د. صنهات بدر العتيبي
قد يكون هذا اغرب مقال في تاريخ الاستراتيجية لأنه يختصر الحديث عن مفهوم معقد وخطير كمثل الاستراتيجية في قطاع مهم وكبير كمثل التعليم العالي في كلمتين فقط «استقلالية الجامعات». هذا هو المطلوب لضمان نجاح التعليم العالي في تحقيق اهدافه ومعالجة مشاكله المتورمة وتحقيق مقاصد الوطن والمواطنين من قطاع التعليم العالي.
منح الجامعات الاستقلالية التامة والتعامل معها كوحدات مستقلة عن مقام وزارة التعليم العالي سيساهم في الرفع من اداء الجامعات وهي الادوات الرئيسة والفاعلة في تقديم خدمات التعليم العالي، وهنا تكمن الفكرة، حيث ان الوزارة نفسها لا تمارس مهمة التعليم بذاتها كما تفعل الجامعات. الواقع يقول ان الجامعات هي الادوات التي تستخدمها وزارة التعليم العالي لتقديم الخدمات المطلوبة منها لعموم المواطنين وعليه يجب ان تطلق الوزارة «سراح» هذه الادوات من الهيمنة البيروقراطية خاصة وان النموذج البيروقراطي للادارة لا يتناسب مع متطلبات التعليم العالي فيها من تعليم وبحوث وتطوير وطلاب وطالبات ومناهج واعضاء هيئة تدريس.
وضع الكاتب الشهير والمؤلف المحنك مينتزبرغ نموذجاً هائلاً يوضح حتمية الاختلاف في طبيعة الادارة الاستراتيجية للمنشآت حسب خمسة اوضاع هي:
٭ الوضع الآلي (المصانع الثقيلة).
وضع النشأة (الشركات الحديثة).
الوضع المتعدد (الشركات متعددة الاعمال).
الوضع الابتكاري (شركات البرمجيات).
الوضع المهني او الاحترافي ويقصد به الجامعات ومراكز البحوث والمستشفيات.
وبطبيعة الامور لن يخطر على بال اعتى الكتاب في الادارة الاستراتيجية ان مؤسسات مهنية مثل الجامعات او مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية سيتم التعامل معها مباشرة من قبل جهات حكومية او ستدار بطريقة لا تفرقها عن مؤسسات حكومية عتيدة موغلة في الرسمية والروتين!!
الذي يحدث لدينا ان الجامعات تحدها ارتباطات هيكلية وتسيرها اجراءات روتينية من قبل ثلاث جهات وليس وزارة التعليم العالي فقط حيث تضاف وزارة المالية ووزارة الخدمة المدنية وربما جهات اخرى كمثل امارة المنطقة وادارات محلية اخرى!! سيقول قائل ان ما يحدث في دول العالم الاخرى وحتى في امريكا نفسها ان بعض الجامعات تتبع لمؤسسات حكومية ونقول هذا صحيح ولكن الامر مختلف؟!
الجامعات الفيدرالية في امريكا تكون تحت سلطة واشراف ومراقبة المؤسسات الفدرالية او الحكومية ولكنها تعامل كوحدات مستقلة تماماً لها ميزانياتها واداراتها وافكارها ومشاريعها المستقلة التي تبنى من داخل الجامعة وليس من خارجها.
في جامعاتنا عندما تريد الجامعة تعيين عضو هيئة تدريس تأخذ باللف والدوران عند اربع او خمس جهات مختلفة وتمر باشارات مرورية حمراء وخضراء على طول سكة التائهين (اسف المعاملة)!! ومع ذلك لن يتم الامر بالسرعة والكفاءة المطلوبة. تنبع المشكلة من كون هذه الجهات الحكومية لن تتفهم متطلبات واحتياجات الجامعات كمثل مسألة عضو هيئة التدريس المميز الذي تتخطفه الجامعات الخليجية لأن جامعاتنا لا تستطيع تجاوز الخط الاحمر المتمثل في كادر تعليمي اكل عليه الدهر وشرب!! هذا امر واحد فما بالكم بالمشاريع التطويرية والوسائل التعليمية المبتكرة والنشاط البحثي والاكاديمي مثل المؤتمرات والندوات واصدار المجلات العلمية والاكاديمية!!.
عليه تكون المطالبة باستقلالية الجامعات مشروعة لإعاة الحياة الى ديناصورات ادارية و«ثانويات» كبيرة تضع جل همها في الكم وتخريج افواج من الطلاب الحفظة «صم»!! وهم الى قفص البطالة اقرب لأن كل «جامعة» بما فيها تنضح!!