في الممنوع..
مرة أخرى!!
د. عبدالواحد خالد الحميد
الإقبال الهائل على قراءة الرواية البوليسية «شيفرة دافنشي» يؤكد - مرة أخرى - أن كل ممنوع مرغوب!! فهذه الرواية التي يكتبها الروائي دان براون نالت شهرة أسطورية في جميع أنحاء العالم وتم ترجمتها إلى أكثر من خمسين لغة رغم أنها رواية بوليسية عادية ولا يمكن مقارنتها من الناحية الفنية بالروائع الروائية العالمية التي تنشر كل عام ولا يقرؤها إلا النخبة من المثقفين!!
وقد تحولت الرواية إلى فيلم حقق أرباحاً خرافية بلغت أكثر من مائتي مليون دولار في الأيام الأولى من عرضها!!
هذه الرواية المملة والمليئة بالثغرات والمصادفات غير المنطقية هي محل جدل في أوروبا وقد سمعت أثناء حضور مؤتمر في بروكسل منذ حوالي ثلاثة أسابيع تعليقات غريبة من شخصيات ثقافية وإعلامية وسياسية أوروبية رافضة للتوظيف الديني الخارج عن السياق المتعارف عليه الذي استخدمه دان براون.. لكنهم كانوا يعارضون منعها لأن ذلك يتعارض مع حرية التعبير.. ومع ذلك فقد دعت جهات مرجعية مسيحية، مثل الفاتيكان، إلى مقاطعة الرواية والفيلم.. وقد استغربت من الجدل حول هذه الرواية التي سبقتها كتابات كثيرة عن مواضيع لا تحظى بالقبول الجماهيري دون أن تتعرض لمثل هذا الجدل الحاد.. وعندما قرأت الرواية لم أجد فيها ما يستحق كل هذا الاهتمام لأنها - في تقديري - لم تأت بجديد حتى في استخدامها لأسلوب الرواية البوليسية في تناول بعض التفاصيل المتعلقة بالديانة المسيحية!
وفي حين تعوّد المثقف العربي على قرارات منع نشر وتوزيع بعض الكتب والأعمال الفنية، فإن المطالبة بمقاطعة الرواية والفيلم في أوروبا وأمريكا هو أمر غريب لأن مجرد المطالبة بذلك تقود إلى جدل يسهم في الدعاية المجانية للرواية والفيلم في مجتمعات تلعب فيها الدعاية دوراً أساسياً في الترويج لأي منتج! وحتى في العالم العربي أسهمت دعوات مقاطعة الأعمال الأدبية إلى نتائج عكسية.. ولنا في تجربة رواية «وليمة لأعشاب البحر» التي كتبها الروائي السوري حيدر حيدرما يثبت ذلك حيث زاد توزيع الرواية بعد قرار منعها.. وهو قرار صدر بعد عدة سنوات من نشرها الذي كان قد تم بهدوء فظلت رواية غير معروفة لدى معظم المثقفين العرب، فضلاً عن غير المثقفين، حتى جاء قرار المنع الذي لفت الانتباه إليها!
إن المثل الذي يقول «كل ممنوع مرغوب» لم يأت من فراغ.. فقد تناقلته الأجيال، وهو متداول في كل الثقافات والمجتمعات.. وقد كان دان براون ذكياً كمسوّق أكثر منه كاتباً روائياً موهوبا.. وأعتقد، على أي حال، أن صبره ومثابرته في جمع المعلومات عن فنون الشفرة والنقوش أكبر من موهبته ككاتب.. وقد أضاف إلى ذلك موهبة جمع المال بطريقة تذكر ببعض أحداث الرواية!!
لكن المعضلة الأساسية، وبعيداً عن هذه الرواية، تظل متمثلة في حدود حرية التعبير التي يبدو أن حرية التلقي - في زمننا الراهن - قد حسمتها بشكل نهائي!