إلى ما لا نهاية.
وخلال ثلاثة عشر عاماً، أنفقت المحكمة، والتي بلغ عدد موظفيها 1200موظف، ما يقرب من 1.25مليار دولار أميركي من أجل إدانة عدد ضئيل من مجرمي الحرب.
إن الدرس المهم الذي ينبغي تعلمه من محاكمة ميلوسيفيتش، كما من محاكمة صدّام حسين حاليا، هو أنه لا يجب تقديم الناس للمحاكمة بغرض القضاء على جاذبيتهم الشخصية لدى الجماهير، فهذا من شأنه أن يمنحهم الفرصة لقلب هذه المحاولة واستخدام قاعة المحكمة لتبرئة ساحاتهم. ولابد أن تتم محاكمة المجرمين بعد هزيمتهم فكريا وقانونيا بصورة واضحة. إن المعضلة المتعلقة بمحاكمتي ميلوسيفيتش وصدّام تتلخص في أن التاريخ ذاته هو الذي كان ماثلاً أمام المحكمة. وإن التردد والحيرة اللذين أحاطا بالمسؤولين عن هاتين المحاكمتين كانا بمثابة الأساس لإجراءات قضائية، على الصعيدين الدولي والوطني، من شأنها أن تمنح المتهم الفرصة للاستغراق في أوهام التبرئة والعودة.
وفي العودة إلى قضية كوسوفو ذاتها، يمكن القول إن استقلال الإقليم هو اليوم أحد الاحتمالات وحسب، وإن بدا للبعض راجحا. بيد أن تقسيم كوسوفو يبقى خيارا قائما هو الآخر.وبالنسبة للمسلمين في المنطقة، فإن إقليما آخر هو ساندجاك قد تقرر تقسيمه فعليا بعد استقلال مونتينيغرو عن صربيا.وبذلك تقطعت السبل بسكانه وجلهم من المسلمين، إذ باتت أسرهم موزعة بين دولتين.