إن الاكتئاب واحد من أكثر الاضطرابات النفسية انتشاراً بين الناس ويشكل ثاني أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً بعد إدمان الكحول في الولايات المتحدة الأمريكية. وتتراوح نسبة الإصابة بهذا الاضطراب بين6,1٪ و9,5٪ وهي نسبة عالية وتؤثر على المجتمع بشكل سلبي، ويعتبر الاكتئاب واحداً من أكثر الأمراض النفسية انتشاراً في الوطن العربي بما في ذلك المملكة العربية السعودية ويكلف الاكتئاب المجتمع أعباء مالية إضافية باهظة إضافة إلى تأثير مرض الاكتئاب على الأسرة وعلاقة الفرد بالعمل. ويختلف الاكتئاب عن الحزن العادي بأن اضطراب الاكتئاب يستمر فترة طويلة إضافة إلى ان الشخص المصاب بالاكتئاب يفقد الاستمتاع بكل ما حوله ويشعر بأن الحياة مملة مما، يجعله يفكر أحياناً بالانتحار ويفقد رغبته بالعمل ويشعر انه عاجز عن عمل أي شيء يفقد أيضاً شهيته للطعام وينقص وزنه.
الشعور بالاكتئاب منتشر وتقريباً فكل شخص منا يشعر أحياناً بأنه متضايق أو بالمعنى العامي (قفلت معه!!).. أو يشعر بأن حياته جحيم لا يطاق أو بالحزن في بعض الأوقات. عادة يكون هناك مسببات واضحة بشكل ظاهر لهذه المشاعر مثل الاحباط، خيبة الأمل، فقدان شيء عزيز أو شخص غال وهناك مسببات أخرى تفسر هذه المشاعر.. لكن ليس دائماً هناك مسببات!
ثمة أحيان نكون في مزاج سيىء.. ليس لدينا أي قدرة على تحمل أي شخص أو أي تصرف من أي شخص حتى لو كان من أقرب المقربين منا..! نشعر بكآبة حقيقية.. نستيقظ من النوم ونحن في مزاج متعكر وان «النكد» يتلبسنا من أعلى شعر الرأس حتى أخمص القدمين..!! كل هذا وليس لدينا أي تفسير لما يحدث!!
عند بعض الأشخاص يكون الاكتئاب بصورة شديدة، بحيث يسيطر على حياة هؤلاء الأشخاص، مما يجعل بعضهم يعتقد بأن الحياة لا تستحق ان يعيشها الإنسان، ويمنعهم هذا من ممارسة حياتهم الطبيعية كما اعتادوا ولا يستطيعون تحمل مشاكل الحياة العادية.
عند هذا الحد فإن هذا الأمر لا يعتبر أمراً عادياً وان الشخص ضعيف لا يستطيع التأقلم مع مشاكل الحياة العادية، وان مثل هؤلاء الأشخاص لا يستطيعون (لملمة) أنفسهم ودفع تيار حياتهم لمواجهة الحياة كما يجب.. وان هذا الأمر ليس استسلاماً وضعفاً من هذا الشخص ولكن في واقع الأمر هذا الموضوع وهذه الأعراض هي أعراض مرضية لمرض مزعج هو الاكتئاب.. وهو واحد من أكثر الأمراض النفسية إيلاماً للمريض وللمحيطين به، ويؤثر على المرء بصورة سلبية كبيرة.
مثال للاكتئاب: عبدالله رجل أعمال يبلغ من العمر 48 عاماً حضر إلى العيادة بعد ان شعر بفقدان الاهتمام بجميع ما يحيط به وضعف التركيز خلال الخمسة أسابيع الماضية. خلال الأربعة أشهر التي سبق حضوره للعيادة كان يشعر ببعض المصاعب بعد ان توفي صديق له، كان هذا الصديق أيضاً شريكاً له في العمل. أثرت وفاة هذا الصديق على عبدالله بشكل كبير، حيث أصبح يعاني ضغوطاً خلال العمل وتكاثرت الديون على الشركة وأصبح يفكر كثيراً بمصير عائلة صديقه وكذلك شعوره هو شخصياً بعدم الأمان على نفسه وعلى أفراد عائلته. وخلال الأسبوعين اللذين سبقا حضوره لم يكن يستطيع الذهاب إلى عمله ويمضي غالبية وقته في المنزل لا يعمل شيئاً ولا يستطيع اتخاذ أي قرار في أي مسألة مهما كانت بسيطة ولا يرغب في الحديث مع أقرب الأشخاص إليه. أصبح يظن ولكنه في الآونة الأخيرة أصبح متأكداً من ان شركته أفلست، فقد شهيته للطعام ونقص وزنه بشكل ملحوظ وتلخبط نومه بحيث أصبح لا يستطيع النوم بسهولة وينام نوماً متقطعاً ويستيقظ مبكراً ليس كما أعتاد. كما فقد أي اهتمام بالجنس. كان مزاجه متقلباً خلال اليوم، فقد أصبح أكثر انطوائية وأكثر كآبة في الصباح. ثم بدأ يلوم نفسه وان جميع هذه المشاكل بسببه هو شخصياً وأصبح يقول بأن حياته سلسلة من الفشل وانه لا يستحق الحياة وذكر بشكل واضح بأنه فكر في انهاء حياته بواسطة القفز من مكان مرتفع.
الحالة التي أوردناها هي حالة تقليدية لمرض الاكتئاب وهي الحالات التي تتطلب علاجاً سريعاً بالعقاقير الدوائية وفي بعض الحالات هناك مبررات لاستخدام الجلسات الكهربائية حيث إنها ذات مفعول سريع وآمنة.