الرئيسية > مقالات اليوم

أزيلت البيوت وتاريخ أهلها باقٍ


يوسف القبلان

قال لي الصديق الأستاذ حمد القاضي وهو يقدم لي العزاء في وفاة خالي حمد بن عبدالرحمن الغرير بأنه إذا كانت البيوت القديمة في عنيزة قد أزيلت فإن ذكرى وتاريخ أهلها لا يزولان، ومن هؤلاء ابن عنيزة الطيب ورفيق الشيخ محمد بن عثيمين، حمد بن عبدالرحمن الغرير الذي عرف بالطيبة والبساطة، والوسطية في الدين، والاعتدال في كل شيء، وحسن التعامل مع الجميع.

الفقيد الذي توفي عن عمر يناهز 65عاماً، كان المؤذن الرسمي لمسجد الجعيفري في عنيزة منذ عام 1387ه لمدة أربعين عاماً، وكان ينوب قبل ذلك عن المؤذن السابق للمسجد. وكان يتميز بحرصه على الالتزام بالوقت بدافع من رقابة ذاتية وهبه الله إياها منذ طفولته.

هذه الرقابة الذاتية جعلت منه نموذجاً إنسانياً في التعامل والسلوك الإسلامي الراقي، الذي جعل منه انساناً يعبد الله على بصيرة ولا يتدخل في شؤون الآخرين، ولا يسيء إلى أحد، ولا يدعي العلم، ولا يفتي بما لا يعرف، وإذا أراد أن يمارس شيئاً من السخرية فإنه يسخر من نفسه، وخاصة في قيادة السيارة بحكم نظره الضعيف، أو تعامله مع التقنيات الحديثة (وهو بالمناسبة لديه دش في البيت لمشاهدة الأخبار) أكتب عنه اليوم كنموذج يحتذى وليس كإنسان تربطني به علاقة قرابة. أكتب عنه كتجربة، وسلوك، ومثال بل ظاهرة تستحق التوقف.

أقول ذلك وأعلم أن هناك من سوف يسأل عن إنجازاته العلمية أو مساهماته الاجتماعية فأوضح أنه لا شأن لي بذلك وليس هذا ما دفعني للكتابة عنه، وعندما أقول إنه ظاهرة فأنا أقصد ظاهرة سلوكية نادرة في عصر كثرت فيه المؤثرات والمتغيرات، وتعامل معها بكل ثبات وثقة على مر السنين كان الفقيد يعمل في المكتب السري لإمارة عنيزة واتسم عمله بالأمانة والمحافظة على سرية العمل وهي من أهم الواجبات الوظيفية، واخلاقيات العمل، وهي قبل ذلك نابعة من معين أخلاقيات الإسلام التي أنتمى إليها الفقيد كقيمة يؤمن بها ويمارسها في شؤونه، وكانت سر نقائه، وقناعاته، وسعادته.

وكما قال أحد الحكماء مخاطباً الباحثين عن السعادة "إنكم لا تجدونها في الترفه، ولا في جمع المال، ولا في جميع لذات الجسد، ولا في الشهرة لأن مصدرها القلب الطاهر".

ومن منبع تلك القيم الاسلامية العظيمة التي شكلت أخلاقيات الفقيد كان تعامله مع أبنائه عنوانه الثقة، والموعظة الحسنة، والحكمة.

لا أحد بطبيعة الحال يعرف هذا الرجل خارج مدينة عنيزة، فهو غير مشهور ولا يبحث عن الشهرة، ومثله كثيرون ممن لا نعرفهم، ويعرفهم المقربون منهم ولأنهم غير معروفين وجب أن نكتب عنهم للعبرة والفائدة، وإذا نظرنا إلى بعض الظواهر الاجتماعية في السنوات الأخيرة نلاحظ كيف اتجه بعضنا إلى التطرف في الدين أو التطرف بعيداً عن الدين، وفي بعض الحالات ينتقل الشخص من الحالة الأولى إلى الثانية أو العكس. أما في حالة الفقيد حمد الغرير فهو محافظ على موقفه المعتدل منذ طفولته وحتى مماته، ورغم تدينه الواضح القوى منذ الطفولة فإنه لم يصل إلى درجة الغلو، ولأنه رجل يعطي أكثر مما يأخذ فلم تكن صحته ذات أولوية وقد يكون هذا أحد الأسباب التي أدت إلى فقدانه لبصره عام 1421ه. لكنه فقد البصر ولم يفقد البصيرة، ولم تؤثر عليه خسارة نعمة البصر واحتفظ بإيمانه، ونفسيته السمحة، وقبوله لقضاء الله وقدره، واحتفظ بإرادته وتواصله مع الناس، وعلاقاته، وأعماله، وروحه المرحة.

هذه الروح تعيدني إلى سخريته من قيادته للسيارة ومثال ذلك هذا الموقف الطريف الذي رواه لنا الفقيد مع الشيخ محمد بن عثيمين.

يقول الفقيد إنه كان يقود السيارة ومعه الشيخ محمد بعد وجبه عشاء، ولم ينتبه الفقيد لمطب صناعي في الشارع فقفزه بسرعة أدت إلى سقوط غترة الشيخ، وعلق الشيخ على هذا الموقف قائلاً: "أنت يا حمد اللي يبي يخرط عشاه يركب معك".

رحم الله الفقيد رحمة واسعة وألهم ذويه الصبر والسلوان. {إنا لله وإنا إليه راجعون}.

yalgoblan@alriyadh.com

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    أحسن الله عزائكم في وفاة الشيخ حمد، ورحم الله الشيخين محمد بن عثيمين وحمد بن غرير وجميع موتى المسلمين.

    سلمان العنزي - زائر

    12:50 صباحاً 2006/07/01


  • 2
    رحم الله هذا الانسان الذي نفتقد امثاله في مجتمعنا الحديث والهم اهله الصبر والسلوان واسكنه الله فسيح جناته وسقاه من حوض الكوثر ان شاء الله امين

    عبدالله الخلاقي - زائر

    04:02 مساءً 2006/07/02



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة