ما أكثر صديقاتي وما أكثر حكاياتهن! ولا أدري لماذا أزعجكم بأخبارهن وآرائهن والمواقف التي يتعرضن لها! لكن معليش تحملوا هذه المرة! وربما ستتحملون لمرات قادمة لأن حكاياتهن لا تنتهي!
صاحبتنا في مكان عملها متذمرة، فقد تعطل جهاز التكييف المركزي وهي مضطرة مثلها مثل بقية الموظفات للعمل في هذه الظروف، و جهاز التكييف لم يختر أفضل من هذا اليوم الصيفي الحارالحارق حتى يتعطل. يمكنكم أن تتخيلوها هي وزميلاتها وكل واحدة منهن ممسكة بورقة أو ملف تحركه يمينا ويسارا باحثة عن نسمة هواء.
والبعض منهن اتجهن لفتح النوافذ فمجرى هواء حتى وإن كان حارا يعد أفضل من لاشيء، والعرق يتصبب وقوارير الماء البلاستيكية مصطفة أمام كل واحدة منهن فهن يستعضن بالماء البارد عن قلة الهواء البارد، وإحداهن تتساءل: «لا أعرف كيف كان الناس يعيشون قبل اختراع المكيفات» والأخرى تتحدث عن جدتها والحر في تلك الأيام البعيدة حيث كان كل من في المنزل ينامون فوق السطح في ليل الصيف بحثا عن البرد، وكلها حكايات سمعنها ولم يعشنها.
الحديث يتشعب مع «حركة» الأوراق وضجيج التلفونات وصوت الأصابع وهي تضغط على لوحة الأحرف الكومبيوترية، فهذه تحكي عن أخبار كأس العالم، والأخرى تسأل عن مصففة شعر ممتازة لأنها معزومة في حفل زفاف آخر الأسبوع، والثالثة تحكي عن السهرة في الاستراحة في الأسبوع الماضي وعن طعم اللحم المشوي اللذيذ الذي تناولته تلك الليلة لكن الحديث يعود دائما لنقطة البداية «المكيف المعطل» والحر لتختم إحداهن الجمل المتذمرة الساخنة جدا وهي تنظر إلى عقارب الساعة تستعجلها وتبلل المنديل الورقي ببعض الماء البارد لتمسح به على وجهها قائلة: «على الأقل نحن لدينا ماء بارد»!
الساعة الثانية ظهرا وصاحبتنا تهرب من حر المكتب إلى مكيف السيارة سعيدة بأنها تتنفس هواء باردا ويدها مسرعة باتجاه هاتفها الجوال وهي تتحدث مع العاملة المنزلية قائلة: «شاندركا، قومي بتشغيل كل مكيفات المنزل؟ كل المكيفات... سامعة». فهي لا تريد أن تسمع كلمة «حر» ولا مشتقاتها ولا أن تشعر بها بعد اليوم بل إنها تفضل أن تلغيها من القاموس اللفظي!
ميزة الصيف هو أن زحام الظهيرة يقل والسيارة تمشي بانسياب في الشوارع وصاحبتنا تتأمل ما حولها وما تمر به من مشاهد، فهذا أحد الجيران يقف مع ناقلة «وايت» كتب عليها ماء صالح للشرب ليملأ خزان المنزل، المضحك أن السائق الخاص بجارهم الآخر كان في نفس الوقت مشغولا بغسل السيارات المصطفة أمام الباب بعد أن غسل بلاط الحديقة آخر الليلة الماضية بينما ينساب جدول ماء صغير من بوابة جارهم الثالث الذي يبدو أن لديه تسربا مائيا أو أنه لايهتم بما يهدر من الماء مادامت التكلفة لا ترهق جيبه!
صاحبتنا نسيت الحر لفترة، وانشغلت بمطالعة المشاهد المتناقضة وهي تتساءل ما أكثر الأشياء التي ننعم بها ولا نحس بقيمتها!
العنوان البريدي