جبة .. الموقع والتاريخ
جبة هو الاسم العريق لبلدة تتربع وسط كثبان رمال عالج في وسط الشمال الغربي لجزيرة العرب في منطقة حائل حسب التقسيم الإداري الحالي للمملكة العربية السعودية وتبعد عن مدينة حائل من جهة الشمال الغربي (110كلم) وعن مدينة سكاكا الجوف (190كلم) جنوباً اسم جبة هو تفريد الاشتقاق من الجبب أي الآبار غير العميقة باللهجة المعاصرة ومفردها جب كما في قوله تعالى في سورة يوسف: {وألقوه في غيابة الجب} .. الآية. والتاء المخففة بالتسمية الحديثة لهذه البلدة ناتجة عن اللهجة الدارجة لسكان هذه المنطقة. وبلدة جبة موغلة بالقدم حيث تدل النقوش التي تزخر بها الجبال المحيطة بهذه البلدة المسماة (أم سلمان) (غوطة) تذكر أن الاستيطان البشري كان موجوداً بهذا الموقع لما قبل سبعة آلاف سنة.
إن بلدة جبة في عصورها المتأخرة قد شهدت العديد من المتغيرات الاجتماعية والجيولوجية، فقد جفت البحيرات التي كان يتشكل منها غورجبة لما بعد العصور المطيرة واللاحقة بها وذلك بفعل العوامل الجوية وسرعة زحف الرمال من مناطق الصحراء الكبرى في شمال القارة الافريقية وامتدادها في صحراء سيناء، والمعروف أن الرمال تتسرب وتستقر في الأماكن الرطبة المنخفضة، وبما أن موقع بلدة جبة كان عبارة عن بحيرة عظيمة عذبة المياه تتم تغذيتها عن طريق روافد جبال أجا وجبران والمسمى وأم سلمان والغوطة وبدأت بالتسرب حتى أغلقت مجاري الأنهار التي كانت تغذي هذه البحيرة ومن ثم بدأت البحيرة بالجفاف التدريجي حتى انتهت بالكامل بفعل هذه العوامل.
وتبعاً لذلك فقد كانت هناك متغيرات اجتماعية انتجت ذلك التغير وحصلت بالمنطقة هجرات معاكسة ومتلاحقة إلى بلاد ما بين النهرين وغيرها من المناطق التي تتوفر بها المياه، وفي العصور الحديثة استوطن العرب الموقع من جديد وبدأوا في استعمار الموقع وقامت تبعاً لذلك حضارة مزدهرة إلا أن هذه الحضارة كانت معزولة عن الكثير من المتغيرات المتلاحقة على سكان جزيرة العرب نتيجة لعزلتهم بفعل محاصرة الرمال لبلدتهم من كافة الجهات حيث يغلب على سكان هذه المنطقة الأصالة العربية العريقة والشهامة والكرم وهذه الخصال هي التي كانت سائدة في مجتمع القبائل العربية، وفي العصور الحديثة كان لبلدة جبة ممثلة في سكانها عشيرة الرمال من قبيلة شمر دور مؤثر ومهم في الكثير من الأحداث والأمور التي كانت تدور وذلك من خلال موقعها المتوسط وحصانتها المنيعة فكانت مأوى وملجأ للكثير من القبائل والأفراد..
وقد اشتهرت جبة بكرم أهلها وشجاعتهم وأريحيتهم والشواهد على ذلك كثيرة فهذا الأمير الشاعر عبدالله بن رشيد حينما هاجمته عساكر الدولة التركية في مدينة حائل التجأ إلى بلدة جبة وأهلها وقد كان له ما أراد من حماية وتم القضاء على عساكر الدولة العثمانية التي كانت تطارده وذلك بأن تم استدراجهم إلى حيث رمال النفود وعند ذلك تم الإيقاع بهم والقضاء عليهم والموقع معروف بالنفود ويسمى «فروش الدولة» بمتوسط المسافة بين قرية (قناء) وبلدة (جبة) وقد مدحهم الشاعر عبدالله بن رشيد بقصيدة طويلة نذكر منها هذين البيتين:
جبة سقاه من أول الوسم رعاد
وما طالعت خشم أم سلمان تسقيه
حيث انها للمنهزم دار ميعاد
ومن لاذ به كن الحرم ولا يذ فيه
وقد اشتهر أمر هذه البلدة خلال عهد نايف بن عتيق بن رمال المعوف بذباح معيده ولهذه التسمية قصة يذكرها المعاصرون له وهي أنه خلال أحد ليالي الشتاء حضر مضافته ركب من قبائل العرب وكان عددهم كبير وكانت أحوال البلدة وأهلها ضعيفة وكان وصول هذا الركب بوقت متأخر من الليل فما وجد في بيته شيء يكفي لهؤلاء الضيوف فأقدم على ذبح الناقة التي يستخدمها لسحب الماء من البئر لسقي مزرعته وكانت تسمى «معيد» وذلك لإكرامهم.. وقد ذكر كرم هذا الأمير في العديد من القصائد ومدحه كثير من شعراء القبائل.
وفي عهده كانت جبة وجهة للعديد من المستشرقين الغربيين والكثير من الباحثين العرب وغيرهم ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: (الليدي آن بلنت، جورج أوغست فالين، ربينز، يوركهارت).
وما زالت مضافته موجودة حتى وقتنا الحاضر ويقوم على العناية بها أحد أحفاده وهو الشيخ عتيق بن النايف بن رمال.
وفي عهد النهضة السعودية المعاصرة ازدهرت هذه البلدة بفضل ما تقدمه الحكومة السعودية حيث عبد الطريق الذي يربطها بمدينة حائل وأوصلت لها الخدمات الكهربائية والهاتفية كما يتم تقديم الخدمات البلدية لسكان هذه البلدة وما جاورها وفتحت فيها أغلب الإدارات الحكومية والمدارس والمستوصفات. ويتطلع سكان هذه البلدة إلى المستقبل بمزيد من الأمل والتفاؤل بأن تعود لبلدتهم مكانتها القديمة كحاضرة ومركز محافظة للجهة الشمالية من منطقة حائل وأن يتم الاهتمام بآثارها وذلك بإقامة متحف كبير يضم آثار المنطقة، وكذلك تحسين الخدمات والبنية التحتية وتشجيع الشركات والمستثمرين لإقامة الفنادق والاستراحات للسياح القادمين لهذه البلدة وأن يكون هناك تشجيع للحرف اليدوية التي تشتهر بها البلدة وأن ينشأ فيها مطار صغير لاستقبال الطائرات الخفيفة والشراعية لتشجيع السياحة الصحراوية.