بحث



الاحد 22 جمادى الأولى 1427هـ - 18 يونيو 2006م - العدد 13873

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


للعصافير فضاء
مقاهي الحزن

نجوى هاشم
    «شكراً للمعاناة لأنها تعلّم الإنسان»

الشاعر الفرنسي بودلير

٭ ٭ ٭

في الصين تم افتتاح مقهى للحزن يتيح لرواده التعبير عن حزنهم بالبكاء، وتبلغ تكلفة ارتياد المقهى 50 يواناً (ستة دولارات) لكل ساعة مع تقديم أفضل المشروبات للزبائن الذين يذهبون للبكاء.

هذا المقهى النادر الخصوصية يوفر لزبائنه المناديل وزيت النعناع لتخفيف آلامهم كما يقدم البصل والفلفل الأحمر لمساعدة الذين يرغبون في ذرف الدموع.

وتعزف الموسيقى الحزينة داخل المقهى الذي يوفر لاصحاب العلاقات العاطفية المحطمة دمى على شكل نساء ليدفعوها جانباً ويضربوها للتنفيس عن غضبهم.

عندما قرأت الخبر تخيلت أن هؤلاء الحزانى الذين سيرتادون المقهى لن يخرجوا عن نطاق امهات، وآباء فقدوا أبناءهم، أو أبناء فقدوا أسرهم وظلت بينهم وبين الفرح مسافة غائبة ومستحيلة، وبالتالي سيكون من الرائع أن تفتح مقاه لهؤلاء الحزانى فعلاً الذين سكنهم الحزن بشراسة، واغتال مساحات الأمان لديهم.

لم أكن أتخيل أن أصحاب القصص العاطفية الفاشلة هم الذين سيرتادون المقهى بحثاً عن لحظات انعتاق من حالات الفشل العاطفي، أو وهم الحب الذي عاشوه وتخيلوا أن الحياة بنيت عليه، وأي هدم لطوبة من هذا البنيان العاطفي ستنهد الحياة بأكملها.

لم أكن أتخيل أن الرجال فقط سيكونون أكثر المرتادين للمقهى يركلون الدمى التي على شكل نساء ليفرغوا غضبهم وحزنهم فيها، ولينتقموا من النساء اللاتي دفعن بهم إلى هذا المكان.

ويبدو أن بعض الرجال هنا ممن ارتادوا المقهى تخيلوا من غدر بهم، ودمر أرواحهم وجعل اللحظة زلزالاً تحت أقدامهم، فأمّوا المكان الذي سيخلصهم من الاحباطات والهزائم وسيمنحهم قيم الشجاعة والقفز بعد تحطيم كل دمية.

والسؤال هنا هل لا يزال بيننا من يحزن على علاقة انتهت أو دُمرت؟

هل لا يزال بيننا عاطفيون يعشقون استبداد الحبيب ويذوبون في قيم التواري خلف الآخر؟

هل لا يزال بيننا من يحزن إذا تركته امرأة؟

وهل هناك امرأة تحزن على رجل أضاعها مع زمنها ورمى بها في لحظة جنون لم تخرج منها سوى بصمتها الاجتماعي؟

لم يذكر الخبر أن هناك نساء ترتاد المقهى للتنفيس عن أوجاعهن، ولم يوضح ما هي الدمى التي توفر لهم ليدخلوا بها حيز التكسير وتحطيم مفردات ذاكرة حملت هزيمة وحلماً استحال تحقيقه؟

من الخبر يبدو أن رجال الصين يملؤون كؤوسهم الفارغة بأحزانهم ويصنعون حياة خاصة لهم لا ترتادها النساء المتجبرات.

وأن نساء الصين هن من يقتسمن لحظات الفرح والتعايش مع دفء الشمس ورومانسية ليل الهوى الذي لا يعني حضوره أو غيابه.

قاموس الحزن لدينا يعني أن البكاء يذرف في كل زمان ومكان لا يحتاج إلى بصل أو فلفل لاستدراج الدموع به، فقط الضغط على زر وبالذات لبعض النساء اللاتي يعشقن البكاء، ويستعذبن الدموع أكثر من التفكير والكلام، ولكن حتى هؤلاء مع ضعفهن الشديد، تنحدر الدموع منهن لأسباب تبدو جوهرية لهن أكثر من غيرهن.

ولذلك نلاحظ أحياناً في العزاء أناساً يذرفون دموعاً هائلة تتجاوز المطر وعندما تسأل ما قرابتهم بالميت تكتشف أن لا قرابة، كل ما في الأمر أن هؤلاء أغرتهم حفلة البكاء في العزاء فأهل الميت يبكون على ميتهم، والحضور منهم من يبكي عزيزاً فقده ومنهم من يبكي قصة حب فاشلة، ومنهم من يبكي هموم وإحباطات الحياة، ومنهم من استعذب حفلة البكاء فشارك فيها بدموع جاهزة للانحدار.

هل تحتاج إلى مقاهي حزن بعد أن تعددت مقاهي الفرح في كل شارع وكل مركز تجاري بعد أن أصبحنا نعيش حصار مقاهي الوناسة والتآلف مع الفراغ للهروب من دائرة المشاكل والهموم والانسجام مع الحياة الفارغة التي نعيشها في المقهى، ثم نغادره لنلملم بعدها غصة اعتياد جلسات تنحصر في الركون إلى الهروب من كل شيء دون الحصول على شيء؟.

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

موضوع جميل


استاذة نجوى
فكرة غريبة افتعال الحزن او المبالغة في التعبير عنه امام الملأ.. قد تشعره ان هناك مثله وانه ليس وحده من يتألم.. لكنها دائرة متعبة وجوها خانق.. يبدو ان بني آدم مازال يشعر بالراحة في وضع الضحية او في استمرار شعوره بالأسف على نفسه.. هل هو الذكاء العاطفي الذي ينقصنا؟؟ هل هو خلل هرمونات؟؟ ام هي عادات فكرية توارثناها؟؟
يكفيني ان اعبر عن حزني بين جدران غرفتي وحدي او من خلال محادثة مع شخص عزيز متفهم.. صحيح الحزن يجر بعضه واذا لم يحاول الانسان النهوض وتغيير حاله سيألف حزنه ويصبح الدور الوحيد الذي يجيده.. اعتقد ان ضيق الأفق وقلة النضج الفكري وسطحية الاهتمامات او الاهداف هي ما يضخم قصص الحب الفاشلة.. لو كان سخر الإنسان قلبه وعقله في اهداف اسمى وانبل تخدم شريحة في المجتمع محتاجة لن يشعر بالحزن كثيرا اذا واجه احباطات من اصدقاء او تجارب عاطفية فاشلة لأن عطاء قلبه لا يتوقف بتوقف بعض الأفراد ولأن الاهداف التي تشغله اكبر واسمى مستمرة لا تتوقف..


اسرار
ابلاغ
04:39 مساءً 2006/06/18


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية