بحث



الاثنين 23 جمادى الأولى 1427هـ - 19 يونيو 2006م - العدد 13874

عودة الى ثقافة اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


بيير برونال.. ساعات خارج العمر

ترجمة وتعليق - مراد حنين
    لا تملك حينما تقرأ قصائد الشاعر الفرنسي «بيير برونال» Pierre Brunel نائب رئيس جامعة السوربون الا ان تتأملها طويلا وكأنك تقرأ لوحة فنية جميلة. وكلما تأملتها ازدات الصور المرتبطة ببعضها في التداعي على المخيلة؛ حتى ليجد المرء نفسه امام منظر واسع من الطبيعة الجميلة التي نمر بها كل يوم ومع زحمة الحياة العصرية فإننا نعبر من جوارها دون ان تلفت انتباهنا بدرجة كافية. لكن الشاعر «برونال» يملك لغة جميلة تستطيع ان تمسك بنا وتجعلنا نقف معه امام لوحة فنية فاتنة. ان المنظر الجمالي لا يثير فينا جوانب الجمال الحسية التي تتضمنها الصور فحسب بل انه يجعلنا نغرق في تأملات فلسفية حول الحياة والزمن.

من يقرأ ديوان الشاعر «الأسوأ في القطيع» سيجد انه يجمع بين الفلسفة العميقة وبين الوصف الحسي لمعطيات من الطبيعة. وقد نجح في المزج بين هذين المحورين بحيث لا يشعر القارئ بالملل من الفلسفة او الغموض ولكنه يركز على الصور الحسية وينظر في انعكاسها على خياله وتفاعلها مع عناصر الحياة الأخرى التي نعيشها. يكتب قصيدته بتركيز شديد يمنح القارئ متعة القراءة والخيال.

في قصيدته القصيرة التي تحمل عنوان «خارج العمر» يسير بنا الشاعر نحو تأملات عميقة في النظر الى مسيرة الحياة وما تحمله الساعات والايام والسنون من تعرجات ترسم أخاديدها على وجه الإنسان حتى لتحمل كل تجعيدة في الوجه اسراراً وتجارب وخبرات عميقة. يقول الشاعر في قصيدته:

مياه بيضاء تتدحرج على تعرجات المعصرة

انهار تسير على وجهي تكشف عن تجاعيده

وشباب تلك التجاعيد يواصل التقريع

لقد أضاع مع الحياة هويته

ان الابيات السابقة تبين كيف ان لقطة بسيطة رآها امام المعصرة وهو يتابع حركة المياه البيضاء تتدحرج، وكيف ان هذه الصورة الواقعية نقلت اليه صورة مقابلة انعكست على وجهه فرأى فيها انهاراً تسير على غضون وجهه المتعرج بالتجاعيد. ان حركة ماء العصير الابيض داخل المعصرة كشفت تجاعيد وجهه بما تحمله من عمر مضى. لهذا فإن الذكرى التي أثارتها تلك الصورة هي ذكرى الشباب الذي ظل يكرر التقريع بما يحمله من لوم وسؤال.

اننا نرى في تلك التجاعيد تاريخاً طويلا متراكماً يمكن ان نقرأه بوضوح في وجوه كادحة امضت عمرها تكابد الحياة وتصارع تقلباتها الدائمة التي تشبه تقلبات العصير داخل المعصرة الزجاجية.

ويختم قصيدته المركزة السابقة ببيت يحمل ثقلا دلالياً يمكن ان نقرأ فيه الجانب التاريخي للحياة من خلال فقدان الشباب لهويته داخل تلك التجاعيد باعتبار التجاعيد والشباب يرفضان التعايش مع بعضهما في مكان واحد. كما يمكن ان نقرأ فيها الجانب الواقعي لمن يعيش مرحلة التجاعيد من العمر وما يتضمنه ذلك من إهمال لهذه المرحلة في ظل الركض في هذه الحياة. والجميل في هذا النص ان المتلقي يمكنه ان يقرأه وفقاً لتجربته وعمره وثقافته الخاصة؛ فكل شخص يملك في داخله تقديراً معيناً للزمن ولتجاربه السابقة التي تظل تلاحقه في ايامه القادمة لأن كل شيء نفعله في فترة معينة هو جزء لا يمكن فصله عن الذات باعتبار ان الزمن ما هو الا محيط يغلفنا مهما اتسع اوضاق الا اننا نعيش داخله ونتحرك في اطاره، ونكتسب ثقافتنا وتجاربنا من خلاله. لهذا فإن الزمن يحمل فلسفة حياة الإنسان؛ وقد استطاعت قصيدة «خارج العمر» ان تجسد تلك الفلسفة وتمنحنا إحساساً بالجمال الذي تملكه اللغة الشعرية بإيحاءاتها المكثفة.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية