الكل لديه الرغبة في السبق ولعل بروزها عند الشعراء أكثر وضوحاً لتعبيرهم عن أحاسيسهم بالقصائد والأشعار، ويتضح هذا السبق فيما يدونونه أو يطرحونه في الساحة من المعاني المتميزة، وفي الوقت نفسه لديهم الاعتراف بمن سبقهم إلى الجيد منها أو هذا المسلك المثالي الذي إذا أخذ به كان جيداً.
أخذ الكثير من الشعراء السابقين بهذا حتى أصبح ضمن منهجهم، وتكاملت قصائدهم وتشابه بعضها نتيجة لهذا أيضاً، لكن ذلك التشابه لم يقلل من أي من القصائد التي قدموها بل زادها توهجاً ورسوخاً.
ومن المؤكد أن المعنى يكتسب قوة أكبر عندما يكون مقتبساً من صاحب تجربة وشهرة وصاحب مكانة وتمكن، كما أن هذه المكانة تأتي من احترام الشاعر لنفسه أولاً وانتقائه لما يقول وبالتالي قبوله الاجتماعي والاحتفاظ بأشعاره والاعتراف بأسبقيته لما وصل إليه.
وعلى هذا الأساس تغيرت مراتب الشعراء وتباينت مستوياتهم فصارت أشعار بعضهم مفخرة، يتم الاقتباس من معانيها بل وجزءاً من أبياتها، أي حتى الأسلوب واللفظ، وقد كان سائداً في الفترة السابقة هذا اللون من التقليد أو الاستعارة أو الاقتباس أو بالأصح التكامل والتمازج لأسباب عدة أهمها: الاعتراف من الجميع لأنفسهم بأنهم يقولون شعراً جيداً يأخذ من الحكم والأمثال السائدة والمتداولة مادة يرتكز عليها، كما أن معظم شعرهم يسير في اتجاهات متقاربة ويصب في نهاية شبه موحدة.
ورغم تشابه العديد من القصائد على امتداد التاريخ والمدة الطويلة بينها والتي تصل إلى عشرات بل مئات السنين إلا أن كل واحدة من القصائد تحتفظ بطابع يميزها ويبقي للشاعر استقلاليته وإبداعه وتفرده ووضوح بصمته في أسلوبها وألفاظها ومعانيها لتدل عليه وتؤكد وجود تلك الاستقلالية وهذا التميز، ولنسميه اليوم حق الامتياز له بما قدم فيها وضمنها من سبق واختيار.
وهذه ميزة لشعراء عصر مضى ومضى معهم أسلوبهم الذي لم يتلقاه جيلنا الحالي برحابة صدر، بل إن البعض يستعيب تقليد أو اقتباس المعاني من شاعر آخر ويرى أن ذلك من القصور، وهذا غير صحيح فلا يوجد شاعر نبت من فراغ ولا أمطرت عليه لغة تكلمها وحده ولا هو طفرة من جينات الشعر ولا هو من قدرة ذاتية ولا من فضاء يخلو من المعاني بل هو من وسط هيأه لأن يعبر عن أحاسيسه ومن نبع من العطاء الكبير من اللغة والمعاني والتجارب التي سبقه غيره بما فاستقى منها بقدر ما لديه من موهبة واستعداد ورغبة وبالتالي فهو نتاج كل ما حوله وكل من سبقه بشعر ونثر ومعلومة، وعليه أن يعترف بهذا ويعيد حساباته من جديد إن رأى أنه لا يقتبس ولا يقلد ولا يتفاعل مع أدوات حوله ووسائل متاحة، أو رأي أنه نسج خاص وبالتالي فعزله نفسه عن الوسط المعاصر حوله والتاريخي قبله خلل كبير يثبت فراغاً لديه وحاجة لأن يتدارك ما فاته أو ما فوته على نفسه.
ولقد كان الاعتراف من جيل الأمس بأنهم جزء من وسط ممتد يشملهم جميعاً ويضمهم في دائرة واحدة أفرز نتاجاً له آفاق رحبة من الصدق والفائدة والاعتزاز بمضامين شعر الآخرين وحفظ حقوقهم والاعتراف بسبقهم فحملهم هذا إلى اتباع منهج صحيح معلن غرضه تعزيز النفس والشعر بأقوال من سبقهم فصار الشاعر يقتبس بعض المعاني من الآخرين ويسند الفضل لصاحبه، وفي هذا دعم للساحة الأدبية ومن يدخل دائرتها ففي يوم من الأيام يكون هو من ينسب إليه السبق ويرجع النجاح إليه بحسب ما لديه من قدرات وما وصل إليه من تمكن، وهذه المنهجية نتيجتها ستكون في صالح الوسط الأدبي، تعافيه ولا تمرضه وترفع أفراده ولا تخفضهم.
ولم يقتبس أولئك الشعراء من كل ما يُقدم ولا من كل من يدعي الشعر بل يتم الانتقاء لأسباب كثيرة أهمها: القيمة ذاتها فيما يؤخذ وفيمن يؤخذ منه وهنا تكمن الدقة في الاختيار فليس كل شاعر يمكن أن يكون الاقتباس من أقواله ومعانيه مفخرة ومصدر اعتزاز ما لم يعتز الشاعر بنفسه أولاً ويحرص على إنتاجه الشعري فيكون ذا هدف ورسالة وقيمة ومضمون، لذا كان بعض الشعراء أكثر قبولاً من بعض فقدم شعرهم حكماً ومعاني أفاد منها الآخرون لأنهم اتصفوا بثلاث صفات أساسية هي:
الأولى: مكانة الشاعر الرفيعة هيأت شعره وما يقول لأن يقتبس منه كإنسان يعتز بنفسه ويحترمها.
