د. صالح بن عبدالعزيز النصار
في الوقت الذي تسجل فيه الإحصاءات التربوية والاجتماعية ارتفاعاً في اتجاهات الشباب السلبية نحو القراءة الحرة، وعزوفاً ملحوظاً عن ارتياد المكتبات وشراء الكتب، نجد أن أنشطة وبرامج القراءة الحرة غائبة في كثير من المهرجانات والمراكز الصيفية التي تنتشر في طول البلاد وعرضها.. كما أنه من المؤسف جداً أن يقل حضور أنشطة القراءة الحرة في اجازة الصيف في ظل الحضور الكبير لأنشطة أخرى أقل ما توصف به أنها أنشطة ترفيهية تخلو من الفائدة ولا تناسب فئات الشباب والفتيات الذين ارتقت اهتماماتهم المتعلقة بأنشطة الفراغ.
ومع إطلالة إجازة الصيف فإن المرجو من المهرجانات والمراكز الصيفية أن توجه جزءاً ولو يسيراً من جهودها وأموالها لنشر ثقافة القراءة في أوساط الشباب، وأن يجتهد القائمون على تلك المهرجانات والمراكز الصيفية على استحداث الأنشطة والبرامج الثقافية التي تنمي اتجاهات الأطفال والشباب الإيجابية نحو القراءة، وتشجيعهم على ارتياد المكتبات، وتعرفهم بمؤلفين ومبدعين وكتّاب ومفكرين، وأن يستفيدوا من إقبال الشباب على تلك المراكز للفت أنظارهم إلى أهمية القراءة، ودعوتهم إلى النهل من معينها، والاستمتاع بأوقاتها فمتعة القراءة لا توازيها متعة.
ويمكن استغلال إجازة الصيف لاطلاع الشباب على الجديد والمفيد من الكتب، وتعريفهم بالمكتبات العامة والخاصة القريبة منهم، واجراء المسابقات المختلفة في القراءة الحرة، وعقد حلقات النقاش والحوار حول القراءة وأهميتها، والاستماع إلى تجارب القراء مع القراءة، والالتقاء بالكتاب والمؤلفين، وعرض الكتب والقصص والروايات بأسعار مخفضة، وإتاحة الفرصة لهواة القراءة لتبادل الكتب المقروءة، وتشجيع الشباب القادرين ذهنياً وفكرياً وثقافياً على ارتياد ميادين التأليف والكتابة.
وكم سيكون مناسباً في تلك الإجازات أن تسعى المؤسسات الثقافية إلى توفير الكتب المختارة بعناية في أماكن الانتظار، وإلى إقامة المعارض الدائمة والمتنقلة في جميع أنحاء البلاد، وإلى تجهيز المكتبات السيارة للوصول إلى القرى والهجر والأماكن النائية لنشر ثقافة القراءة وحب الكتاب في أوساط الناس.
وبهذه الفعاليات، وغيرها، تسهم المؤسسات الثقافية، والمراكز والمهرجانات الصيفية في إيجاد بيئة ثقافية، تتنوع فيها أشكال الخبرة والمعرفة، وتنتشر بين أرجائها المتعة والفائدة، وتنمو فيها الرغبة في التأليف والكتابة، وتتأصل فيها عادة القراءة. إن الشباب السعودي في أمس الحاجة إلى القراءات الواسعة والمتنوعة، الواعية والمستنيرة، القراءات التي تنمي فيهم ثقافة الحوار والتسامح، القراءات التي توسع مداركهم، وتفتح أبواباً واسعة في الاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى وعاداتهم وتقاليدهم.
من جهة أخرى، فإن مستوى القراءة والوعي القرائي في الدول المتقدمة لم يصل إلى ما وصل إليه إلا لما شغلت القراءة اهتمام الجميع.. وإننا نأمل أن تصبح القراءة شغل المربين والآباء والمعلمين والمعلمات، لنعالج بها شيئاً مما أصاب أمتنا من التأخر عن اللحاق بركب العلم والمعرفة.. فالقراءة تعلم، وتثقف، وتوجه، وتعالج، وتفتح آفاقاً واسعة نحو المعرفة بشتى صنوفها. ولن تصل أمتنا إلى ما تصبو إليه من التقدم في مجالات العلم والمعرفة والثقافة إلا بعد أن تصبح القراءة في طليعة أولياتها، ويكون الكتاب - بشتى أنواعه - في طليعة اهتمامات أفراد المجتمع بجميع شرائحه.