بحث



السبت 28 جمادى الأولى 1427هـ - 24 يونيو 2006م - العدد 13879

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


قروض طلابية لتطوير التعليم العالي الأهلي..

د. مشاري عبدالله النعيم
    (1)

خلال الشهور القليلة الماضية بدأت تظهر على السطح بوادر «تعليمية» غير تقليدية، اقول هنا بوادر رغم ان بعضها تحول إلى مبادرات ايجابية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى (مثل مبادرة تقديم قروض للطلاب التي سوف يتحدث عنها هذا المقال). ففي كل اسبوع هناك ندوة حول التعليم وفي كل جامعة هناك حديث حول التغيير «الاكاديمي» المنتظر بل حتى في الجلسات الخاصة هناك شعور بأن التعليم العالي يمر بمرحلة تغيير، البعض يقول ان كثرة الندوات هي بفعل «مشروع افاق» الذي تبنته وزارة التعليم العالي من اجل وضع استراتيجية لتطوير التعليم العالي خلال الخمسة وعشرين سنة، وانا اقول ربما؟.

والحقيقة انني شاركت في العديد من الندوات التي عقدها مشروع افاق وآخرها قبل عدة ايام هنا في مدينة الخبر وكان الموضوع حول تطوير الاستاذ الجامعي وشارك في اللقاء عدد من الاساتذة في جامعات المنطقة وكلياتها ولم يخرج اللقاء بجديد بل اعيد كل ما ذكر ونشر في السابق لكن هذه المرة بين الاساتذة وتحدث فيه من كان لايستطيع ان يبوح عن ما بداخله.

والحقيقة انني صرت اشارك في اللقاءات التي يعقدها مشروع آفاق لأني انتقدت المشروع وقلت انه سوف ينتهي لتأكيد ما نعيشه الآن ونتحدث عنه علانية ولن يقدم حلولا ذات تأثير لأن تغيير التعليم العالي بحاجة إلى قرارات واضحة ومبادرات تحدث تغييرا جذريا لا أن نتحدث فقط ونرفع توصيات بعد ذلك على أمل أن تتغير الامور بعد ذلك. الحضور هنا من اجل المتابعة والمشاركة والمساهمة في تحويل هذا المشروع إلى عمل إيجابي (رغم انني مازلت عند رأيي السابق وهو ان مشروع آفاق لن يقدم أي جديد في نهاية الأمر)، فالتغير، كما ذكرنا بحاجة إلى التعامل مع الواقع مباشرة. ولا اقصد ان الدراسة ووضع الاستراتيجيات امر غير مهم لكن يجب أن يكون هناك خطة طوارئ تعيد الامور إلى نصابها منها مثلا قرارات الملك حفظه الله لافتتاح عدد من الجامعات في كل مناطق المملكة، فهذه المبادة تحل مشكلة الكم وتبقى مشكلة الكيف التي هي مهمة رجال التعليم في بلادنا.

(2)

ربما تكون مبادرة صندوق تنمية الموارد البشرية لتقديم قروض طلابية للمتميزين والراغبين في الدراسة في جامعات اهلية في تخصصات نادرة يحتاجها سوق العمل السعودي تمثل احدى المبادرات المهمة من وجهة نظري الشخصية، رغم تحفظات بعض الزملاء عليها كونها مبادرة قد تثقل كاهل الطلاب بعد التخرج، ومع ذلك فإن هذه الفكرة مهمة خصوصا وأن صندوق الموارد البشرية اقر لائحة اقراض الطلاب وبدأ في توقيع مذكرات تفاهم مع الجامعات الاهلية. المبادرة هنا لها قيمتها كونها ستفتح الباب امام فكرة «القروض الطلابية» التي لايلتفت لها احد رغم انها من أهم مكونات «اليات التعليم» في الغرب، إذ ان البنوك المحلية هناك غالبا ما تفتح حسابا للطالب عند التحاقه بالجامعة وتعطيه قرضا لمساعدته على مصاريف الدراسة والحياة. بينما بنوكنا المحلية لا تساهم ابدا في حل المشاكل المحلية ولا تساعد ابدا في تقديم قروض للمواطنين لبناء مجتمع صحي ومنتج.

وأذكر هنا أن بعض الطلاب في جامعاتنا الحكومية لايجد ما ينفقه على نفسه ولا يجد من يوصله للجامعة (خصوصا وأن مدننا تعتمد بشكل كامل على وجود سيارة لكل مواطن). هؤلاء الطلاب لايجدون ملجأ يلجأون إليه ولا يشعرون أن المجتمع يقف بجانبهم (رغم ان الجامعات تقدم قروضا محدودة للطلاب المحتاجين)، ومع ذلك لم تبادر وزارة التعليم العالي بسن انظمة لإقراض الطلاب حتى بعد أن الغت الجامعات سكن الطلاب واجبرتهم على دفع إيجارات إذا مارغبوا في السكن داخل سكن الجامعة.

