الرئيسية > فن

د. عبدالسلام المسدي لـ«ثقافة اليوم»:

هناك جهات أجنبية تعرض تمويلاً لإنتاج مسلسلات بالعامية!



بيروت - مكتب «الرياض» - جهاد فاضل:

خلال حديثه ل«ثقافة اليوم» أكد الدكتور عبدالسلام المسدي على أن الأمة العربية تعيش في وضع لغوي شاذ جداً، كما تحدث عن أبرز التحديات التي تواجه الفصحى وأن الأمر بحاجة إلى قرار سياسي..

٭ كيف تنظر إلى وضع اللغة العربية اليوم؟ هل تخاف عليها من العاميات؟

- كلنا بشكل رسمي كأننا متفقون على أن لغتنا المعرفية هي اللغة العربية الفصحى. ولكننا من الناحية الفعلية، ومنذ حقبة من الزمن تصادفت مع دولة الاستقلال بعد دولة الاستعمار، أصبحنا نُهمل اللغة العربية الفصحى تضغط من ناحية اللغة الأجنبية لتقلص من اشعاعها. وتضغط من أسفل العاميات التي ما فتئنا نكرسها لأدوات تواصل في مجالات خلقت لها اللغة العربية الفصحى..

في نهاية الأمر: ضغط باللغة الأجنبية وحضورها، وهو طبيعي وضروري، وضغط من أسفل بالعاميات، تجد الفصحى نفسها قليلة النفوذ، إن لم نقل إنها تدريجياً ستؤول إلى الضمور وإلى الأفول.

٭ أين تتبدى مظاهر هذا الظهور بالنسبة للفصحى؟

- هناك جهات أجنبية تعرض تمويلاً لإنتاج مسلسلات ولكن بالعامية لا بالفصحى. المنابر الإعلامية كلها تقريباً بالعامية، البيئة، المناخ المحيط بالطفل يسيطر عليه التلاشي اللغوي. يدخل الطفل إلى المدرسة، يريد أن يكتسب العربية، ولكن بتعثر كبير، وهو إذا خرج من المدرسة إلى المناخ اللغوي من حوله، يجد هذا المناخ معولاً يحطم ما اكتسبه في الصف.

الخطب الرسمية، الخطب الدينية، دخلتها العامية. هناك فضائيات تقدم نشرات الأخبار بالعامية. فضائيات أخرى إذا اتصلت خلال نشرة الأخبار بمراسلين لها، تتم المخاطبة بالعامية.

نحن في وضع لغوي شاذ جداً، نحن أمة لا تنفك تعمل على تضييع هويتها اللغوية. المؤسف أننا نفعل كل هذا بدون رؤية استراتيجية. يخطط الآخرون لنا ثم نقول إن الواقع يرجفنا.

٭ وما الحل برأيكم؟

- لا يمكن لأمة أن تضع سيادتها بدون منظومة لغوية، بدون رؤية لغوية، يكفي لمن أراد أن يتأكد من هذا، أن يعلم الأمثلة التالية. إن علم اللغة الحديث، ما يُسمى باللسانيات، ازدهر في مطلع القرن العشرين في الولايات المتحدة لأسباب سياسية عسكرية. عندما كان الشعب الأمريكي أخلاطاً، عندما كان الشعب الأمريكي يتحاور بلغات شتى مختلفة، أُريد سياسياً أن يوحَّد لغوياً، فانكب اللغويون بدراسة القضية اللغوية، وسهلوا مهمة التوحيد اللغوي، فتم التوحيد اللغوي. هذه واحدة.

الثانية لمن يقرأ التاريخ، كيف تكوّن الاتحاد السوفياتي، تكون انطلاقاً من تأسيس لغة رسمية روسية هي القاسم المشترك بين كل الأقليات الاثنية والثقافية.

والمثال الأعظم هو اللغة الصينية. كان الشعب الصيني، أو الجمهوريات الصيهنية أشتاتاً لا حدّ لها. وهو ما زال، ولكن القرار السياسي جعل اللغة الصينية لغة رسمية وحدت الأمة الصينية.

واليوم نحن نشهد معجزة، بداية معجزة القرن الواحد والعشرين، وهي المعجزة الصينية وما كان لهذه المعجزة التي تقتحم القرن الواحد والعشرين أن تقوم، على ما يقول الخبراء، وأن تصبح عملاقاً اقتصادياً وسياسياً لولا أنها مرتكزة على منظومة ثقافية لغوية بالذات.

ثم آخر الأمثلة هو فرنسا. فرنسا فيها اختلافات اثنية وفيها مجوعات لغوية. فالقرار الفرنسي الدائم المتكرر حتى الآن هو كبح جماح لغات الأقليات باسم قانون التجانس القومي. وهو قانون يُعبد عبادة في فرنسا حتى لا تتفتت الأمة.

نحن إذن أمام أوضاع تاريخية صادمة فاقعة للعينين، ولكن أصحاب القرار عندنا يتغافلون، يغفلون، يغيّبون الوعي، يستجيبون لإملاءات لست أدري كلها افتراضات واردة، ولذلك أردنا أن نكرر الصيحة التي ما ننفك نرسلها على مستوى بث الوعي.

ولا ننسى أيضاً اللغة الإسرائيلية التي تمثل مثالاً استثنائياً في تاريخ الأمم. لغة ماتت وحُفظت في المدارج ثم أُحييت وهي في القبر وأصبحت لغة رسمية. القرار السياسي إذن هو ذو شأن في هذه المسألة.

٭ هناك دعاة للعامية ليسوا سيئي اللغوية بداية، يقول هؤلاء إن العاميات العربية تزحف اليوم لا بضغط الاستثمار والأجانب، بل بضغط الواقع نفسه، وأن الأخذ بالعاميات إيجابيات كثيرة منها برأيهم القضاء على الازدواجية اللغوية.

نحن أمة مازالت تعاني من نسبة ستين بالمئة من الأمية، إذا كانت لنا رؤية استراتيجية، ونريد أن نتعامل مع المستقبل، علينا رفع الأمية. عندها سينشأ جيل جديد يكتسب بالأمومة اللغوية العامية التي تكون قد ارتفعت إلى العربية الفصحى، وتكون في الحقيقة هي اللغة التي يتداول بها المثقفون اليوم شؤونهم عندما يلتقون.

من ناحية أخرى نعطي العربية دفعاً اعتبارياً. وعندما تصبح رمزاً للسيادة ستكون الفصحى هي اللغة التي تكتب بها نشرات الأخبار لا تلك التي كُتب بها الشعر الجاهلي. المهم هو الإرادة السياسية أو القرار السياسي، الإسرائيليون أحيوا من الموت لغة يتكلمونها اليوم وقد جعلوها لغتهم الرسمية، كان ذلك نتيجة قرار سياسي.

إرادة سياسية تتبعها إرادة ثقافية وتتبعها منظومة تربوية. من هنا نبدأ.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة