بحث



الجمعة 13 جمادى الأولى 1427هـ - 9 يونيو 2006م - العدد 13864

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الحب والحوار

د. تنيضب الفايدي
    إذا تصافت النفوس، وتمازجت الأرواح، وتآلفت القلوب تولد الحب، والمقال لا يتناول معاني الحب ولا أنواعه، ولأن العنوان (الحب والحوار) ويقصد بالحب هنا: حب الوطن. ولكن لابد من نظرة على الحب الآخر لما له من أثر كبير على حب الوطن، حيث ان شعر الحب أو شعر الغزل ارتبط بالديار، والمنازل، والمواقع، والوطن، ورقة شعر الغزل تستميل القلوب، وتفجر المشاعر والأحاسيس، وتعمل على تثبيت حب الوطن أو (مكان الحبيب) قال الشاعر:

إذا وجدت أوار الحب في كبدي

عمدت نحو سقاء القوم أبترد

هبني بردت ببرد الماء ظاهره

فمن لحر على الأحشاء يتقد

ولهذا الشاعر مجموعة قصائد تعتبر أسهل وأرق ما قالته العرب في الحب. ولا غرابة في الكتابة عن الحب بمعناه الشامل، وأن يشاع كل ما يؤدي إلى حب الوطن بين الناس وقائل البيتين السابقين يعد أحد الفقهاء، بل أحد رواة الحديث فقد روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وروى عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه، كما لا تستغرب أيها القارئ العزيز من ذلك المحب الذي سبب له الحب السهد، والأرق، والسهر، فخاف أن يقتله فأخذ يستصرخ بالنائمين ويوقظهم لعله يحصل على جواب عن سؤاله:

ألا أيها النوام ويحكم هبوا

أسائلكم هل يقتل الرجل الحب؟

والشيء بالشيء يذكر هناك كلمات مخيفة مثل (القتل، التلف، الهلاك، الذبح) لاتتناسب مع لغة الحب، لكن عندما يتناولها الشعراء تصبح رقيقة وتثير المشاعر، والشواهد التالية على الكلمات المرعبة السابقة قد تم اختيار بعضها من قصائد اقترنت بالوطن ومنازل الحبيب:

وقد ذكرت كلمة «القتل» في (الحب):

ثلاثة أحباب فحب علاقة

وحب تملاق وحب هو القتل

ويأتي (الهلاك) من سحر العيون:

نظر العيون إلى العيون هو الذي

جعل «الهلاك» إلى الفؤاد سبيلاَ

ما زالت اللحظات تغزو قلبه

حتى تشحط بينهن «قتيلا»

و«الإتلاف» وردت في:

قلبي يحدثني أنك «متلفي»

روحي فداك عرفت أم لم تعرف

و «الذبح» في الحب:

أتراها تحبني ميسون

أم توهمت والنساء ظنون

كم رسول أرسلته لأبيها

«ذبحته» تحت النقاب العيون

ويتذكر المحب دائما من احبه، ويحبه أهله ومن يحيط به، ويحب داره، بل ويملأ عليه أقطار نفسه:

خيالك في عيني وذكرك في فمي

ومثواك في قلبي فأين تغيب؟

لذا فإن القلب المحب لا يمكن أن يكره، أو يحقد، أو يسيء لأحد، وتصبح للحب آثار منها: العطف، التواد، والابتسامة، السماحة، طلاقة الوجه، حسن التعامل، حسن الخلق، رقة الحديث، ومعروف أن أغلب أنواع الحب تؤدي إلى حب الموقع، وتبدأ بحب المنزل أو المسكن، ثم حب الديار، ثم حب الوطن، ومن ثم الشعور بفضله والإخلاص له، والحفاظ على مكتسباته.

