الخميس 26 جمادى الأولى 1427هـ - 22 يونيو 2006م - العدد 13877

النكتة السعودية كتعبير ثقافي

طامي السميري

    تمثل التعابير الرمزية والمخزون الثقافي المجتمعي إحدى الركائز الأساسية لفهم المجتمعات والجماعات الإنسانية ودراستها، فمن جهة يمكن اعتبارها مرآة صادقة لما تحمله من قيم ومعتقدات وممارسات.. ومن جهة أخرى تكشف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن الجوانب الخفية والحقيقية للمجتمع المدروس سواء أكانت في شكل مواقف أو تطلعات أو رغبات مكبوتة أو..... وذلك لتوفر عناصر التلقائية والدلالية للتعابير والرموز الثقافية وخاصة لارتباطها بالواقع الاجتماعي والمعيش اليومي، وفي هذا الإطار تتترل «النكت السياسية والشعبية» كإحدى أهم تلك التعابير الثقافية المنتشرة في المجتمع، ومن خلال تلك الرؤية السابقة، نستطيع أن نتساءل عن ملامح النكتة السعودية كتعبير ثقافي يكشف ويرصد المتغيرات والتحولات التي يعيشها المجتمع السعودي، وفي هذا المحور نستضيف كلا من الدكتور عبدالرحمن الحبيب، القاص وسكرتير جماعة السرد بنادي الرياض الأدبي سعيد الأحمد، الكاتبة إيمان القويفلي، القاص والكاتب عبداللّه المحيميد.

هل نستطيع أن نقول أن هناك نكتة سعودية، وأعني بذلك أن تكون النكتة ابنة البيئة وتكون سعودية الملامح، بعيداً عن الاستنساخ والتحوير للنكات من بلاد أخرى؟

إيمان القويفلي: أعتقد أن أصالة النكتة السعودية تختلف باختلاف نوع النكتة، عنصرية، سياسية، اجتماعية، إلخ، لأن الحس الساخر لا يتطور إلا بعد زمن من الدخول في السياق ومعايشة وقائعه والتشرب بها ثم استخراج مفارقاتها الساخرة والإفصاح عن هذا الحس الساخر، خذ مثلاً النكتة السياسية، إذا تفحصت النكت السياسية السعودية ستجد أن معظمها قادم من جذر مصري، لأن للمصريين تاريخاً طويلاً في التنكيت والسخرية من الوضع السياسي يرجع إلى أوائل القرن العشرين وربما أبكر، في المجلات الساخرة وعبر الكاريكاتير وهي صمام أمان يقال أن السياسي المصري يتركه مفتوحاً عمداً من أجل تنفيس الاحتقان الشعبي وتحسس أفكار الناس، بينما النكتة السياسية السعودية لا تزال بدائية وممنوعة ومحاصرة بقوة ضعفت قليلاً بعد دخولنا إلى عالم التقنية والاتصال عبر النت والجوال، ولأن السعوديين يفتقرون إلى بروتوكول في التنكيت السياسي فإنهم يستعيرون النكت المصرية، في المقابل، أنظر إلى النكتة العنصرية في السعودية، ستجدها متطورة جداً، ولاذعة جداً وتنطوي على أفكار ومعتقدات يعتنقها بجدية كثير من الناس، في النكتة العنصرية هناك ألقاب متعارف عليها للأعراق والقبائل في البلاد، وهناك صفات يتم إلصاقها بكل عرق والتنكيت عليها، وهناك مواجهات ومقابلات في النكت بين عنصر وعنصر من أجل خلق النكتة من خلال تبايناتهما، في النهاية أظن أنه من الصعب أن تقول أن النكتة يمكنها أن تكون فريدة تماماً عند شعب معين، لأنها لا بد وأن تتماثل في بعض الصفات العامة مع بقية نكات الشعوب، مثلاً، في كل شعب متعدد الأعراق أو قبلي، هناك تقليد يقتضي إلصاق صفة «الغباء» بعرق أو قبيلة أو أهل مدينة معينة، وحتى مضامين النكت الدالة على الغباء يمكن أن تتشابه إلى حدٍ بعيد، وربما يأتي التميز عند كل شعب في نوعية الصفات التي يسخر منها ويعبر عن عدم احترامه لها، الغباء محتقر وموضع سخرية في كل الدنيا، لكن ماذا عن الفضول المفرط «اللقافة» الذي يوصم به أهل منطقة معينة؟ ماذا عن النكت التي تغمز رجال مدينة معينة بأنهم «أقل رجولة» وأنهم «ضعفاء أمام حريمهم»؟ ماذا عن النكت التي تلعب باللهجات المتنوعة والثرية في السعودية؟ ماذا عن النكت المصاغة على شكل دعاء أو على شكل «أنشر ولك الأجر»؟ أعتقد أن هذه أشياؤنا السعودية بامتياز.

د. عبدالرحمن الحبيب: من متابعتي الشخصية للنكت في العالم العربي والنكت المكتوبة بالإنجليزية، يمكنني تمييز نكتة سعودية خاصة، وفي نفس الوقت توجد قاعدة مشتركة بين النكت عالمياً، يتم تحويرها أو ترجمتها مباشرة لتلائم المجتمع أو اللغة المنقول لها النكت.

سعيد الأحمد: بلا شك هناك نكتة سعودية، فالنكتة مصاحبة لأي تجمع بشري، مثلها مثل «السباحين» أو الحكايا والأثر، وكل تلك الممارسات الكلامية التي يفرضها التجمع والتواصل البشري.. وإن كان هناك استنتساخ أو تحوير للنكتة الخارجية ومنحها زي سعودي، فأظن ذلك حدث في مرحلة متأخرة، بالتحديد في مرحلة ازدهار التعليم النظامي و ورود المعلمين من دول مجاورة، ما قبل ذلك كانت النكتة تحمل صيغة محلية كاملة، حسب ما نقل، وطبقاً لكثير من النكت والحكايا المرحة التي يتم الحديث عنها كأثر في الوقت الراهن.

عبداللّه المحيميد: طبعاً لا بد لي من الاشارة إلى الكبت المنظم للهوية المناطقية لدينا، إلى الدرجة التي جعلتنا نتكلم عن شيء حميم وخاص جداً كالنكتة بقولنا «النكتة السعودية»، الهوية السعودية هي هوية وطنية سياسية تاريخية مهمة لكنها لا تعني شيئاً عندما يتعلق الأمر «بالنكتة» على الأقل... أعتقد جازماً أن النكتة الجداوية أو المكاوية أو النجدية تتميز عن بعضها بالتأكيد، تبعاً للظروف البيئية المختلفة... المجتمع المختلف.

بفعل المتغيرات والظروف الاجتماعية هل نقول أن النكتة السعودية مرت بمراحل معينة، من حيث مفاهيمها وصياغتها اللغوية؟

إيمان القويفلي: كتبت قبل عدة سنوات، مقالة عن تحول النكتة السعودية من التركيز الشديد على العنصرية، إلى دخول نطاق جديد وهي نكات الحشاشين، والاختلاف العميق بين نكتة الحشاش وما عداها، أنها تعتمد بشكل رئيسي على خلل في المنطق، الخلل الذي تقتضيه طبيعة الحشاش المخدرة المفتقرة إلى الوعي والتركيز، أي أن النكتة بدخولها عالم الحشاشين وكلامهم وأفكارهم وتصرفاتهم، دخلت عالم التلاعبات المنطقية وهو ما أظنه مجال جديد بالنسبة لها ويعد تطوراً، بالتأكيد تمر النكتة بمراحل، هذه احداها، أيضاً انفتاح السعوديين على العالم عبر التقنية، سمح لهم بالإطلاع على رموز فنية واجتماعية وأحداث سياسية في بلاد عربية أخرى، وهذا الاطلاع ولد نكتة هي نتاج الرصد لطبيعة استجابة السعوديين لما ولمن حولهم، هناك نكت مصنوعة خصيصاً لتربط بين المغنيات اللبنانيات أو المحطات الفضائية العربية والسعوديين، وبين اغتيال الحريري والسعوديين، وحتى تسونامي والكوارث الطبيعية، والسعوديين، وكلها نكت تعلق على شكل استجابة الشارع السعودي لهذه المؤثرات، هذه مرحلة أخرى، وبالتأكيد سبقها وسيلحق بها مراحل أخرى تختلف بإختلاف طبيعة الحياة.

د. عبدالرحمن الحبيب، ليس من السهولة تحديد مراحل معينة لتطور النكتة في السعودية، دون عمل دراسة علمية بما تشمله من مسح واستبيانات واحصاءات، ولكن يمكنني القول أن أهم فارق بين النكتة المحلية القديمة والحديثة، هو دخول التنويع والعمق للحديثة مقابل القديمة، إضافة لذلك دخول الموضوع السياسي بشكل قوي للنكتة الحديثة مقارنة بالقديمة، على أن أهم فارق هو فارق كمي، فإن حضور النكتة حالياً هي أضعاف مضاعفة حضورها السابق.

