أول ست سنوات من حياتي قضيتها (بمزاجي) في بيت خالي وجدتي لأمي.. وكان معظم الناس وقتها يعتقدون أنني فرد أصيل من عائلة «الصقعبي» لدرجة صعب على خالي الزواج لفترة طويلة (لاعتقاد الناس أنني ابنه المباشر). وحين بلغت سن المدرسة كان لابد من الانتقال لمنزل والديّ والعيش في كنفهما بشكل دائم. وأذكر حينها أنني رفضت الانتقال بشدة - وأخذت أبكي بحرقة - حتى همس خالي بأذني «سأعطيك اللوحة إن ذهبت مع والدتك».. عندها فقط توقفت عن البكاء ووافقت فورا - فدخل الى غرفته وأنزل اللوحة عن الجدار وأعطاني إياها ...
كانت عبارة عن قطعة قماش مستطيلة تشغل الشمس ثلثها الأيسر في حين تصطف على يمينها بقية الكواكب (ابتداء بعطارد والزهرة وانتهاء ببلوتو ونبتون).. ورغم أنني لا أعلم من أين أتى بها خالي (خصوصا أننا نتحدث عن ثلاثين عاما مضت) إلا أنني مازلت أذكر تعلقي بها وقضائي وقتا طويلا في تأملها.. كان الأمر أشبه بالهوس لدرجة أن بعض الأقرباء نصحوه بالتخلص من هذه اللوحة (التي سحرت عقل الولد) ولكنه على العكس قام بتخفيض مستواها على الجدار خوفا على رقبتي من الانكسار!!
ولا أذكر في الحقيقة أن أحدا حاول تفسير العناصر الموجودة فيها ولكن مجرد تأملها لوقت طويل جعلني أستنتج أبعادها الفلكية بنفسي - ناهيك عن عملها كحافز للمعرفة وطرح الكثير من التساؤلات المبكرة - !
وما يبدو لي (الآن) أن تأثير هذه اللوحة كان قويا على شخصي المتواضع لدرجة تمريره لأبنائي الصغار.. فمن خلال تجربتي الخاصة أدركت أهمية عيش الطفل في بيئة محفزة للعلم ومشجعة على الاطلاع (تبدأ من غرفة نومه أولا).. وحاليا تضم غرفة أطفالي سبع لوحات مختلفة وحقيبتي معمل و 45 كتاباً عن العظماء والمشاهير - بالإضافة الى تلسكوب وميكروسكوب وهيكل عظمي صغير.. والنتيجة التي أراها اليوم قدرة ابني «فيصل» على تحديد قمة ايفرست ضمن سلسلة الهملايا، ومعرفة ابني «حسام» موقع سحابة ماجلان الصغرى والكبرى - في حين يمكن ل «رسيل» التفريق بسهولة بين علمي موناكو واندونيسيا رغم تشابههما الكبير.. وما يسعدني أكثر هو وضعهم في بيئة تشجع على طرح التساؤلات المبكرة وتحويل تعطشهم للمعرفة الى أسلوب عيش ونمط حياة يجدون دائما من يوفره لهم!
.. وخبراء التربية والتعليم يعرفون جيدا أن خلق الدافع - للعلم والتعلم - أهم من تلقين الطفل عناصر المعرفة ذاتها.. فمناهج التعليم الرسمية (مثلا) تظل محدودة مهما اتسعت وقصيرة مهما طالت ؛ وفي المقابل يعمل حب العلم ذاته على تنويع مصادر المعرفة واستمرار متعة الاطلاع حتى آخر العمر (مقارنة بسنوات معدودة في الجامعة قد تمر على البعض دهرا)!
أضف لهذا لا ننسى تأثير الاقتداء - ليس بالوالدين فقط - بل بسير المشاهير وانجازات العظماء (التي يجب أن تقدم للطفل ضمن كتب جذابة ونماذج مبسطة).. فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن 68٪ من العظماء ساروا على خطى عظماء سبقوهم، وأن 63٪ منهم احتكوا أو تعرفوا بشكل مباشر على مبدعين أو مشاهير في سن مبكرة.. والمتفحص لحياة كثير من العباقرة (مثل باسكال وجوته وكالفن وابناء موسى بن شاكر) يلاحظ وجود أب أو أخ أو جد من نفس العائلة أبدع في نفس المجال.. (وهي ظاهرة تلاحظ أيضا في العائلات الفنية والرياضية وتلك المتخصصة في مجالي السياسة والاقتصاد)!
.. الفكرة - باختصار - هي أن تضع أبناءك أنت في بيئة محفزة ووسط يسمح بدمجهم بمصادر المعرفة المتنوعة.. وكلي ثقة بأنك أول من سيفاجأ بالنتيجة الايجابية لتعليق لوحة فضائية أو خريطة جغرافية أو إنشاء مكتبة جذابة في غرفة نومهم الخاصة!
.. جرب.. وستدهشك النتيجة بعد ثلاثة أيام فقط.