ولكن الوطن يمتد على مساحات شاسعة، متباعدة إضافة إلى فئات مختلفة من المواطنين والمشكلة أن الاختلاف يأتي في التفكير والقناعات، وفي المذاهب وفي الثقافة، واختلاف الآراء وفي تنوع الاتجاهات، ولابد من توحيد النظرة الوطنية وإيجاد رؤية مشتركة، كما أنه لابد من إيجاد مساحة مشتركة تجتمع فيها نخبة من هذه الفئات للحوار العلمي الموضوعي، ضمن أجواء من الحرية والكرامة والأمان.. وبدأت الخطوة الأولى للحوار.. تلتها خطوات واثقة، كل يوم تزداد رسوخاً، والهدف محدد، والرؤية واضحة، والمسار لا انحراف فيه بل ويزداد عمقاً وثقة كل عام، لقد كانت فكرة ذكية، تلك التي شكلت الحوار الوطني منذ انطلاقته عام 1424ه حيث تأسس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، ولا نتحدث عن قواعد الحوار، وآدابه، وأشكاله، فقد أصدر مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني العديد من المؤلفات التي تقنن ذلك وتشرحه، وإنما يركز الحديث على مسافات الوطن التي بدأت تتقارب، حيث اتسعت الأرض المشتركة واتحدت فئات المجتمع وأزيلت الحواجز بين طبقاته، - وإن كان مجتمعنا طبقة واحدة- وارتفع مستوى الحوار وأصبح كل مواطن ومواطنة يشعر بأنه مسؤول (مسؤولة) عن الحفاظ على وحدة هذا الكيان، وأصبحت هذه الفئات، أبناء وطن واحد يتقبل بعضهم بعضاً، ولا توجد فئة تفرض قناعاتها أو أفكارها على فئة أخرى، بل يتعامل الجميع على أسس من المساواة والعدل ضمن الإحساس بالانتماء لشعب واحد وهو (الشعب السعودي) والارتباط بوطن معين هو (المملكة العربية السعودية)، وأصبح المواطن والمواطنة يعبر (تعبر) بكل حرية عن مشاعر الاعتزاز والفخر بانتمائه (بانتمائها) إلى هذا الكيان الغالي، ويرتبط كل منهما بالجذور التي كونت هذا الوطن، كما يحس كل فرد بأنه جزء أساس من الأسرة التي تكون مجتمعنا المملكة العربية السعودية، والجميع يلتزم بالتمسك بالنظم والمعايير التي تحدد هويتنا.

وكما هو معلوم فإن الحوار الوطني في لقاءاته المتعددة يتبنى آراء وأفكار وآمال وطموحات المواطنين بكافة شرائحهم، ويتم ذلك ضمن حوار هادئ يتسم بالتقدير والاحترام بعيداً عن الجدل والخصام والهدف الذي تتفق عليه كافة الفئات: هو حب هذا الكيان. ومناقشة قضاياه ومشكلاته، ومكوناته، ومناقشة الاحتياجات الواقعية للفئات المختلفة، وإيجاد الحلول والبدائل التي يمكن تطبيقها في الواقع الميداني، كما أن تنقل اللجان المشكلة للحوار الوطني في كافة أنحاء مناطق الوطن الغالي كان أنجع وسيلة لتشخيص الواقع في تلك المواقع وتحديد الاحتياجات الميدانية ليكون المواطن علي وعي تام بما يواجه وطنه من مشكلات داخلية أو خارجية، وأصبحت لديه القدرة في المساهمة في التصدي لتلك المشكلات والمشاركة في معالجتها. كما ساهمت لقاءات الحوار الوطني في توسيع دائرة حرية التعبير عن الرأي، والتنوع الفكري، وذلك ضمن إطار المساواة في التواصل، والهدف المشترك للجميع تحقيق الانتماء والاعتزاز بالهوية، والانتماء لا يتحقق باجتماع أو لقاء بل هو: تربية مستمرة، تبدأ بغرس الحب وأعلى درجات الحب: حب الله سبحانه وتعالى ثم حب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وحب الدين والتمسك به، ثم حب الأسرة والأهل عموماً، ثم حب الجماعة والتمسك بالمجتمع والاعتزاز به، وغرس الانتماء للحي، وحب المدرسة، وحب الانتماء للقرية أو المدينة، وحب الوطن، والإحساس بفضله والإخلاص له، والدفاع عنه، وعن كل رمز يذكر بالوطن ولاسيما العلم، والولاء لقيم هذا الوطن، وتنمية الشعور لكل فرد بأنه جزء من هذا الكيان الكبير المملكة العربية السعودية ويشترك الجميع في غرس وتنمية الحب للوطن الغالي، علماً بأن الأسرة هي الأساس في غرس الانتماء وتكوين الهوية وتشترك معها المؤسسات التعليمية والتربوية ووسائل الإعلام باختلاف أنواعها وبغرس الانتماء تتأصل الهوية في نفوس أفراد مجتمعنا، وكلما تأصلت كلما ساعد ذلك على تماسكنا وأصبح المجتمع السعودي صفاً واحداً لا يمكن اختراقه أو التأثير عليه.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية