د. سعد بن سعيد آل غائب
يقول الحق تبارك وتعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة...} للدلالة على أهمية هذا العنصر في التخطيط حيث إن كلمة قوة هنا جاءت نكرة ولم تعرف لكي تشمل جميع أنواع القوة سواء بدنية أو فكرية أو مدنية أو عسكرية أو إيمانية. كما تدل سورة الحديد على أهمية هذا العنصر لا سيما في الوقت الحاضر حيث ظهرت فائدته في جميع المجالات والميادين العمرانية والعسكرية والثقافية والتعليمية وغيرها وهذا ما يدل عليه سياق الآية الكريمة {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..}
- الشورى الإيمانية مع ذوي الاختصاص:
حيث تدل آيات كثيرة على ذلك، منها قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} وهو توجيه للرسول صلى الله عليه وسلم المدعوم بالوحي لتطبيق هذا المبدأ الإسلامي العظيم، فمن باب أولى، أن يلتزم به بقية المسلمين. كما أن الله تعالى جعل الشورى صفة ملازمة للمؤمنين حيث يقول تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} وقال في ضرورة الاستعانة بأهل الاختصاص من أهل الإيمان: {فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} كل ذلك للدلالة على أهمية تجميع المعلومات اللازمة عند وضع الخطة من ناحية، ولتطبيق هذا المبدأ من ناحية أخرى، ليكون حافزاً للمشاركين في تنفيذ الخطة فيما بعد على الوجه المطلوب.
- المدة الزمنية والمرحلية في التخطيط: التخطيط عملية مستمرة وشاملة، فهو يعني التفكير والتأمل والدراسة والتحليل لجميع الجوانب ذلك استعداداً لما يواجهه الإنسان المؤمن في مستقبله القريب أو البعيد ويؤكد ذلك المعنى قوله تعالى مخاطباً المؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعلمون}.
ومن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين» حيث يتضح من هذا الحديث ضرورة التفكير وأن يأخذ المؤمن مبدأ الحيطة والحذر من أية جهة حصل منها ضرر أو خطر عليه في الماضي أو الحاضر، وهذا عنصر مهم في التخطيط عموماً ولكنه يتوجب في التخطيط، فالموظف إذا أخل بعمله ثم ترتب على ذلك حسم من راتبه أو الحرمان من علاوة أو ترقية مثلاً، فإنه لن يعود إلى مثل ذلك التقصير أو الإخلال مرة أخرى، وفي حديث آخر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. فإن (لو) تفتح عمل الشيطان».
وهذا الحديث يحتوي أيضاً على عناصر اخرى للتخطيط الإسلامي ومنها الجانب الإيماني، وضرورة التخطيط لتقويته، حيث إن هذا التوجيه النبوي يحث المؤمنين على الأخذ بأسباب القوة فهو يمتدح المؤمن القوي سواء كانت تلك القوة جسدية أم فكرية أم عقدية فإن في قوته قوة للمؤمنين. كما أن فيه إشارة إلى عنصر الخيرية في المؤمن مهما كان ضعيفاً، فينبغي على الإدارة التخطيط لتنمية العصر الإيماني. وقد يتم ذلك من قبل الفرد ذاته (تنمية ذاتية) وقد يتم من قبل البيئة المحيطة به سواء كانت الإدارة الأسرية أو إدارة المنطقة أو الإدارة العامة في الدولة عن طريق مؤسساتها المختلفة.
وفي الحديث أيضاً: حث على بذل الأسباب وتوفير الامكانات للوصول إلى الغاية والأهداف المشروعة. وهذه عناصر مهمة في التخطيط، إذ إن أهميتها تكون أكبر في التخطيط الإسلامي لأن المؤمن لا يسعى فقط للمصلحة المادية الدنيوية البحتة كما يفعل غيره بل يسعى للمنفعة الأخوية أيضاً. ومن هذا المنطلق نجد أن للتخطيط أهمية قصوى في الشريعة الإسلامية إذ يقول الله سبحانه وتعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} والتقدير هو أساس كل شيء، قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} وقال تعالى: {وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} هذه الآيات القرآنية وغيرها تقدم دليلاً على أن الحياة الإسلامية تقوم على التقدير والتنظيم والترتيب وهذا هو جوهر التخطيط الذي يعتمد عليه كل نشاط يقوم به الإنسان. ولقد كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجاً حياً للإدارة المستنيرة التي تنسجم فيها الممارسات والأقوال والأعمال، ولا شك أن التخطيط عنصر مهم من عناصر الإدارة وتتجلى أهمية التخطيط في الأسلوب الإداري التطبيقي الذي مارسة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله وفي هجرته من مكة إلى المدنية، ثم تعلمه منه أصابه رضي الله عنهم وقاموا بتطبيقه بعد ذلك في إدارة الدولة الإسلامية. وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم التخطيط العمراني، والسياسي والاجتماعي، والاقتصادي والعسكري، هذه الأمثلة الرائعة تشير بوضوح إلى شمولية التخطيط وأسبقيته في المجال التطبيقي، والتخطيط نشاط إداري مهم وحيوي ولا يمكن إغفاله في حياة الأمم لأن الشعوب تسعى إلى التقدم والرقي ولا يكون ذلك إلا من خلال التخطيط السلم الشامل.
إن للتخطيط أهمية قصوى لاستمرار تقدم الأفراد والمنظمات والدول. وهو شرط أساسي لكل عمل إداري ناجح وهو أسلوب عملي يهدف إلى تحقيق أعلى معدلات التنمية الشاملة بأحسن الطرق وفقاً للإمكانات المتاحة.