بالرغم من كل التطورات الإيجابية التي منحتها الزيادة في أسعار النفط ظل الملك عبدالله وفياً لوعد الإصلاح الذي قطعه على نفسه. فبعد أيام على مبايعته، أطلق سراح السجناء السياسيين، ودعا إلى مواصلة الحوار الوطني بين كافة الأطياف والمذاهب والتيارات في البلد، وقد جسدت هذه المواقف بداية تحول جديد في مسار السعودية الإصلاحي.
أثناء تواجدي خارج السعودية نهاية العام الماضي في ندوة عن عوائق الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط، كان البعض يسألني عن السعودية في العهد الجديد، وبالرغم من الحضور الكبير لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله في السياسة الإقليمية إلا أن كثيراً من المراقبين كانوا توّاقين للتّعرف على السياسة التي سيتبعها القائد الجديد داخل بلده. موقفي كنت قد عبرت عنه في مقالة تحت عنوان «الملك الصالح» رسمت من خلالها الصورة التي يجسدها الملك عبدالله في نفوس شعبه، وموقفه من قضية الإصلاح. مضى على نشر هذه المقالة ستة أشهر، بيد أنني تأثرت بمرأى صورة الملك عبدالله الإنسان وهو دامع العينين أمام مشهد الأطفال اليتامى الذين اغتالت يد الإرهاب آباءهم في منطقة القصيم. الصورة كانت مؤثرة، وقد بعثتها لعدد من الأصدقاء الأجانب لتكون وسيلة تعريف بإنسانية هذا الملك، وقد كانت ردود فعلهم إيجابية جداً. عمدت إلى هذه المقالة وقمت بترجمتها تحية لجولات هذا الملك الإصلاحي في حائل والقصيم والمدينة، ومشروعاته الاستثمارية لإنعاش المستقبل الاقتصادي في أرجاء هذا الوطن: (نشرت أصل هذه المقالة في مجلة «بيتر- ليمون انترناشيونال» يناير 2006، وأعيد نشرها في دورية «سيفلتي» - الصادرة عن مركز دراسات الشؤون الخارجية بالتعاون مع وزارة الخارجية البريطانية).
٭٭٭٭
خلال أولى علامات مرض الملك فهد -رحمه الله- في عام 1995، استيقظ السعوديون فجأة على سؤال الخلافة. فقد كانت صورة الملك فهد بالنسبة للسعوديين مثال القائد التحديثي المتمكن من السياسية المحلية. وقد عكست الثمانينات الميلادية حضوراً هائلاً لشخصية الملك فهد، وقدرته على مخاطبة شعبه، والاتصال به. وقد ساعدت عدة عوامل على تحقيق تلك المكانة والنفوذ، ولعل توافر عائدات نفط عالية نهاية السبعينات قد مكنت الملك فهد من تحقيق خطط تنمية هامة ساهمت في تحقيق نقلة نوعية في الحياة المدنية السعودية، ورفعت السعودية إلى موقع هام وقوي محلياً وإقليمياً. ونظراً لشخصية الملك فهد القوية فقد طغت صورته على المشهد، وألقت الظلال على الجميع. وبظهور علامات مرضه تطلع السعوديون باهتمام إلى مستقبل بلادهم السياسي، ونظروا تحديداً إلى -ولي العهد آنذاك- الملك عبدالله بوصفه الخيار الأمثل للمرحلة القادمة.
بحلول عام 1997 فوض الملك فهد أخاه الملك عبدالله بملفين رئيسيين في السياسية السعودية: الشؤون الخارجية، والشؤون الاقتصادية - وبهذا ابتدأ الإعداد لتولي القائد الجديد. دوره في السياسة الإقليمية، ومشاركاته كممثل للدولة السعودية في المؤتمرات الدولية قدما له نجاحاً كبيراً في الداخل السعودي. لكنه في ذات الوقت واجه عدة تحديات في الداخل السعودي، مثل ازدياد أعداد العاطلين عن العمل، وتفشي الفقر، وضعف الخدمات العامة، وازدياد مظاهر الحراك الاجتماعي، ودعوات الإصلاح المختلفة.
برحيل العاهل السعودي الملك فهد في أغسطس الماضي، لم يكن هناك مجادلة بشأن موضوع الخلافة، ولكن في المقابل كانت هناك توقعات كبيرة بشأن التغيير. فخلال أيام من مبايعته ملأت صور الملك عبدالله واجهات المباني، والنوافذ الخلفية لمركبات المواطنين في الشوارع. «إنها مرحلة الملك الصالح الآن»، كما ظهر عنوان إحد الصحف. ولكن ما الذي جلب كل هذا القدر من توقعات التغيير في مقابل القلق الذي لف البلد نهاية التسعينات؟
في أوائل الثمانينات، لم يكن الملك عبدالله مفضلاً لدى الدوائر الغربية نظراً لصلاته الوثيقة بالقيادات العربية، وصورته كعروبي نشيط، إضافة إلى انتقاده الصريح لبعض السياسات الغربية التي كان يرى أنها سلبية ولا تخدم مصلحة الأطراف. ولكن هذه القراءة كانت قراءة خاطئة بحقه، ولشخصيته الواسعة التي تقدم المصالح الوطنية على ما عاداها، وتهتم في ذات الوقت بتنمية العلاقات بين الدول الصديقة، وما لم يفهمه الغربيون هو أن الملك عبدالله رجل صريح، ويكره اتباع السياسات الماكرة، ومظاهر الادعاء الأجوف الذي كانت بعض القيادات العربية تتبعه عبر تقديم خطابين أحدهما للشعب ينضح بنقد الغرب والقوى الإمبريالية، والآخر سري موجه للغرب بهيئة تنازلات، واتفاقات جانبية تخدم الأنظمة القمعية، ولا تأخذ بحسبانها مصالح شعوبها.
أحداث ما بعد 11 سبتمبر تقدم نظرة داخلية في التعقيدات التي كان على الملك عبدالله أن يواجهها بالنظر إلى الانطباعات الخاطئة المسبقة عنه. أراد الأمريكيون الضغط باتجاه تغيير شامل داخل الدولة السعودية، وكان الملك عبدالله في موضع صعب من التحدي. أراد الملك عبدالله أن يقف بصلابة ضد الضغط القادم من واشنطن رافضاً أية محاولة خارجية للتدخل في الشؤون السعودية، ولكنه في المقابل أدرك حاجة المملكة لمكافحة الإرهاب، وإجراء إصلاحات دينية وسياسية واقتصادية بات من مصلحة البلد الأخذ بها لنفسه قبل إرضاء الآخرين. وكما حدثني سائق سيارة أجرة سعودي أدرك بفطرته الشعبية ما يحدث: (هو- يقصد الملك عبدالله - يريد أن يفعل الأشياء وفق طريقته الخاصة). هذا صحيح، ولكي يقوم بذلك كان عليه إقناع مواطنيه بجدوى طريق الإصلاح.
على الساحة الدولية، أحرزت مبادرته للسلام التي أعلن عنها في قمة بيروت 2002 اهتماماً إيجابياً عربياً ودولياً. وبعيد توتر العلاقات السعودية-الأمريكية، أجرى الملك عبدالله سلسلة من الإصلاحات التدريجية فقد أمر بمراجعة المناهج التعليمية، وأوصى بتأهيل وتقويم أئمة الجوامع، وقد أدى ذلك لانحسار ظاهرة الوعاظ المتشددين في المنابر الدينية، وكل هذا في وقت كانت القوات الأمنية السعودية تتعقب فيه الخلايا الإرهابية، وتعمل على تجفيف منابعها، وخلال عامين من الحرب على الإرهاب داخلياً تراجعت تهديدات الإرهاب التي تصدر من بعض المواطنين السعوديين.
كانت العلاقات السعودية-الأمريكية على موعد مع التعافي في أبريل 2004، فحينما كان الرئيس الأمريكي يعد خطابه بخصوص استراتيجية الطاقة إبان تصاعد أسعار البترول، زار الملك عبدالله نظيره الأمريكي في مزرعة الأخير بكرافورد تكساس. وقدم القائد السعودي تطمينات بشأن مراقبة أسعار البترول، ووعود بإقامة معامل تكرير بترول جديدة. وعبر قيام السعودية بإعلان الحرب داخلياً ضد الإرهاب، والتركيز على مكافحة جذوره أعاد الملك عبدالله التوازن المطلوب والحيوية للعلاقات السعودية-الأمريكية، دون أن يرضخ أو يتنازل للضغوط الخارجية.
القلق الذي ساور السعوديين نهاية التسعينات كانت له عدة أسباب أهمها العامل الاقتصادي، وزيادة النمو السكاني في ظل وجود دين عام يثقل كاهل البلاد. ولكن ابتدأت بعض المخاوف والشكوك بالزوال تدريجياً، حيث أدى ارتفاع أسعار البترول -بعد كساد طويل دام قرابة سبع سنوات للأسعار هبوطاً وارتفاعاً- إلى ارتفاع قياسي في المداخيل، هذه العوائد البترولية القياسية أعادت الحلم باسترجاع دولة الرفاه التي جادت بها الطفرة الأولى.
دولة الرفاه تمنح أي مملكة ميزة الاستقرار. إذا منح الأفراد مزيداً من الأمن حيال شؤونهم المعيشية يصبحون أقل اهتماماً بالمؤثرات السلبية محلياً، وإقليمياً، ففي السنوات الأخيرة اتجه بعض السعوديين إلى الاستماع إلى أصوات متطرفة سياسياً، أو دينياً، وقد كانت قنوات التأثير السلبي عبر رموز التطرف في الخارج الذين كانوا يباشرون هجوماً على مبادئ وحدة البلاد عبر خطاب طائفي إقصائي، أو يعملون في الخفاء على تضليل الجيل الشاب، وإقناعه بأن الانخراط في حروب ضد بعض القوى العظمى أهم من حماية أمن ومستقبل هذا البلد. ولكن تغيرت الأمور رأساً على عقب بعد حدوث طفرة هائلة في سوق الأسهم السعودية تحت تأثير ارتفاع أرباح شركات البتروكيماويات، والصناعات الأساسية نظراً لارتفاع أسعار البترول. تحسن الاقتصاد الداخلي في المملكة قاد إلى تغيير أشياء كثيرة، ارخِ سمعك قليلاً لأحاديث المجالس الشعبية في السعودية ستجد تغيرات ملموسة، فمن انتقاد دائم وتفكير سلبي إلى تحليل مفصل لمؤشرات سوق الأسهم، وحديث مفصل عن الطريقة التي توفر الربح السريع والمضمون.
بالرغم من كل التطورات الإيجابية التي منحتها الزيادة في أسعار النفط ظل الملك عبدالله وفياً لوعد الإصلاح الذي قطعه على نفسه. فبعد أيام على مبايعته، أطلق سراح السجناء السياسيين، ودعا إلى مواصلة الحوار الوطني بين كافة الأطياف والمذاهب والتيارات في البلد، وقد جسدت هذه المواقف بداية تحول جديد في مسار السعودية الإصلاحي.
بعبارة أخرى، أحدث القائد الجديد تغييراً في حياة المواطنين السعوديين العاديين. فقد أمر بصرف زيادة في رواتب المواطنين السعوديين بلغت 15٪، واستحدث جمعيات أهلية وحكومية ذات صلاحية كبيرة للنظر في قضايا حقوق الإنسان، ونجح في توقيع مذكرة انضمام السعودية لمنظمة التجارة العالمية. وهناك تغيرات أخرى هامة، فقد أطلق حملة وطنية لمكافحة الفقر، وتبرع شخصياً بمبلغ 543 مليون دولار لمشروع الملك عبدالله للإسكان الخيري لسد حاجة العائلات التي لا تجد المأوى لأفرادها، ثم أعاد مشروع الابتعاث العام للطلبة السعوديين للخارج بمستوى يفوق 15 ألف منحة دراسية. وأخيراً -وليس آخراً- جعل قنوات الاتصال بالمواطنين سهلة وميسرة كما لم تكن من قبل. صورة الملك عبدالله ك «ملك صالح»، لا تعني زوال التحديات التي تواجه السعودية، فمشروع الإصلاح الذي بدأه هذا القائد لا يزال في مرحلته الأولى، وهناك الكثير من الإصلاحات فيما يخص الانفتاح السياسي الديموقراطي، والمشاركة السياسية الشعبية، والإصلاح الديني، واستقلال السلطات، وغيرها الكثير من الشؤون الإصلاحية الملحة التي تنتظر دورها في طابور الإصلاح والتحديث في السعودية، ولكن رغم ذلك هناك ثقة في الشارع السعودي بقيادة الملك عبدالله، وإيمان يزداد بجدوى مساره الإصلاحي الذي أخذه على عاتقه .
٭ زميل معهد البحوث الأوروبي
altoraifi@alriyadh.com