الاثنين 16 جمادى الأولى 1427هـ - 12 يونيو 2006م - العدد 13867

إلى من نشتكي يا وزير الصحة؟

د. عبدالعزيز بن زيد الشعلان

    كثر اللغط حول الإعلانات الطبية وما تتضمنه من خروج على الذوق العام ناهيك عن الأخلاق السليمة.. واعلم انكم بذلتم وتبذلون جهوداً تحمدون عليها لتصحيح ما لحق ببعض المعلنين من خلل أخلاقي ومهني. ففريق منهم في آذانه وقر.. وفريق آخر جعل أصابعه في آذانه واستكبر استكبارا. إن مثل هؤلاء يذكر الإنسان بالقول المأثور: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» وهؤلاء حق عليهم القول.

فكنا نقرأ ما يعلن في الصحف عن بعض المراكز الطبية وما تدعي القيام به من معجزات كثيرة، كاحياء الموتى أو العظام وهي رميم!. فتحمر وجوه من به حياء من الناس أو خشية من الله سبحانه وتعالى.. ونعزي أنفسنا بأن من يقرأ الصحف هم الكبار أما الصغار فهم في مأمن من ذلك.. لكن ما نراه اليوم فاق ذلك كثيراً.. فعلى شاشة التلفزيون.. التي يراها الكبار والصغار، أصبحنا نرى «مصاص بيبسي منكسراً مخذولاً» يهب واقفاً بعد إضافة بعض الأدوية إليه.. ونرى خيمة متهاوية.. ترتفع شامخة في السماء بعد انتصاب عمودها.. ثم نقرأ تحت الإعلان «العبرة بالصلابة».

إننا لا نجد مثل هذه البذاءة في أماكن معينة مشهورة «بالروح الرياضية» في مدن غربية يقصدها بعض السياح حيناً من الدهر!. والأفدح من ذلك ان مثل هذه الإعلانات لا ينشرها فرد أعمى الطمع بصره وبصيرته وإنما شركات كبيرة تديرها مجالس أعضاؤها من نخب المجتمع السعودي أو ما يسمون هكذا.

ان الأمر يا معالي الوزير لم يتوقف عند هذا الحد.. وإنما تعدى حدوداً لا يمكن السكوت عنها.. فهذه الشركات الكبيرة التي كنا نكن لها بعض الاحترام، بدأت تبث البذاءات على تلفونات الجوال.. وكأن أطفالنا لا يكفيهم ما تطمرهم به الفضائيات المختلفة من غثاء. فبالأمس فوجئت بابنتي ذات الاثني عشر ربيعاً تسألني عن معنى رسالة وردت على جوالها.. تقول هذه الرسالة «لا تنسى الواجب: التوقيع: سنافي..». وهذه الرسالة من شركة أدوية سعودية وتبث على شبكة شركة سعودية كبيرة. ولكن رحمة الله كبيرة حيث توافقت هذه الرسالة مع الامتحانات فكانت إجابتي لابنتي إن شركة التلفونات تحثك على أداء واجب الامتحان. فهل صدقتني؟ أرجو ذلك!

يا معالي الوزير لقد بلغ السيل الزبى وأنا أعلم يقيناً حرصكم على تحمل الأمانة وما تبذلونه من جهود كبيرة في ميادين متعددة لخدمة هذه البلاد وأهلها والحفظ على أخلاقها. ولي أمل عظيم بأن توضع قواعد واضحة لمثل هذه الأمور تتضمن العقاب والثواب. واسمحوا لي يا معالي الوزير بتقديم بعض المقترحات التي قد تفيد في تقنين الإعلانات:

1- يجب ألا يسمح اطلاقاً لشركات الأدوية بالإعلان عن أدويتها أو أجهزتها خارج المجلات والدوريات الطبية.. فالقارئ المقصود بهذه الإعلانات هو الطبيب وليس المريض.. والطبيب يمكن الوصول إليه بسهولة من خلال المجلات الطبية.. وعلينا ألا نشجع المريض بالذهاب إلى الصيدلية مباشرة ومن ثم تحويلها إلى عيادة.

وهذا كما تعلمون متبع في البلاد المتقدمة.. وليس بالضرورة أن نقوم باختراع العجلة من جديد.

2- في البلاد التي سبقتنا في هذه المجالات لا يسمح بالإعلان في وسائل الإعلان المختلفة عن الأطباء والمحامين ومراكزهم.. فهذه فئات إعلانها جودة عملها، وبناء على ذلك يجب منع الإعلانات الطبية نهائياً. وإذا كان ذلك غير ممكن لأسباب قد تخفى على الفقير إلى ربه، فلابد من حصر الإعلان في اسم الطبيب فقط وتخصصه كما هو وارد في ترخيصه أو تصنيفه في الهيئة السعودية للتخصصات الصحية. ولا يزيد على ذلك بكلمة واحدة.

أعلم يا معالي الوزير ان التنظير شيء.. ومواجهة الواقع شيء آخر.. ولأني أدرك ذلك جيداً فاني أدعو الله لكم بالتوفيق والنجاح لحماية مجتمعنا وخدمة المواطن فيه. ولي ولكثير من زملائكم أمل بأن يتحقق على يديكم الخير الكثير.

ولعلي لا أنسى أن أذكر، فالذكرى تنفع المؤمنين، ان أية تنظيمات وتشريعات مهما كانت شموليتها ودقتها.. لا تساوي الورق الذي تكتب عليه ما لم يكن هناك آلية واضحة وصارمة رادعة لتنفيذها.