.. القصر، والكلاب..
في الصيف الماضي اتصل بي الصديق معجب العدواني من مانشستر وهو يحضر الدكتوراه هناك، يسأل عن صديقنا المشترك الدكتور عبدالله الغذامي، وكنت في قاعة جامعة جلاسكو بصحبة معالي الدكتور محمد السالم في حوار مع المبتعثين، وكان الوقت ضيقاً وليس هناك مجال للأخذ والعطاء مع الأستاذ معجب حول أسئلته عن الدكتور الغذامي فقلت انه في أحد المنتجعات ببرايتن وسوف أهاتفك بعد خروجنا وأعطيك التفاصيل كاملة..
ومع محاضرة الدكتور السالم والأحاديث، والنقاشات الطويلة مع المبتعثين وكان بعضها حول قلة الراتب والحياة المعيشية المرهقة، والعيشة الضنك التي يعيشونها، وكانوا يحملونني ذلك وكأن الأمر في يدي، وأحتمل..!! في ظل هذا الانشغال نسيت الاتصال بالعدواني، وحينما عدنا إلى الفندق وكنت أريد الخلود إلى الراحة بعد رحلة شاقة، ومضنية، ما بين الطائرة والقطارات، وأسئلة المبتعثين.. هاتفني مرة أخرى وقال: هل صحيح أن الغذامي يسكن في منتجع ببرايتن..؟ ووجدتها فرصة للعب بأعصابه انتقاماً منه حيث منعني اتصاله من أخذ قسط من الراحة، فقلت: طبعاً الغذامي يسكن في منتجع يمتلكه هناك.!! قال مندهشاً: يمتلكه..؟ فقلت بإصرار ويقين بل وباستغراب عن استفساره وكأنه لا يعلم ذلك: نعم إنه يملك منتجعاً ضخماً على ربوة تطل على البحر، وهو منتجع فريد من نوعه لا يملكه إلا الأثرياء وأصحاب الملايين، فقد كان قصراً قديماً لأحد نبلاء انكلترا وإقطاعييها حوّل إلى منتجع ضخم آل اليوم إلى دكتورنا الغذامي، «كذلك أورثناها قوماً آخرين».. وراح يحاول أن يستوعب ما يسمع، ويدبر الأمر في ذهنه، وهو كمن يحاول تربيع الدائرة..
قال: سبحان الله.. والله ما كنت أحسب أن الغذامي ثري إلى هذه الدرجة.. قلت: إذاً اسمح لي أن أتهمك بالسذاجة.. الغذامي الذي له قرابة الثلاثين عاماً وهو يكتب ويتحدث، وينظّر للحداثة حتى أصبح من روادها في المنطقة.. تظن أنه لن يربح من ذلك شيئاً..؟ أين كتبه..؟ أين محاضراته..؟ أين ندواته في المؤتمرات الأدبية..؟ أين المقابلات الصحفية والتلفزيونية..؟ بل أين يذهب عمله كمستشار في كثير من المؤسسات الثقافية..؟ أتظن أن ذلك يذهب سدى، وأن الغذامي يفني قلمه وعينيه لوجه الحداثة فقط..؟
قال: طبعاً لا.. ولكنني لم أكن أتوقع أن ثراءه إلى هذا الحد.. قلت: ولكني لست مسؤولاً عن صدق توقعك من عدمه.. قال: صحيح..
قلت: على كل حال سوف أعطيك العنوان وبامكانك أن تذهب إلى أقرب محطة قطار وتستقله إلى هناك، ولكنْ هناك شيء لابد أن تتنبه إليه وتحذر منه. قال: وما هو..؟ قلت: إن القصر تحرسه ثلاثة كلاب بوليسية ومن النوع الشرس Dobermann وناب الواحد منها كفيل بأن يجعلك ضيفاً لدى المستشفى لمدة شهر، هذا إذا قدر لك أن تعيش، ولذلك يجب أن تهاتفه كي يأخذك الحارس ويجنبك شرور الكلاب الشرسة.. ووضعت السماعة وتركته يفكر كيف يشاء في قصر رجل الحداثة وفي حراسه، وفي كلابه، وفي قصره الذي قلت له إنه يشرف على البحر وإن بجانبه مراوح طويلة لطواحين هواء ضخمة لها جلبة ورونق حين تهب الريح في أي اتجاه فتدور بشكل حداثي مرن..
ركب العدواني القطار وهو يحمل في يده جراباً محشواً بالجرائد والأوراق، وفي يده الأخرى حقيبة مشحونة بالملابس لقضاء يومين على شاطئ «برايتن»، وفي ذروة جبل مطل على البحر يعلوه قصر تحيط به مراوح الهواء وتحرسه الكلاب ويقطنه ناقد حداثي.. ووصل القطار بعد خمس ساعات من الرحيل إلى «برايتن».. وهاتفني الزهراني قائلاً: «يا شيخ تلفون الغذامي ما يرد». قلت له: حاول وانتظر فهو حتماً سيرد..
جلس في قهوة إلى جانب البحر هناك، وصار يتصل بالغذامي ما بين فترة وأخرى ويحتسي أكواب القهوة.. ولكن لا جواب، فالتلفون هذه المرة مغلق..
اتصل بي وقال: «يا شيخ بالله العظيم.. ايش هذا؟.. معقول.. ليش ما يرد.. تعبت من الجلوس ولا أحد يرد..».. فقلت قد يكون الرجل نائماً ولكن لماذا تجلس في المقهى، اذهب إلى القصر رأساً.. وأعطيته وصفاً لبيت قديم داخل مزرعة، وتحيط به مراوح هوائية وهو ما كان في ذهني حين قلت له: إن الغذامي يسكن في منتجع هناك.. والموقع بعيد عن وسط «برايتن» بما يقارب الميلين.. وعلى الذاهب إليه أن يصعد في الطريق العام المؤدي إلى منطقة «سفن سيسترز» وأن يعتلي جميع الهضاب حتى يظهر له البيت والبحر..
وسار الزهراني حاملاً حقيبته فوق ظهره وبيده جراب الجرائد والأوراق.. وكان يسير وربما كان يتقمص شخصية «كازانوفا» والناس حوله على الشاطئ على طريقة «إن كنت لا تطيق الحر فتعر»، وأخذ يسير صاعداً، وهناك وجد مزرعة مسيجة بالأسلاك الشائكة، ورأى المراوح، والبيت المرتفع على الربوة، ولكنه لم يجد منفذاً إليه.. فقد كان باب السياج مغلقاً.. وعاود الاتصال بالغذامي ليفتح له الباب وليقيه شر الكلاب.. وأخيراً «لقط التليفون»، وحينما رد عليه الغذامي بادره معجب بلهجة زهرانية قحة: «فينك يا رجل.. يا شيخ والله تعذبت.. تلفونك مرّ مسكر ومرّ ما يرد، وأنا لي خمس ساعات حايس.. افتح لي الباب.. واكفني شر الكلاب.. عليك وجه الله يا دكتور».. وبهت الغذامي واندهش وانشده وحار ودار ولم يدر ماذا يقول، إلا أنه أخذ يكرر: «معجب..!! يا معجب وش بك».. قال: يا أخي أنا عند بيتك؟!.. بيتي فين يا معجب..؟! ويصيح معجب: بالله يا دكتور عبدالله أنا دخيلك أفتح وبلاش حرق أعصاب..!! ويرد الغذامي بقلق واضطراب وانفعال مكتوم: «والله، وأقسم بالله العظيم أنني لا أفهم ما تقول..؟!».
وينادي معجب ويصيح؟: «يا دكتور بالله وينك..؟ وليش ما تفتح باب قصرك..؟ علي الحرام اني لو عارف انك ما تفتح ما جيت..؟». فيجيب الغذامي وهو يكتم غيظه: «ياخوي معجب باب ايش..؟ وقصر ايش..؟ الله يرضى عليك اسمعني.. أنا وأولادي الآن في مطار هيثرو..! في مطار هيثرو..!! يا أخي باقي على إقلاع رحلتنا ربع ساعة.. ربع ساعة..!!».