الثاني: صدق أحاسسيه، والتي يدركها الشعراء.
الثالثة: قوة المعنى وجمال الصورة التي ضمنها شعره.
وبالتالي ليس كل شاعر يمكن أن يقتبس من شعره، وليس كل شاعر أيضاً يكون للاقتباس من شعره مزيد من الفائدة.
ولنأخذ على ذلك مثالاً من عدة أمثلة، فقد كان فيما قاله الشريف بركات وما اقتبسه من المعاني من شعر التميمي أبرز اعتراف بهذه المنهجية وأكثرها صراحة حيث يقول الشريف:
قلته على بيت قديم سمعته
على مثل ما قال (التميمي) لصاحبه
إذا الخل وراك الصدود فوره
صدود ولو كانت جزايل وهايبه
فماذا يقول التميمي الذي ذكره الشريف بركات وقدم شبيهاً لمعناه وتجسد أحاسيسه، ولماذا خص الشريف بركات (التميمي) بالذات مع أن هناك عدداً من الشعراء ذكروا الصدود والهجر وقدموا صوراً كثيرة في معانيه فلماذا لم يأخذ منهم؟
أقول: إن التميمي هذا ويعرف ب (المطوع) اتسم بالأخلاق الفاضلة وحسن السيرة، وكان شعره معبراً عن إحساس مرهف صادق ومتزن عاش في زمن قد مضى بقدر بحوالي 400 سنة، وله قصة معروفة وكان يسكن في (عكل) بلدة أشيقر الحالية، وهي اليوم مدينة ومركز مهم في إقليم الوشم.
من شعر التميمي ما يتبين منه مكان إقامته حيث يقول عن نفسه:
يقول التميمي الذي عاش مترف
مدى العمر ماش في حياته جاه
شدوا بنا من جو (عكل) وقوضوا
على كل باع اليدين خطاه
أما قصيدة التميمي التي تضمنت المعنى الذي أعجب به الشريف بركات وحرص على أن ينسبه لصاحبه وأن يوثق الصلة رغم بعد الزمن بين الاثنين فهي:
الأقفى جزا الأقفى ولا خير في فتى
يتبع هوى من لا يريد هواه
من باعنا بالهجر بعناه بالنيا
ومن جذ حبلي ما وصلت رشاه
فهذا هو الشاعر التميمي الذي عناه الشريف في قصيدته ولهذه الأسباب تم اختياره من قبل الشريف فقد قال القصيدة بصدق وعبَّر عن شعوره لا زيف فيه ولا خيال ونزف جرحه على زوجته التي فقدها بسبب موقف أهله منها وعدم رغبتهم فيها لسبب قبلي فقط، حتى مات حسرة وتحسراً عليها، بعد أن دوَّن قصيدته كاملة ثم مات فوق أبيات قصيدته، ولا يشابه الشاعر التميمي في قصيدته وملابسات الحسرة الحقيقية فيها أحد، لأن الشعراء الآخرين يواجهون أموراً طبيعية جرت عليهم وأحزاناً ليس بالإمكان تجنبها، أما التميمي فقد واجته مؤامرة كان بالإمكان تلافيها وقوبل بخدعة جزء من نتائجها، ولذا يُعد موقفه فريداً بلا منازع، لم يكن في حبه متعدياً، ولم يكن ساقطاً في غرام مُحرَّم، ولمن يكن متخيلاً لمحبوبة وهمية، وبالتالي فإن اختيار الشريف بركات لمعاني الشاعر التميمي كان اختياراً موفقاً من مُطلِّع وخبير بعدة نواحي منها: الاجتماعية والأدبية والتاريخية، وفي الوقت نفسه يريد اكتساب المصداقية لأقواله ولا يريد أن يتعدى على المعنى مع أنه في مقدوره أن يقول المعنى بأي أسلوب شعري وبأي لفظ ولا يعتبر سارقاً له فقد قال عشرات الشعراء معاني مشابهة، ولكنه يريد أن يزداد مصداقية مع السامع ويضيف تلك المصداقية أيضاً لما يقول، بالإضافة إلى تقريب الحالتين من بعض وهما حالة التميمي وحالة الشريف بركات وفي هذا تحقيق لسحب ونقل كل معاناة التميمي وأحاسيسه لتحل في قصيدة الشريف بركات.
هذا الأسلوب أو المنهجية بدأت تختفي اليوم من شعراء لا يزالون في بداية طريقهم ومع هذا يستشعرون الكمال ويأنفون من كلمات عدة منها الاقتباس والتضمين والتقليد والاستعارة والمحاكاة وغيرها ظناً منهم أنهم فوق هذا وأكمل من أن يسيروا على نهج سابق، فوقع البعض منهم فيما هو أسوأ وهو التعدي، أو عدم احترام السامع خاصة وأن معظم متلقي الشعر لديهم إطلاع بالساحة الشعرية ويعرفون بالمقارنة ممن أخذت المعاني وممن تم تقليده، وربما أدى هذا إلى التقليد من الشاعر الناشئ ومن ثمَّ خصمه من قائمة المصداقية والتواجد.
ولذا أقول للشعراء الجدد قلد الكبار لتكبر واعترف بالقيادات الشعرية وترفع عن مواطن الاستكبار وادعاء الكمال فالجميع ينشأ في وسط سبقه غيره إليه وعليه أن يجدد بعدما يعرف حقاً لمن سبقه.