سعيد الأحمد: النكتة كائن حي متغير ومتجدد، ولا يمكن أن تنعزل أو تخالف الظرف الإجتماعي والمعطى العرفي لأي مرحلة من المراحل، فإما أن تأتي في سياق ظروف وأعراف المرحلة - كثقافة منطقة من المعطى والظرف - على جانب، يصحبها، على الجانب الآخر، النكتة المتمردة على العرف، والتي تأتي بشكل مضاد له متهكم عليه وساخر منه.. والنكتة ليست مجرد فكاهة لتبديد الوقت فحسب، بل هي وسيلة ساخرة للإعتراض على السائد، والخروج من ضغوط المفروض والمتفق عليه ضمنا... فبزمن البساطة والعفوية والهدوء، كانت نكات «جحا» و «أبو نواس» البسيطة والعفوية والمرتبطة غالباً بالحيوان هي السائدة، وفي زمن المحرمات السياسية أصبحت النكتة السياسية «المحرمة» هي السائدة، وبزمن الطفرة سيطرت النكتة الساذجة المتعلقة بالأدوات والإكسسوارات، وفي زمن الأزمات الإقتصادية، وما بعد حرب الخليج ظهرت نكتة الرغيف والبطالة والدعارة بشكل أكثر وضوحا.. كل ذلك إلى جانب نكات وقتية أو موسمية تظهر في كل الأزمان والظروف، وهي تلك النكات المتعلقة بحدث أو ظرف إجتماعي أو سياسي أو اقتصادي مؤقت: كالنكات الطائفية التي أججتها مرحلة التجييش لأفانستان، والنكات الحربية التي فرضتها حرب الخليج، أو النكات ال تأتي مصاحبة لأي بطولة أو مناسبة رياضية، وصولاً إلى النكات المرتبطة بالهبوط الحاد في سوق الأسهم.

عبداللّه المحيميد: الظروف.. ومجتمعات يفد الحجيج إليها من كل صوب تختلف عن مجتمعات منغلقة خائفة.. مجتمع بعيد متميز كالمجتمع الجيزاني مثلاً يختلف عن مجتمع الشمال الرعوي البدوي القح.. في نجد مثلاً النكتة رجالية سرية جنسية منخفضة مع توقعات هطول أمطار.. ربما بسبب الكبت والفصل الرهيب بين الجنسين.. بينما النكتة في مصر عالية الصوت خفيفة ظريفة.. إلى درجة أتذكر أننا كنا نستهجن نكت إسماعيل ياسين والريحاني.. لخفتها الشديدة.. فالنكتة لدينا ترادفت مع التعقيد والسرية والمعاني الجنسية القوية... النكتة السياسية مثلاً لدينا قليلة.. ربما بسبب الرخاء الاقتصادي.. لكنها إن أتت تأتي نكتة ثقيلة مرة محملة بالشتيمة أكثر منها بالطرافة..

المسجات وشبكة الانرنت هل هي التي اخرجت لنا النكتة السعودية في ظل غياب النوافذ الفكاهية كالمسرح والسينما والمسلسلات؟

ايمان القويفلي: بل ربما لم تبدأ صناعة النكتة الحقيقية إلا عندما توفرت لها هذه النوافذ في مجتمع كثير العقد وكثير المحاذير في ذات الوقت، قديماً، كنا إذا أردنا أن نقول نكتة تلمز عنصراً معينا نتلفت يميناً ويساراً ونتحرى ألا يكون في المجلس شخص من هذا العنصر، الآن يمكننا أن نضع ما نشاء من نكت على الإنترنت ونقرأ ما نشاء حيث لا أحد هناك ليلام أو يغضب عليه لأنه نشر هذه النكتة، وحيث يرتفع الحرج الشخصي، ارتفاع الحرج هذا والتحرر من المسؤولية أطلق النكتة لتنمو بسرعة مذهلة خلال الأعوام القليلة الماضية، الإنترنت تقوم قطعاً بالدور الذي كانت ستؤديه المجلات الساخرة والبرامج الساخرة التي تنتفي في الثقافة السعودية لأن تقديم النكتة السعودية بشكل رسمي لا يزال أمراً يثير الحساسية بشدة، لا يمكنك أن تتوقع أن يظهر ممثل هزلي على القناة الأولى ليقول نكتة عنصرية وأن يمر هذا بهدوء، أليس كذلك؟ الماسجات أيضاً حررت النكتة أكثر وأكثر لأنه أصبح بمقدور كل شخص أن يمرر النكتة بشكل شخصي إلى الشخص الذي يعرف أن النكتة لا تمسه، أو أنها سيتقبلها، أو ستعجبه، وأيضاً ولادة البروتوكول الذي يقتضي الرد على نكتة بنكتة.