(3)

الأمر هنا يتعلق بالمبادرات وليس بالدراسات، ومبادرة صندوق الموارد البشرية لتقديم قروض للطلاب اعتقد أنه تحول واضح في مفهوم «المؤسسة المدنية» فرغم أن صندوق الموارد البشرية مؤسسة حكومية ناشئة إلا انها خلال السنوات الماضية القليلة استطاعت أن يكون لها تأثير تنموي واضح، كونها مؤسسة مبادرات لا مؤسسة تسيير عمل فقط، فأقل ما يمكن أن نقول عنها انها مؤسسة اثبتت وجودها واحتلت لها مكانا مهما في السلم التنموي في بلادنا. وبصرف النظر عن النتائج التي احدثتها مبادرات هذه المؤسسة (فهي تعمل في وسط اجتماعي/ثقافي له حدوده وتبعاته التاريخية المثقلة بالعوائق التي تحد من تأثير مبادرات التغيير عليه) نقول بصرف النظر عن تأثير مبادرات صندوق الموادر البشرية إلا انه استطاع ان يكون شريكا حقيقيا في عملية التنمية بشكل عام وتنمية الموارد البشرية بشكل خاص.

لا اقول هذا الكلام مجاملة للصندوق (فقد انتقدت اداءه في مناسبات عدة) بل لأن هذه المؤسسة اقنعتنا بأهميتها خصوصا أنها استطاعت ان تتعامل مع الوفرة المالية بأسلوب «تأسيسي» يصب مباشرة في التنمية البعيدة المدى (على عكس المؤسسات الأخرى التي تقف الآن عاجزة عن عمل اي شيء امام توفر الموازنات الكبيرة) واستطاعت ان توجد حلا لكل مشكلة، وفي اعتقادي انها مؤسسة قادرة على ابتكار حلول للعوائق الثقافية التي تحد من تطور العنصر البشري في بلادنا. ولعل اكثر شيء يحسب لهذه المؤسسة هو انها لا تكتفي بطرح الافكار وعمل الدراسات بل تبادر وتحول افكارها ودراساتها إل برامج عمل وهو ما يجعل مقولة «اسمع جعجعة ولا ارى طحنا» لا تنطبق عليها.

(4)

لا احد ينكر أن مبادرة تقديم قروض للطلاب سوف تنعش التعليم العالي الأهلي، وهي تذكرني بفكرة «تخصيص التعليم العالي» التي طرحتها هنا قبل اكثر من عام تقريبا، إذ ان هذه القروض هي نوع من الدعم الحكومي للطلاب ولمؤسسات التعليم العالي الاهلي التي أصبحت في الاونة الأخيرة جزءا اساسيا في التعليم العالي ويجب أن تحظى بدعم الدولة (ليس بالضرورة ان يكون دعما مباشرا). وفكرة تقديم القروض هذه هي نوع من الدعم ليس فقط على المستوى المادي بل انها سوف تجعل من مؤسسات التعليم العالي الأهلي في حالة تنافس دائم على تقديم تخصصات نادرة ومهمة وذات بعد تنموي خصوصا أن الاصل في قبول الطلاب المقترضين هو تميزهم الدراسي وارتباطهم بتخصصات ضرورية لسوق العمل.

وبالتأكيد فإن هذه المبادرة سوف تحل مشكلة كبيرة في المقاعد الدراسية التي تتناقص عاما بعد عام (رغم التوسع الكبير في التعليم العالي كون تضخم عدد السكان اكبر بكثير من معدل التوسع في توفير المقاعد الدراسية)، وهو حل غير تقليدي أي أنه لن يوفر مقاعد دراسية فقط بل سيوفر تميزا تعليميا وهو الأهم. ويمكن أن اشير كذلك إلى ان هذه المبادرة ستشجع المترددين في الاستثمار في التعليم وستجعلهم يقبلون على تأسيس جامعات وكليات جديدة وبكل تأكيد فإن هذا سيكون له عواقبه التنموية الايجابية على بلادنا.

(5)

ولعلي ازيد على ذلك أن هذه المبادرة تحرك الدوافع الذاتية للإبداع فليس من المفترض مثلا أن نفرض على مؤسسات التعليم العالي اسلوبا معينا ونحدد لها طريقة بعينها في التعليم، فالانظمة والاختيارات في مجال التخصصات العلمية يجب ان تكون ذاتية. وهو ما اجده هنا متلائما مع اسلوب تقديم القروض للطلاب بحيث يكون هناك شعور بالمسؤولية وفي نفس الوقت لايكون هناك ضغوط على الجامعة، إذ ان المفترض هنا أن تبادر الجامعة بوضع خطط تطويرية تتناسب مع امكاناتها لاستقطاب اكبر عدد من الطلاب. انها محركات ذاتية للإبداع ليست مرتبطة بنظام مركزي فوقي «برشوتي» يجبر الجامعة في السير في هذا الطريق أو ذاك الطريق. ومع ذلك فلا اريد ان اكون مبالغا في التفاؤل (كما انا مبالغ في التشاؤم، كما يعتقد البعض)، لأن الأمر يحتاج إلى الكثير من التنظيم وقبل ذلك يحتاج إلى ايمان مؤسسات التعليم العالي الأهلي بأن رسالة التعليم تفوق «المكاسب المادية»، فالمسألة ليست متاجرة بالعلم وفكرة القروض هي من أجل فتح قنوات تعليمية ذات مستوى راق يتناسب مع حاجتنا المستقبلية، فنحن دولة تتنامي بسرعة ونعاني في نفس الوقت من ترهل «غريب» في الموارد البشرية رغم اننا نملك العدد الكافي الذي يؤهلنا للنهوض وبسرعة إلا ان هذا العدد ليس مدربا تدريبا كافيا للقيام بما يفترض عليه القيام به. هذه الاشكالية التعليمية قد نجد لها مخارج وقد تفيد بعض المبادرات لحلها لكن تبقى الاشكالية الثقافية وهي إشكالية مجتمعية بحاجة إلى مكاشفة وشفافية وطرح المسكوت عنه اجتماعيا وثقافيا بقوة وجسارة لأنه جزء من المسؤولية الملقاة على عاتقنا.

