د. نورة خالد السعد
مسلسل عذابات الأطفال لم ينته، وكل يوم تنشر في الصحف قصة جديدة لتعذيب الأطفال من قبل آبائهم أو زوجات آبائهم في حالة طلاق أمهاتهم..
فكما غابت غصون بعد تعذيب زوجة أبيها!! ها هي قصة الطفلة (فرح) التي نشرت قصتها في الصحف يوم الاربعاء 18/5/1427ه والتي بقيت مع والدها بعد طلاق أمها وخضعت لتعذيب زوجة الأب!! وحرمت من مشاهدة والدتها على مدى ثلاثة أعوام!! إلى ان هربت من هذا المناخ إلى منزل جدتها التي قامت بدورها لتسليمها إلى أمها التي اتصلت بالشرطة لابلاغهم عن هذا الهروب حتى لا تتهم بأنها قامت بخطف ابنتها!!
قصة فرح لا تختلف كثيراً عن مئات القصص لتعذيب الأطفال نكاية بالأم بعد طلاقها!!
تحكي والدة فرح القصة بأنها انفصلت عن زوجها والد فرح منذ 11 سنة وكانت فرح في الشهر الخامس من عمرها وبقيت مع والدتها إلى ان أكملت من العمر ثماني سنوات، لم يسأل عنها الأب حسب رواية الأم..
وعندما تزوجت الأم من شخص آخر جاء لطلب زيارة ابنته وأخذها في نزهة قائلاً انه سيعيدها بعد ذلك.. ومنذ ذلك اليوم وعلى مدى ثلاثة أعوام أبقاها معه ولم يسمح للأم برؤيتها وأيضاً قام بتهديد مديرة ومعلمات المدرسة التي تدرس فيها (فرح) انهن سيتعرضن للمساءلة إذا سمحن برؤية والدتها لها اثناء الدراسة أو في المدرسة!!
ولنتخيل طفلة في الثامنة من العمر وعلى مدى أعوام ثلاثة تحرم من مشاهدة والدتها!؟ بل وحسب إفادتها قالت (فرح) - التي لم يكن لها من اسمها نصيب -!! ان زوجة والدها كانت تمارس عليها شتى أنواع التعذيب وتحرمها من اللعب مع اخوتها منها وتحرمها من المذاكرة وتمنعها من النوم!! ونشرت صورة فرح وآثار التعذيب على ظهرها والحروق!!
فاض الكيل بهذه الطفلة فهربت إلى منزل جدتها ومن هناك تم ايصالها إلى منزل والدتها التي وجدت الفرصة لتشكو إلى الشرطة بعد إبلاغهم عن القصة كاملة.. الأب طلب من الشرطة استعادة ابنته ورفضت الشرطة إلى حين الانتهاء من التحقيق.. وتم استدعاء زوجة الأب للتحقيق معها..
٭٭ هذا المثلث المرعب الذي يعيش فيه هؤلاء الأطفال بعد طلاق والديهم فهم بين (الأب وزوجته والحرمان من رؤية الأم).. لم يتوقف على مدى سنين وكل من كانت مديرة أو معلمة تعرف من هذه الروايات المفزعة الكثير.. ولن أنسى في حياتي عندما كنت مديرة لمدرسة متوسطة أن استأذنتني قريبة لاحدى طالبات السنة الأولى متوسط والتي التحقت منذ شهور بأن أسمح لوالدتها برؤيتها حيث ان والدها منع مديرة المدرسة الابتدائية من السماح لوالدتها برؤيتها.. وأن هذه الأم حُرمت على مدى عشر سنوات من رؤية ابنتها أي منذ طلاقها!! أي حتى قبل التحاقها بالمدرسة الابتدائية!!
فهل هناك أقسى من هذه المعاملة.. أتذكر أني سمحت لها بذلك وحضرت الوالدة من مكة المكرمة حيث تقيم وكان مشهداً مذهلاً لأم وابنة حُرمتا من رؤية بعضهما على مدى عشر سنوات كبرت فيها الطفلة وهي تعيش الجفاف العاطفي فوالدها لم يبادلها كلمة منذ ذلك اليوم (منذ طلاق أمها) وتزوج بأخرى كانت أكثر حناناً من الأب.. تفنن هذا الأب في ممارسة القسوة على ابنته حتى عندما لاحظ شدة تعلقها بالمدرسة وبالحضور اليومي وعدم الغياب قام بإخفاء (مريولها المدرسي) في الصباح واكتشفت الصغيرة أنه ر ماه في (ماء كرسي الحمّام)!! كي يمنعها من غسله وتجفيفه ثم ارتدائه في ساعات الصباح.. فما كان من الصغيرة إلاّ أن حضرت إلى المدرسة بارتدائها ثوباً من ملابس المنزل وبقيت بعباءتها وحضرت إلى غرفتي لتحكي لي الواقعة!!
لن أطيل أكثر ولكن هذه الطالبة عانت من معاملة والدها مالا يتخيله شخص.. إلى أن سخّر الله لها زوجاً بعد حصولها على شهادة المتوسطة..
وربما مجتمعنا في جدة لم ينسَ الطفل الذي عذّبته زوجة والده منذ طفولته الأولى فقد كان يحضر (للروضة) محترقاً في يديه وصدره من جراء إلقاء الماء الحار عليه وتم إحضار والده إلى مدير التعليم وحذّره وتم إحضار زوجته وكانت معلمة رياضيات غير سعودية في إحدى الثانويات وحذّرتها المسؤولة في مكتب الإشراف..
ولكن بعد خروج الصغير من الروضة والتحاقه بمدرسة ابتدائية لا يعرف ماذا حدث له إلى أن نشرت قصته مرة أخرى بعد أن قتلته هذه الزوجة!! بغرزها رأس السكين في تجويف ضلوعه وحدث له نزيف داخلي توفي بعدها قبل أول يوم من امتحان الشهادة الابتدائية!!
الزوج أسقط حق ابنه وقيل إنه تم استرضاء أم الطفل المطلقة لا أعرف كيف!! وتمت عقوبة هذه المجرمة بالسجن لمدة معينة.. كحق عام!!
٭٭ هذه البشاعة والقسوة التي يتعامل بها الآباء مع أبنائهم من زوجاتهم لماذا بعد الطلاق يستمرئون تعذيبهم؟ ألا يكفيهم حرمان الأم من مشاهدتهم حتى يضيفوا إلى الحزن حزناً أعمق؟!..
٭٭ كم هو مهم فتح مكاتب في مختلف المدن لمتابعة هذه الحالات..و لابد من اجراءات قانونية تحمي حقوق الأطفال وحقوق المطلقات في مشاهدة أبنائهن.. لابد من استراتيجية واضحة لمتابعة أي حالة طلاق تتم ومعرفة آلية التواصل مع الأبناء وأمهاتهم..
ولابد من تدخل قوي من قبل المحاكم والإمارة ومكاتب الإشراف الاجتماعي لوضع حد نهائي لهذه القسوة وهذه المهازل.. (فرح) طفلة الحزن لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة إلا إذا طبقنا تشريعاتنا كما ينبغي و كما هو مفروض..
noras@alriyadh.com