عبدالرحمن الحبيب: تقديري العوامل عديدة منها ما ذكرته في سؤالك، وإن كنت أرى أن أهم العوامل التي ساهمت في انتشار النكتة السعودية هي تحسن مستوى المعيشة وتطور ثقافة الترفيه، كذلك اختلاطنا بالمجتمعات الأخرى وتأثرنا لروح النكتة لدى بعض المجتمعات.. أضف إلى ذلك زيادة مساحة الممنوعات في مجتمعنا مقابل تطور البنى الثقافية فيه، فأصبحت النكتة ملجأ مهما لتجاوز قساوة الرقيب وكثرة المحظورات.

سعيد الأحمد: ربما كان هذا الإفتراض سليما إلى حد ما، غير أن المتعارف عليه عالمياً أن زمن ال stand-up comedy انتهى، ولم يعد هناك من يقف على المسرح لساعات ثلاث مدعوماً بخلفية موسيقية ليسرد نكاته على مسامع الحاضرين، بل اختلفت وسيلة نقل النكتة، وسيطرت التقنية - بسهولتها وسرعتها - على فاعلية تبادل النكتة واقتسامها مع أكبر عدد ممكن من المتلقين.

عبداللّه المحيميد: المسرح والسينما ليست بأهمية التلفزيون الآن، لذلك الأعمال التلفزيونية قامت بالمهمة إلى حد ما، كنوافذ لما عبرت عنه، لكن المسألة في القيود الموجودة ليس لدينا فقط، النكتة عمرها ما كانت مطيعة وخانعة لأي نوع من القيود، حتى في بلد محافظ جداً كبلدنا، لذلك سوقها الانترنت أكثر وهو بطل النكتة الحالي بدون منازع، إلا إذا اعتبرت مسجات الجوال منازع، مع أني أعتبرها صورة من صور النت الأثير غير المراقب.

كيف نرصد صورة المرأة والرجل في النكات الاجتماعية، وهل تعبر تماماً عما يحدث في الحياة الاجتماعية؟

ايمان القويفلي: أعتقد أنه من المبالغة أن تقول أن النكتة يمكنها أن ترصد «بدقة» ما يحدث في الحياة الاجتماعية للنساء والرجال، في مجتمع هو في حقيقته مجتمعان: مجتمع النساء، ومجتمع الرجال.

ما أعتقده هو أن هذه النكات التي تتعلق «بالمرأة السعودية» و«الرجل السعودي» ترصد ما يوجد في مخيلة كل مجتمع عن المجتمع الآخر، وتساعد على تغذية هذه المخيلة بصور جديدة، عن الذات وعن الآخر، المرأة تصنع نكتة عن الرجل السعودي لكي تعبر عن تخيلاتها وانطباعاتها بشأنه، ولكي تساهم في تعشيق صورة هذا الرجل أو هذا المجتمع الرجولي في المخيلة النسوية، ولكي ترى صورتها الذاتية - بالتالي - منعكسة في صورة هذا المجتمع المتخيل، والرجال يفعلون ذلك بدورهم.

د. عبدالرحمن الحبيب: إذا اعتبرنا أن النكتة طرح الأحداث والحالات بشكل مضخم ومبالغ فيه، فإن النسبة الأكبر من هذه النكت تعبر فعلاً عن المرأة والرجل في مجتمعنا بما يتصف به الآن كمجتمع حديث استهلاكي نفطي تختلط معه صفات مجتمع قديم محافظ ساذج لتظهر صورة ساخرة.

سعيد الأحمد: صورة المرأة والرجل في النكتة المحلية هي الصورة الواقعية، لهما، وليس بها أي زيف.

صحيح أن هناك تضخيما للحالة أو الظاهرة، ولكن هذا التضخيم هو جزء لا يتجزأ من «كاريكاتورية» النكتة، والكوميديا - بإختلاف أنواعها - فن كاريكاتوري بشكل أو بآخر.

عبداللّه المحيميد: لنبدأ بالمرأة اعتقد واضح أن الرجل هو مصدر النكات غالباً إن لم يكن دائماً لدينا على الأقل، فالنكت غالباً هي عن رجال اغبياء أو نذلين أو ذوي حيلة ومكر، بينما المرأة صورة باهتة للجنس غالباً، أو صوره الفكاهية.

هل نقول أن هناك خصوصية للنكتة لكل منطقة معنية في السعودية، وهل هناك فرز طبقي للنكتة، بحيث ترتبط بالسياقات الاجتماعية، أو نقول أن الطبقة الشعبية هي من تصدر النكات؟

ايمان القويفلي: أعتقد أن هذا المحور يستلزم عملاً بحثياً للإجابة عنه، حيث لا تكفي الانطباعات.

ربما تتميز كل منطقة بخصوصية كونها تستخدم الآخرين - بقية المناطق - لتصنع نكتتها المحلية.

من أين تأتي النكتة؟ من قاع المجتمع أو من قمته؟ هل ينكت الأغنياء وأصحاب النفوذ؟ أتذكر الآن النكت التي تسخر من جهل النساء بالماركات العالمية فتقول إن إحداهن قالت أنها «اشترت نعال من مكدونالدز» لكن ما حقيقة هذه النكتة؟ هل هي سخرية طبقية أم سخرية ثقافية في مجتمع يغادر بسرعة طبيعة حياته شديدة المحلية إلى حياة كوزموبوليتية؟ هذا ما لا يمكنني أن أجيب عليه، لأنني لا أملك الإجابة الآن.

د. عبدالرحمن الحبيب: لا أستطيع أن أقول أن هناك خصوصية للنكتة في كل منطقة، فنحن بالكاد نميز خصوصية للنكتة السعودية، ولكن مع ذلك يمكنني أو أتفق بأن هناك بعدا لشيء من الخصوصية لكل منطقة، كذلك هناك بدايات لفرز طبقي للنكت، تصدر من الطبقات الشعبية غير المرتاحة للحالة المالية والمتضررة من الأوضاع الاقتصادية، ونلاحظها بشدة هذه الأيام حول النكت العديدة على أوضاع سوق الأسهم، والتي تأتي غالباً من روح الخاسرين في السوق وصغار الملاك.

سعيد الأحمد: هناك خط عام وعريض، وبداخله خطوط دقيقة ومتشعبة، هذا الخط العام يشكل هوية وثقافة المجتمع بشكل عام، أما الخطوط الدقيقة داخله فتتشكل وتتأثر بالمعطيات البيئية لكل منطقة أو فئة، إلى جانب المفردة الحياتية الخاصة جداً والتي تتدخل بشكل واضح وتؤثر في عدد جيد من النكات، فالنكتة القروية مثلاً لا يغيب عنها توظيف المفردة الشعبية الخاصة والتلاعب بها بشكل كوميدي، أيضاً هناك التأثير العقدي في النكتة، فلكل معتقد قناعاته وثقافته ومرجعياته الخاصة، التي تجعله يخرج بنكتته الدينية الموافقة أو المتمردة والمضادة لفكر المنتمين إلى طائفته، أو الناقدة والساخرة بمعتقد المنتمين إلى طوائف أخرى، ولا أعتقد أن اصدار النكات يقتصر على الطبقة الشعبية، فجميع الطبقات لدينا شعبية، مهما اختلفت مستوياتها المادية أو الفكرية، أو ظروفها المعيشية، لأن لا وجود حقيقي لدينا لطبقة برجوازية منفكة من التركيبة الإجتماعية الشعبية، والمرجعية العرفية لمجتمعها الصغير والكبير.

عبداللّه المحيميد: بالنسبة للطبقة التي تصدر النكات أظنها تعددت الآن.. وحتى سابقاً.. المهم ما هي الطبقة المؤثرة.. الإعلام كان سابقاً نخبوياً أكثر منه الآن... الآن أنت تسمع نكتة أوضع طبقات المجتمع على شاشة التلفزيون أو النت وحتى تسمع التعليقات عليها.. التي أوضع منها.. ولو أن النكت ليس فيها وضاعة.. النكتة فيها طرافة أو لا طرافة.. أو كما علق «الحريري» - رحمه اللّه - في مقابلة له عمن يقلدونه.. أنه اذا كان ظريفاً ضحكت مع الذين يضحكون.. أما اذا كان «سئيلاً» فاللّه يعينني والمشاهدين على «سئالته».. في الوقت الحاضر تبعثرت الهويات.. وصرت لا تعرف هوية النكتة إلا بسؤال كبار السن ربما، وحديث العولمة حديث ذو شجون ليس هذا مكانه.. ولكن بشكل عام يبدو لي أن هناك دلالات.. فالنكتة البسيطة السهلة ذات المعنى الخفيف هي مصرية الأصل غالباً.. أما المعقدة و «المنيلة بستين نيلة» فهذه نكتتنا.