(6)

الأمر الذي لفت انتباهي في مذكرة التفاهم التي اعدها صندوق التنمية البشرية هو أن القرض يشمل فقط رسوم الدراسة ولا يشكل مصاريف الحياة، فالصندوق يفترض هنا أن كل الطلاب لديهم المقدرة على تحمل نفقات الحياة المصاحبة للدراسة بينما الواقع يقول ان تقديم قروض لتحمل نفقات الحياة اليومية وربطها بالمنجز الدراسي مسألة مهمة جدا (كما هو متبع في الغرب) أما القروض الخاصة برسوم الدراسة فيفترض ان تكون قروضا مبنية على قيام الحكومة بتحمل جزء منها في حالة تفوق الطالب وانهائه لمتطلبات الدراسة. ولعلي اقترح على الصندوق دراسة المبادرة مرة أخرى أو تبني مبادرة جديدة تتيح للطالب الاستفادة من قروض تعينه على الحياة الدراسية وتجعله قادرا على مجاراة زملائه القادرين من الناحية المادية. كما أنني اقترح على الصندوق مراجعة مذكرة التفاهم وتبني فكرة مساهمة الحكومة بنصف القرض للطالب في حالة تفوقه الدراسي لأن بناء الحافز على الابداع مسألة اساسية نفتقدها بشدة في مجتمعنا.

(7)

وأخيرا فإن تطوير التعليم بحاجة إلى مبادرات، والابتعاد عن ظاهرة «كثير من الكلام وقليل من الفعل»، انه بحاجة إلى فتح الابواب عمليا وليس «كلاميا»، ويحتاج إلى تجاوز البيروقراطية واختفاء المعملات الورقية المتضخمة التي تخنق كل عمل ابداعي خلاق. تطوير التعليم يحتاج كذلك إلى مبادرة مهمة واساسية هي استقلالية الجامعة وإطلاق الحريات الاكاديمية وفتح باب التنافس العلمي كما يحناج إلى بعث الامل في نفوس ابنائنا بأن لهم مكانا في القمة إذا ما اجتهدوا وابدعوا، فالقمة ليست حكرا على احد. كما أنه يحتاج إلى ان نفتح للأجيال القادمة كل قنوات الاختيار وكل مجالات التعليم المتطور ونحملهم المسؤولية لا ان نتحملها عنهم وبشكل ابوي خانق يقلم اظافرهم ويلغي عقولهم ويدفعهم للاتكالية ويجعلهم في حالة «لافطام» دائم. اعود وأكرر تطوير التعليم بحاجة إلى مبادرات وليس فقط «دراسات» لاتغني ولا تسمن من جوع.

تعليقان
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

كونوا واقعيين.


لماذا القروض؟ و لماذا لا ننظر الى التجارب العالمية الناجحة؟
مثلا يمكن الغاء المكافأت الجامعية لتخفيف رسوم الجامعات الاهلية. و للمعلومية فأن أغلب الدارسين في الجامعات العالمية و في دولة مثل الهند يدرسون في الجامعات الاهلية برسوم مدعومة من الدولة!
و ختاما أرجوا من الكتاب و المفكرين أن يتذكروا بأن جلهم أبتعث على حساب الدولة فنرجوا أن يقترحوا دعم الطلاب بدلا من دعم البنوك وغيرها.


Hashim
ابلاغ
11:05 صباحاً 2006/06/24

 

"ونحملهم المسؤولية لا ان نتحملها عنهم"


نشكر دكتورنا المبدع دائما د. مشاري
رغم أننا افتقدنا الأسبوع الماضي لمقالتك الرائعة إلا أنك أمتعتنا اليوم بهذا المقال..
ونتمى المزيد من التفوق لبلادنا والتفوق للمؤسسات التي تبذل قصاري جهدها لأداء عملها بتفاني.. وكل شخص يسعى من كل قلبه لرفع مستوى هذا البلد وهذه الأمه...
مجموعة تواصل


جمعة القحطاني
ابلاغ
09:25 مساءً 2006/06/24


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية